بوابة الشرق الأوسط الجديدة

تحليلات سياسية

الغزو المركّب لحلب.. بأوامر تركية

عبد الله سليمان علي

لم تمض ساعات على كلام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أنّ «حلب لأهلها»، حتى دخلت المدينة في أتون معارك ضارية مستمرة منذ أربعة أيام، وقد تكون الأخطر بالنسبة لها منذ بداية الحرب السورية.

وبغضّ النظر عما إذا كان الاستثناء الرئاسي التركي لحلب من قائمة أطماعه التي اقتصرت في خطابه على منبج والباب، هو كلمة السرّ لبدء «غزوة حلب» أم لا، فإنه يصعب التصديق أن تنطلق هذه الغزوة من دون ضوء أخضر تركي، أو على الأقل من دون غضّ طرف، وذلك نظراً للحساسية العالية التي تنطوي عليها مدينة حلب، خصوصاً في ظلّ ما تم تسريبه من وجود تفاهم روسي ـ تركي على مصير الأحياء الشرقية والريف الشمالي.

وبحسب مصادر مطّلعة، فإن «غزوة حلب» انطلقت بعد اجتماعات مكثفة لقادة الفصائل المشاركة فيها مع ضباط ارتباط من الجانب التركي، تمّ فيها دراسة جدوى أي هجوم عسكري على المدينة. وأشارت المصادر إلى أن المعركة تأخرت لأكثر من أسبوعين بسبب الـ «فيتو» التركي عليها، غير أن تركيا بدلت موقفها في الاجتماعات الأخيرة وسارت مع خيار إطلاق المعركة، لكن مع التحفظ على أن يكون تحديد موعدها حقاً لها.

ويبدو أن التغيير التركي جاء على خلفية الاستعصاء الذي واجهته قوات «درع الفرات» التي تعمل تحت قيادتها، في محيط مدينة الباب، والخشية من أن يؤدي تطور الأمور هناك إلى صدام بين الجيشين التركي والسوري، خصوصاً بعد التهديدات السورية بإسقاط الطائرات التركية، وبتفعيل المقاومة المسلحة ضد «الاحتلال التركي».

لكن معلومات عن مصدر مقرب من «جبهة النصرة»، من شأنها إثبات أن تركيا لم تكن منذ البداية تعمل على تنفيذ التفاهم مع روسيا بحسن نية، بل سعت إلى استثماره بهدف زيادة مكاسبها من جهة، وبهدف الترجيح بين عدة خيارات شعرت بأن فائض القوة الذي باتت تمتلكه يُمكِّنها من تحقيق أي منها من جهة أخرى.وفي هذا السياق، أكد المصدر، وهو «مقدسي» (فلسطيني الجنسية) رفض الكشف عن اسمه أنه بعد ساعات من مطالبة كبار المسؤولين الأتراك «جبهة النصرة» بالخروج من أحياء حلب الشرقية، جاء موفد تركي (سوري الجنسية) إلى مقر «الجبهة» وأكد لقيادتها في حلب أن الطلب التركي ليس الهدف منه «استعداء جبهة النصرة» بل هو نتيجة لضرورة فرضتها الأجواء الإقليمية.

وأضاف الموفد التركي أن «المطالبة بالتالي ليست ملزمة وجبهة النصرة لها الحرية في اتخاذ القرار الذي تريده».

وأوضح المصدر أنه بناءً على هذه الرسالة، اتفقت «جبهة النصرة» مع باقي الفصائل بما فيها المدعومة من تركيا، على رفض الخروج، وهو ما أدى في حينه إلى إفشال الهدنة التي أعلنتها روسيا من طرف واحد.

وفي مقارنة مع ما جرى في ريف حلب الشمالي مطلع العام الحالي، عندما أعلنت تركيا أنه «لا مكان لجبهة النصرة في المنطقة الآمنة» التي تعتزم إنشاءها، سارعت «جبهة النصرة» حينها إلى الانسحاب من معاقلها في المنطقة وتسليمها لـ «الجبهة الشامية»، وهو ما يثبت أن الطلب التركي عندما يكون ملزماً لا تجرؤ بعض الفصائل «المتمردة» مثل «النصرة» على رفضه، فكيف الحال مع فصائل مرتبطة ارتباطاً عضوياً مع أنقرة مثل «أحرار الشام» أو «الزنكي» أو غيرهما. ومن أهم المكاسب التي يمكن أن تحصل عليها تركيا جراء معركة حلب، هو الضغط على الجيش السوري في محيط مدينة الباب كي يتراجع عن تهديداته، وحتى لا يقف حجر عثرة يسقط حلم الرئيس التركي في الوصول إلى المدينة التي طالما كرر، لدرجة الإلحاح، أنه يريدها إلى جانب منبج.

