بوابة الشرق الأوسط الجديدة

شرفات

الشيطان المعاصر، وشرعية رجمه!

عماد نداف

مر الشيطانُ مرور الكرام في روايتي الجديدة التي أعكفُ على كتابتها، والتي اخترتُ اسما مؤقتا لها هو: (روائحُ الجسر الأبيض)، لكنه ــ أي الشيطان ــ ترك عندي سؤالا غريبا يتعلق بتهيُأته في حياتنا المعاصرة، فهو موجود في كل شيء من حولنا، ليس من باب فعل (الشيطنة) المحبب في اللهجات العامية، بل من باب فعل الشر نفسه، المتطابق مع اسمه، والذي ينهشنا بدءا من تحولات الرغبة واندفاعاتها، ووصولا إلى الخيانة الوطنية!

على هذا الأساس كتبتُ تعليقا، استعدته أكثر من مرة على صفحتي في موقع الفيس بوك ، وعنوانه : الرجم في غير موسم الحج ! وأخاطب فيه القارئ قائلا:

” اجمع الحصى.. لاتكفي سبع منها .. املأ حضنك ولا تتردد ، وابدأ برجم الشياطين من حولك: هذه للخائن.. هذه لمن يسرق مال الدولة.. هذه لمن يأخذ أجره دون أن يقدم مايقابله .. هذه لمن يغش الناس .. هذه للمرتشي .. وهذه للمحتكر ..

وما تبقى في حضنك ارمها دفعة واحدة في وجه كل من يزور العقل أو يشوه الذاكرة أو التاريخ “!

لابد هنا من كشف مجموع التمظهرات التي يختفي خلفها الشيطان في حياتنا المعاصرة، والمقصود هنا ليس المعنى الديني فقط، لأن الشيطان في الدين يحمل مفهوما واحدا، في تاريخيته الدينية المرتبطة بالكون والتي لا تنفصل علاقتها أبدا عن الصراع بين الخير والشر في حياة الفرد!

إن كشف مجموع التمظهرات الدينية للشيطان تعني تلقائيا، الدخول في كل تفاصيل حياتنا التي نعيش فيها، ويشمل هذا الدخول:

ــ السلوك وفق منظومة اللاوعي وأثره على الرغبات .
ــ السلوك اليومي الاجتماعي العادي للفرد..
ــ السلوك الاقتصادي والسياسي والفني والأدبي للمجموعات.. إلخ.

في هذه الحالة، ينبغي أن لا نمر مرور الكرام على تمظهرات الشيطان في حياتنا المعاصرة، ولاسيما أن الشيطان يطرح نفسه جميلا في أفكاره ويختفي في هذا العصر وراء المصالح، والمصالح قد تكون كبيرة وقد تكون صغيرة، وعندها يكمن الشيطان في مجموع السلوك الذي سيبني عليه الأفراد وتبنى عليه الكتل الاجتماعية .

إذن هناك شيطان معاصر، يكتسح المفهوم الكلاسيكي للشيطان على أنه الدافع وراء الشر فحسب، فيختفي في الجمال والإعلان والترويج والسياسة .. ففي هذا العصر يبرز الشيطان على أنه وحي فني، وفي حالة كونه وحيا فنيا يستبعد الناس وجود الشر فيه، وقد يبرز على أنه مجموع الأفكار التي تعمل على ترويج السلع من خلال خداع اللفظ والتغليف والإعلان بغض النظر عن الجودة ويستبعد الناس وجود الشر فيه، وأيضا يمكن أن يكون الشيطان وراء إبداع العبارات الرنانة في الشعارات التي تسعى لخداع الناس وتوريطها في الفتن والحروب ، وقد يكون الشيطان فكرة استعمارية كبرى تختبئ وراء نزوع الهيمنة بحجة دفع الشعوب إلى التطور والحضارة والديمقراطية .. وقد .. وقد!

ماذا نفعل بالشيطان المعاصر؟!

ذلك هو سؤال الإنسان وهو يخوض الصراع الداخلي مع نفسه عندما يكون حاملا لضمير نظيف في كل مجالات الحياة، وأعتقد أن ما سنفعله هو تماما تلك الفكرة التي دونتها على صفحتي وفي مضمونها أن نجمع الحصى في أحضاننا لنرجم الشيطان المعاصر، فهذه للخائن وهذه للغشاش وهذه للمخادع وهذه لمن يخدع الناس فيُزين لها الخراب الكبير !

قبعة شوقي بغدادي ...

developed by Nour Habib & Mahran Omairy