بوابة الشرق الأوسط الجديدة

تحليلات سياسية

كلام في السياسة | بوتين لكيري: القرار للأسد

جان عزيز

على الذين ينتظرون خروج لقاء «فيينا ــ 3» المنعقد في نيويورك، برئيسين جديدين لكل من سوريا ولبنان، الانتظار بعض الشيء وبعض الأمور العالقة بأشياء كثيرة. هذا ما يتأكد للمراقب الذي يتابع المواقف الحقيقية للأطراف المؤثرة في العملية السياسية المعقدة القائمة هناك.

أحد الدبلوماسيين الشرقيين المعنيين بالملف يؤكد أن التوافق بين موسكو وواشنطن، لا يزال حول العناوين العامة. كما حول المبادئ والخطوط العريضة: أن نذهب إلى اتفاق ضمن «المجموعة الدولية لدعم سوريا»، أو عملية فيينا، على صيغة حل تنطلق من إعلان جنيف في 30 حزيران 2012 كما من وثائق فيينا في 30 تشرين الأول و14 تشرين الثاني 2015. وأن تترجم هذه الصيغة عبر مجلس الأمن بواسطة قرار ملزم يمثل إطاراً لآلية تنفيذية معقولة. غير أن مسألتين اثنتين أوضحت روسيا بشكل جلي وكررت وستظل تقول إنها لا تقبل المساومة فيهما:

الأولى هي قضية اللائحتين المتفق على وضعهما في فيينا. لائحة المعارضين المعتدلين، ولائحة المنظمات الإرهابية. الثانية لُزّمت إلى العاصمة الأردنية لتنجزها بالتعاون مع كل المعنيين بالأمر في سوريا وخارجها. أما اللائحة الأولى، فلم تُلزّم إلى أي عاصمة كما يحاول البعض الإيحاء أو التصرف، بل كان واضحاً بشكل مؤكد خلال مؤتمر فيينا الأخير، أن المسؤول الوحيد عن إنجاز لائحة المعارضين المعتدلين هو المبعوث الأممي الخاص ستيفان دي ميستورا. وأن عليه أن يقوم بذلك استناداً إلى مساهمات دول عدة في الموضوع. بحيث يحقق توليفة منطقية بين نتائج مؤتمرات المعارضات السورية التي عقدت في الرياض أخيراً، مع تلك التي شهدتها موسكو والقاهرة ودمشق نفسها وحتى ما عقد في الحسكة. وعلى هذا الصعيد يؤكد الدبلوماسي نفسه أن من غير المسموح إطلاقاً التلاعب بقواعد هاتين اللائحتين، بحيث لا يتم أي تبادل في ما بينهما. فلا ينتقل إرهابي من لائحة عمان إلى لائحة دي ميستورا تحت راية الاعتدال ولا العكس. ولذلك فإن التشبيك وتقاطع المعلومات وتبادل المعطيات والتأكد وتكرار التأكد بين مساهمات تلك المؤتمرات كلها، هو السبيل الممكن لضمان عدم تغيير عباءات الإرهابيين.

ويكشف الدبلوماسي نفسه أن موسكو كانت حاسمة في هذا الموضوع في فيينا. حتى إن ممثل الرياض حاول استخدام كل تكتيكات الابتزاز للقفز فوق خط موسكو الأحمر في هذا المجال، من دون جدوى. وهو ما دفع وزير الخارجية الروسية سيرغي لافروف إلى القول: «منذ مدة شاهدت أحد عناصر تنظيم يصفه البعض الآن بأنه معتدل، وهو يأكل قلب أحد الأشخاص. لذلك أقول إننا نقول طبعاً بوجود معارضين معتدلين، لكننا قطعاً لا نعتقد بوجود أكلة لحوم بشر معتدلين!». وهو ما أدى إلى حسم الموضوع. غير أن البعض نفسه يحاول مجدداً التلاعب على هذا الخط الأحمر، وهو ما سيعقّد مهمة الجميع في نيويورك وما بعدها.

المسألة الثانية باتت معروفة تحت عنوان الرئيس الأسد. يقول الدبلوماسي نفسه إن ما يدعو إلى الأسف هو محاولة التذاكي والتشاطر في هذا الموضوع. فالموقف الروسي في هذا المجال كما في المسألة السابقة قاطع ونهائي، لكن مع ذلك تسجل بشكل دائم محاولات للتحايل عليه. وذلك عبر لعبة المفردات والألفاظ. ذلك أنه في وثائق مؤتمر فيينا وردت مفردة «الحكم» وفق الصيغة الغربية المتعارف عليها (Governance)، وذلك في إشارة إلى التركيبة الحكومية الجديدة المنتظر أن تنبثق من اتفاق الحل السياسي للأزمة السورية. وفي عرف موسكو أن هذا «الحكم» سيكون ائتلافياً جامعاً، على قاعدة حكومة وحدة وطنية تولد من الحوار المطلوب بين الحكم ومعارضيه. وفي مفهوم حلفاء دمشق أن هذا الإطار الجديد سيكون «تركيبة حكومية»، فيما يحاول أعداء دمشق السعي إلى جعله «تركيبة حكم كامل»، أي أن تؤدي إلى الاستغناء كلياً عن دور رئيس الدولة. هكذا صارت المعادلة على الشكل التالي: موسكو وحلفاؤها يقولون علناً، إن الحل هو مع الأسد رئيساً فعلياً يرأس، وحكومة وحدة وطنية تحكم، فيما الآخرون يحاولون سراً الوصول إلى حل مع حكومة بلا رئيس. ويكشف الدبلوماسي نفسه أن وزير الخارجية الأميركية طرح هذا الموضوع في زيارته الأخيرة إلى سان بطرسبرج، حيث التقى نظيره الروسي لافروف ثم الرئيس بوتين، علماً أن هذه النقطة بالذات هي ما استدعى لقاءه الثاني، حيث سمع بجلاء كامل من بوتين أن موسكو مع بقاء الأسد رئيساً حتى إجراء انتخابات رئاسية جديدة. وأن الأسد هو من سيقرر عندها ما إذا كان سيترشح لهذه الانتخابات أم لا. وهو ما دفع كيري إلى البوح لبوتين بأن موقفه هذا قد يؤدي إلى إغضاب السعوديين والقطريين والأتراك، وبالتالي إلى تعقيد مهمة استضافته لمؤتمر نيويورك، لكن بوتين لم يتزحزح عن موقفه قيد حرف. وهو ما دفع المسؤول الأميركي إلى التراجع مكتفياً بالحصول على فرصة انعقاد المؤتمر وإطلاق مسار الحوار السوري، مع ترك النقاط العالقة إلى مراحله المقبلة.

هكذا بات المشهد السوري واضحاً: مسار سياسي يحمل من الهوامش الرمادية ومن مناطق الغموض ما يكفي لبقائه حياً. ومسار ميداني عسكري مواز، يعوّل عليه لتضييق تلك المناطق والهوامش. فطاولة التفاوض ضرورية، فيما المعركة على الأرض مستمرة. والمكونان متكاملان وفق قاعدة ثابتة: من يربح على الأرض يربح على الطاولة.

صحيفة الأخبار اللبنانية

مجلس الأمن وسوريا: ...
أهم بنود القرار ...

developed by Nour Habib & Mahran Omairy