ومن الجدير ذكره هنا أنه وردت بعض الأنباء التي تحدثت عن انسحاب تنظيم «داعش» من مدرسة المشاة وبعض القرى المحيطة بها، غير أنه لم تثبت صحة هذه الأنباء، وإن كان من غير المستبعد أن يلجأ التنظيم إلى هذه الخطوة، حيث باتت المناطق المشار إليها محاصرة من ثلاث جهات، وبالتالي لا أمل لديه في المحافظة عليها. كما قد يرى التنظيم أن من مصلحته استخدام انسحابه منها لأجل تصعيد الموقف بين الجهات التي تقاتله، وهي عبارة عن ثلاثة جيوش متعادية في ما بينها، وتتمثل بقوات «درع الفرات» المدعومة تركياً، و «قوات سوريا الديمقراطية» المدعومة أميركياً، والجيش السوري.

كما أن تركيا تستغل الغموض في بعض بنود تفاهمها مع روسيا من أجل إعادة ترسيم المشهد في حلب على نحو يحقق مصالحها.

فإطلاق معركة في جبهات حلب الغربية لا يناقض من حيث المبدأ مضمون التفاهم الذي يشمل الأحياء الشرقية فقط، وبالتالي لن يؤدي إلى انهيار التفاهم لكنه سيسمح لتركيا بأن تواجه «جبهة النصرة» بأنها منحتها الفرصة الأخيرة لتغيير الأوضاع في المدينة، فإذا نجحت بذلك، فسيصب هذا النجاح في الرصيد التركي، أما إذا فشلت، فستكون فرصتها السانحة للتخلص من «جبهة النصرة» في أحياء حلب الشرقية، مع ما يعنيه ذلك من أن يصبح النفوذ فيها شبه محصور بالفصائل المحسوبة عليها، وعلى رأسها الفصائل التركمانية أو الإسلامية المطواع لسياساتها، وهو أقصى ما تريده أنقرة على المدى البعيد في هذه المرحلة. ميدانياً، أعلن «جيش الفتح»، انتهاء المرحلة الأولى مما سماها «غزوة أبي عمر سراقب»، في إشارة إلى قائده السابق الذي اغتيل بغارة مجهولة، مؤكداً سيطرته على مشروع 1070 شقة وضاحية الأسد، برغم أن هاتين المنطقتين ما تزالان تشهدان اشتباكات مستمرة، حتى إن «الحزب الإسلامي الكردستاني» نفذ قبل صدور البيان بوقت قصير عملية انتحارية في الـ 1070.

وفي خطوة تصعيدية، أعلن البيان أن أحياء حلب الغربية، وعلى رأسها حلب القديمة، ومشروع 3000 شقة، والحمدانية، والشارقة، والإذاعة، وسيف الدولة، وصلاح الدين، والعامرية، «مناطق عسكرية»، وأن حظراً للتجول يبدأ فيها منذ ساعة صدور البيان، وهو ما يشير إلى نية «جيش الفتح» استهداف هذه الأحياء التي يقطن فيها ما يقارب مليوني مدني.

وشهدت «غزوة حلب»، تعثراً واضحاً في مسارها الذي لم يتسم منذ البداية بالزخم المطلوب، فلم تحقق العمليات العسكرية أي تقدم نوعي على الأرض في حلب الجديدة ولا في مشروع الـ 3000، اللذين كانا محور العمليات، ليقتصر التقدم الوحيد الذي أنجزته «الغزوة» على السيطرة على أجزاء من ضاحية الأسد وبعض كتل المباني في الـ 1070 وقرية منيان.

