بوابة الشرق الأوسط الجديدة

تحليلات سياسية

معضلة “الطائر الأزرق”: لماذا أقدم أردوغان على حجب “تويتر” في تركيا؟ (مجموعة خبراء)

 

مجموعة خبراء

عرض: طارق راشد عليان*

"الحياة الديمقراطية تتطلب التضحية" .. هذه العبارة التي وردت في خطاب رئيس الوزراء التركي، رجب طيب أردوغان، واستخدمتها مؤخرا سبع صحف تركية في المانشيت الرئيسي على صدر صفحاتها الأولى ربما تشكل تفسيرا من جانب الحكومة للخطوة غير العادية بحجب موقع التواصل الاجتماعي "تويتر".
بيد أنه لا يمكن فهم القرار، إلا في سياقات القضايا المشتعلة داخل هذا البلد، وخاصة الفساد، بحسب تحليل نشرته مجلة "فورين بوليسي" على موقعها على الإنترنت لمساعد رئيس تحرير المجلة الأمريكية، ديفيد كينر.
فبينما تتمتع الصحافة التركية بالحرية بمقتضى القانون، فإنها تخضع للسيطرة أيضًا، فقد فرضت حكومة أردوغان غرامات بمليار دولار على ممتلكات وسائل الإعلام المعادية للحكومة، وأصدرت تعليمات صريحة للمحررين حول طريقة تغطيتهم للأحداث، ورحّلت الصحفيين المنتقدين لها. وعندما فشلت خططهم الأخرى، زجّت بالصحفيين في السجون، وحوّلت تركيا إلى أكبر سجّان للصحفيين في العالم.
ويقول ديفيد كينرفي تحليله : هذه ليست حكومة تتسامح مع وسائل الإعلام التي لا يمكنها السيطرة عليها، فليس هناك ما هو أصعب من السيطرة على ملايين من الأتراك الذين ينشرون بأنفسهم أخبارًا حول البلد بنقرة زر واحدة. وبينما لم تعلّق شركة "تويتر" على الحظر، فإنها اتخذت خطوة غير معتادة، وأصدرت مبادئ توجيهية تبين كيفية تجنُّب الحظر، وأخبرت الأعضاء التركيين بأنه باستطاعتهم إرسال التغريدات عبر الرسائل النصية الخلوية.
وأثارت خطوة أردوغان انتقادات دولية، حيث أدانت وزارة الخارجية الأمريكية قرار الحكومة التركية بحظر الخدمة، وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية، جين بساكي، إن "وسائل الإعلام المستقلة وغير المقيدة عنصر أساسي في المجتمعات الديمقراطية المفتوحة، ويتعارض إغلاق تويتر مع رغبة تركيا المعلنة في الالتزام بأعلى معايير الديمقراطية".
أردوغان من جانبه أصر على موقفه، وقال في تجمع انتخابي يوم الخميس الماضي: " تويتر، شميتر! سنمحو كل هذه الأشياء… يمكن للمجتمع الدولي أن يقول ما يريد. لا يهمني، وسيرى الجميع مدى قوة جمهورية تركيا". ومن المرجح أن أردوغان قد حمل بسرعة على تويتر، وفقًا التحليل، بسبب التسريبات الأخيرة لتسجيلات أثبتت تقارير أنها تُظهر الفساد الموجود في أعلى المناصب في حكومته.
وتبدو إحدى تلك التسريبات عبارة عن نقاش بين أردوغان وابنه حول كيفية إخفاء مبالغ كبيرة من المال. وهناك تسريب آخر يُظهر رئيس الوزراء وهو يهدد أحد المحررين لعدم قيامه بفصل كاتب عمود اعتاد نقد الحكومة التركية.
وقد تم الإفراج عن هذه التسريبات، في إطار النزاع بين أردوغان ورجل الدين، فتح الله جولن، الذي يُعتقد بأن دائرة أنصاره تضم العديد من كبار المسئولين في جهاز الشرطة في البلاد. من جانبه، نفى أردوغان صحة الكثير من التسريبات المسيئة له ولحكومته، ولم يعلق على البقية.
ويشير ديفيد كينر: "يمكن أن تضغط الحكومة التركية على مساحة واسعة من وسائل الإعلام المطبوعة لتجاهل التسريبات، لكنها لا تستطيع فعل أي شيء لمنع مستخدمي تويتر من مشاركة المحادثات المسجَّلة، والتعليق عليها". كما أن هناك تقارير تشير إلى وجود أشرطة جديدة في الطريق يمكنها أن تتسبب في خسارة الحزب الحاكم لأصوات كثيرة في الانتخابات المحلية في وقت لاحق من هذا الشهر.
ونظرًا للقيود المفروضة على وسائل الإعلام الرسمية، يعد الأتراك مستخدمين مخلصين لتويتر، حيث تُعد تركيا ضمن أكبر 10 أسواق نشطة على تويتر في العالم. وكما هو متوقع، أدى حظر أردوغان إلى رد فعل يمكن التنبؤ به بين مستخدمي تويتر المخلصين.
فقد دشن مستخدمون الهاشتاج #TwitterisblockedinTurkey (بمعنى حجب تويتر في تركيا) الذي سرعان ما انتشر في جميع أنحاء العالم، ولم يكن هناك انخفاض كبير في التغريدات القادمة من تركيا، حيث سرعان ما وجد المستخدمون طرقًا للتحايل على الحظر.
في الوقت نفسه، نشر الأتراك رسومًا كاريكاتيرية تبرز خوف الدولة من تويتر، وتعصب أردوغان تجاه المعارضة. وفي أحد الرسوم، يستوقف موظف أمن بالمطار أحد الوافدين إلى تركيا، ويسأله: "انتظر! هل تحمل أي أسلحة؟ أو مخدرات؟ أو تويتر؟".
الأهم من ذلك، برأي الكاتب، أن الحظر قد أدى أيضًا إلى تفاقم الانقسامات داخل حزب أردوغان. فقد قال الرئيس التركي، عبد الله جول، الذي زار مقر تويتر في عام 2012، إن حظر الموقع أمر "غير مقبول ". ولكي يزيد الطين بلة، فقد أدلى بهذه التصريحات عبر حسابه على تويتر.
وجول ليس المنزعج الوحيد، فقد واصل مليح جوكيك، رئيس بلدية أنقرة، وعضو آخر في الحزب الحاكم، تغريده على تويتر رافضا سياسة الحجب.

إسكات "الطائر الأزرق"

تحت العنوان أعلاه، قالت صحيفة "فاينانشال تايمز" البريطانية في تحليل لها، أعده مراسلها في اسطنبول دانييل دومبي، إن "الإنترنت" أثبتت أنها أصعب من حيث الترويض والتطويع، وما من معدة تقوى على هضم "تويتر".فبعد ساعات من قرار الحكومة التركية منع الوصول إلى "تويتر"، رد المواطنون الأتراك الضربة بمثلها على شبكة وسائل الإعلام الاجتماعية نفسها.
ونشر بعضهم صورة أُدخِلت عليها تعديلات، تُظهِر رجب طيب أردوغان، رئيس الوزراء، وقد غرس أسنانه في الطائر الأزرق الذي يعد رمزًا للشبكة الاجتماعية. ولم يكن هؤلاء وحيدين، بل كانوا غيضًا من فيض. فعدد التغريدات التي أرسلت بعد الحظر الذي وقع في منتصف الليل زاد 140 في المائة فوق المستويات العادية، وفقًا لبيانات قدمتها شركة "براندووتش" للتحليلات.
وأرسلت "تويتر" أرقامًا للهواتف الجوالة سمحت للمستهلكين الأتراك بالاستمرار في استخدام خدماتها. وفي إصلاح فني آخر ضد الحظر، ارتفع عدد تحميلات الأتراك لبرنامج هوت سبوت شيلد، خدمة الشبكة الافتراضية الخاصة الأكثر شعبية في العالم، إلى 270 ألف تحميل يوم الجمعة – المعدل اليومي يبلغ سبعة آلاف مرة.
ويشير تحدي المستخدمين الأتراك، والحجم الهائل لنشاطهم إلى عدم وجود نهاية فورية للضربات التي يعانيها أردوغان في الفضاء الإلكتروني.
وقال سولي أوزيل، من جامعة قادر هاز في اسطنبول: "أردوغان هارب باستمرار الآن، لا أعتقد أن لديه الوقت للتفكير، إنه يسعى لإبقاء الفضيحة خافتة إلى أقصى قدر ممكن، ومهما كلف الأمر، لكنه لا يستطيع التحكم في التكنولوجيا. بدلًا من ذلك، هو يؤجج نار الشك ".
وقبل فترة طويلة، كانت المفوضية الأوروبية، ومجلس أوروبا، وحكومة المملكة المتحدة، ومنظمة مراقبة حقوق الإنسان، ومنظمة العفو الدولية، وعديد من الهيئات غير الحكومية، والمنظمات الدولية الأخرى، قد أرسلت تغريدات تستنكر فيها ما يوصف بأنه هجوم على حرية التعبير. واصطف مشاهير الممثلين، مثل راسل كرو، وريتشارد برانسون، وميا فارو، وإيلايجا وود، للتعبير عن آرائهم.
وقدمت نقابة المحامين التركية شكوى جنائية ضد الحظر الذي قالت إنه غير قانوني. وبينما عادت خدمة "تويتر" بشكل متقطع، فقد خيمت درجة من الغموض على الذين فرضوا رسميًا هذا الإجراء، الذي من المفترض أن يكون ردًا على شكاوى المحاكم حول انتهاك الخصوصية.

"مويتر" بديلًا عن "تويتر".

بعد لحظات من تعهد رئيس الوزراء التركي، أردوغان، بإغلاق شبكة "تويتر"، تم إطلاق موقع جديد موازٍ لتويتر يحمل اسم "مويتر".وذكرت صحيفة "حريت" التركية أنه لم يتضح حتى الآن ما إذا كان من وراء هذا الموقع أنصارا لأردوغان أرادوا الإشادة بقراره غلق تويتر، أو مناهضين له أرادوا السخرية من القرار.

يأتي ذلك بعد أن قال أردوغان في كلمة له اليوم بالتركية "تويتر.. مويتر.. سنقضي عليه". وأشارت الصحيفة التركية إلى أن أردوغان ربما أراد أن يقول إنه أراد أن يغلق تويتر، وأي موقع مشابه له، أو ربما استخدم لفظ "مويتر" بسبب فراغ لغوي.

وبغض النظر عن ذلك، فقد تحدث أردوغان وهو على ثقة بأن جمهوره سيفهم مقصده. إلا أن اللافت للنظر هو أن أحد مستخدمي الإنترنت قام على الفور بتسجيل موقع "mwitter.com" وكتب على الصفحة الرئيسية للموقع: "فقط أبلغنا بإغلاقه، ونحن سنفعل يا سيدي.. نحن جاهزون."

*باحث علوم سياسية

مجلة السياسة الدولية (تصدر عن مؤسسة الأهرام المصرية)

مَن يقرع أجراس ...
خيوط اللعبة | ...

developed by Nour Habib & Mahran Omairy