وفي هجوم معاكس، تمكن الجيش السوري من استعادة السيطرة على قرية منيان بعد قيامه بعملية التفافية مكنته من تطويق المجموعات المسلحة داخل ضاحية الأسد باعتبار القرية بوابة الضاحية الوحيدة المتاحة لدخول أو خروج عناصر الفصائل المهاجمة. وفي وقت متأخر وردت أنباء عن تقدم الجيش ضمن الضاحية واستعادته السيطرة على أجزاء منها.

ومما له دلالته، أن الانقسام بين جناحي الفصائل المسلحة «غرفة عمليات جيش الفتح» من جهة و «غرفة عمليات فتح حلب» من جهة ثانية، لم يكن بالأمر الواضح وحسب، بل كانت له آثاره على الأرض أيضاً. فالجناح الأول أطلق على المعركة اسم «غزوة أبي عمر سراقب»، بينما سماها الثاني «غزوة يوسف زوعة»، كما أن كل فصيل يقوم بإصدار بيانات عن تطورات المعركة باسمه لا باسم غرفة عمليات موحدة.

وأيضاً، فيما فشلت «غرفة فتح حلب» في إنجاز أي تقدم على الجبهة التي تسلمتها وهي «جمعية الزهراء»، فإن «غرفة جيش الفتح»، التي تسيطر عليها «النصرة»، قاتلت بشراسة كبيرة، الأمر الذي مكنها من تحقيق بعض النقاط لمصلحتها.

ويُخفي هذا الانقسام الكثير من الهواجس التي تعتمل في صدر قيادة «جبهة النصرة» نتيجة تحسبها من نتائج المعارك وإدراكها أنها قد تكون مصيرية بالنسبة لوجودها في مدينة حلب، حيث قد ينتظرها في حال الفشل الـ «كارت» (البطاقة) الأحمر التركي. وربما هذا ما دفع زعيم «النصرة» أبو محمد الجولاني، إلى نشر صور له وهو برفقة بعض القياديين العسكريين في إحدى غرف القيادة والتحكم، محاولاً إعطاء عناصره المزيد من المعنويات لتحقيق إنجازات أكثر. وظهر مع الجولاني كل من القائد العسكري مختار التركي، وأبو الخير تفتناز، الذي يعتبر القائد العسكري للهجوم الحالي، كذلك ظهر في الصورة، ولكن ملثماً، أبو حسين الأردني الذي تم تعيينه بمنصب القائد العام لـ «جيش الفتح» بعد مقتل سلفه أبي عمر سراقب.

غير أن هذا التعثر لن يؤثر على استمرار المعركة واحتمال تصاعدها خلال الأيام المقبلة، لا سيما أن بعض المعلومات التي تسربت عن خطة المعركة من شأنها أن ترجح احتمال التصعيد، بل انتقال المعارك إلى محاور أخرى من المدينة وريفها. وقد يكون استهداف تحركات الجيش السوري على طريق خناصر ـ أثريا مرتين متتاليتين خلال 48 ساعة، مؤشراً على إمكانية تشعب محاور القتال.

كذلك كشف أحد القادة الميدانيين في «جبهة النصرة» في أحياء حلب الشرقية، حذيفة الدمشقي، خلال تصريح صحافي، أن انضمام الفصائل في الأحياء الشرقية إلى المعركة هو مسألة وقت، مشيراً إلى أن الاتفاق يقضي بعدم تحرك هذه الفصائل قبل أن تتحقق مجموعة من الأهداف المتفق عليها في جبهات حلب الغربية، من دون أن يذكر ما هي الأهداف المقصودة. وأشار أيضاً إلى وجود عشرات العربات المفخخة الجاهزة للتفجير بمجرد إعطائها إشارة البدء. وعموماً، يرى العديد من النشطاء الإعلاميين سواء الموالون أو المعارضون أنّ مدينة حلب تتعرض لخطة مركبة وطويلة الأمد، تتقاطع فيها مصالح العديد من الفصائل مع المصالح الإقليمية والدولية، وأن هذا التقاطع من شأنه أن يزيد من تعقيد الأوضاع ويؤدي بها إلى الانزلاق نحو مستويات غير مسبوقة من العنف والموت والخراب.

صحيفة السفير اللبنانية

ثمن الموصل الذي ...
اضطراب إسرائيلي من ...

developed by Nour Habib & Mahran Omairy