بوابة الشرق الأوسط الجديدة

شرفات

في الشام يتحدثون بلسان العصفور!

عماد نداف

أم أشرف، التي تحدثتْ أمامي بلسان العصفور، هي صاحبة البيت الذي سكنت فيه مع أسرتي أكثر من ثلاثين عاما.. كانت غاضبة منا ، فنحن لم ندفع لها الأجرة منذ شهور، وعندما ذهبتُ إلى بيتها الذي تسكنه في عمق حي سوق ساروجا عند جوزة الحدبة، كان ذلك بهدف مفاوضتها حول زيادة الأجرة ولأقدم لها ما تستحقه عن الفترة السابقة، كان ابنها أشرف الذي يحمل لي الكثير من الود برفقتي..

أعطيتها الأجرة، وطرحت عليها أفكاري، وبعد أن أثنى أشرف على هذه الأفكار، اكفهر وجهها ولم ترق لها وجهة نظري، وغضبتْ، ثم التفتتْ إلى ابنها، وشرعتْ تؤنبه بنبرة قاسية، وكانت تتحدث بلغة لم أفهمها ، فهي ليست قريبة من اللغات المحلية الكردية أو الشركسية أو حتى لغة السيد المسيح المعروفة في منطقة القلمون السورية!

سألت أشرف: ماذا قالت؟ ولماذا لم أفهم عليها؟!

فقال لي : إنها تتكلم بلسان العصفور.. طول بالك سأشرح لك ما قالت.

قاطعَته أمّه : لماذا تشرح له؟! أنا سأخبره بأن البيت لنا، ونريده .. نعم نريده. لانريد زيادة ولا نقصان استأجروه منذ ثلاثين سنة والآن يجب أن يخرجوا.. فنهضتُ ، وأنا أقولُ لها : كما تريدينْ ياخالة أم أشرف .. كما تريدينْ ..

ودار حديث بينها وبين ابنها، لم أفهم منه شيئا، التفت أشرف بعدها إليّ وقال:

ــ اجلس، يجب أن نتفق ..

لعل لسان العصفور جعلها تتراجع عن مواقفها وقسوتها في التعامل معي. فقد جلستُ من جديد، واتفقنا على كل شيء ، وبعد الاتفاق قلت لها مازحا:

ــ كله تمام .. إلا لسان العصفور لم أفهم منه شيئا !

وضحكتْ أم أشرف ، ثم نادت ابنتها وحدّثتها بالطريقة نفسها، ثم وجدتُ ابنتها تسألني :

ــ هل تحب الشاي أم القهوة ؟!

فقلت لها : القهوة الحلوة !

** *

مضى زمن طويل على تلك الزيارة النادرة. غادرنا بيتها بعد سنوات. فقد بيع البيت وتحول إلى مكتب للصليب الأحمر. وماتت هذه السيدة وظل أشرف صديقا لنا، وكان يتهرب مني عندما أتصل به لأطالبه بتعليمي لسان العصفور. ومؤخرا صار الموضوع ملحا بالنسبة لي، فأنا أكتب روايتي عن الشام ومن الضروري أن يعلمني أشرف تلك اللغة السحرية، فقيل لي إنه سافر منذ سنوات دون أن يعرف أحد مكانه، ولم أتعلم لسان العصفور حتى الآن رغم أن أحدهم أعطاني مفاتيح هذه اللغة الشعبية التي كان يجيدها عدد كبير من أبناء الشام !

من مفاتيح هذه اللغة : ((حرف الزاي))، وعليك أن تضيفه إلى حروف المفردات العادية، فتتحول الجمل إلى عبارات يسيطر عليها هذا الحرف، ولذلك اقتربت من الزقزقة، وصاروا يطلقون عليها ((لسان العصفور))، وعلى من تتحدث معه أن يسقط هذا الحرف العصفوري من الكلمات لتعود المعاني إلى السياق، وأيضا تحتاج طريقة إدخال الحرف المذكور إلى رشاقة حيث يُحذفْ ويضاف حسب رشاقة المتحدث بلسان العصفور!

عدت إلى روايتي ، روايتي كانت تبدأ بكلمة ((شام))، وفكرت أن أتدرب على لسان العصفور بهذه الكلمة السحرية فتولدت معي الكلمة الأولى : ((شزام بزا. لزا . دزي))، أي الشام بلدي، وتذكرت رسول حمزاتوف عندما كتب ((داغستان بلدي)) ، والفارق أنك في معنى العبارة الجديدة المتولدة التي صغتها يمكنك أن تذهب في واحدة من أروع الرحلات القصصية إلى تفاصيلها ، فتتوالد الأمكنة والشخصيات والأحداث، ثم تتجمع عند النهاية لتشكل رسالة الرواية التي أشتغلُ عليها، والغريب أن شخصيتي “شام” و” أم أشرف” كانتا من أهم شخصيات الرواية..

وأنا هنا لا أريد أن أوحي بأن ما أكتبه هو سيرة ذاتية، أبدا، فروايتي تذهب في أقصى متاهات الخيال الذي ولّدتهُ مدينة دمشق الساحرة والحربُ التي عشناها فيها أكثر من مرة، والعشق الذي ينبض في جنباتها، وجعل أمي، قبل خمسين سنة، تغني لأبي قبل أن يعود من عمله ((وين الحبيب اللي وعدني وبقاله ساعة ولسّه ماجاش))..

والخيال الذي أتحدث عنه سرق الواقع كله، وهو خيال دفعتني إليه شخصية شام، التي تتألق بصبرها وجمالها على نحو عجائبي، قبل أن تسافر بعيدا عني، وذلك أسعى فيه إلى إيجاد لغة للتفاهم بين الشخصيات، لغة تريد أن تكتب بنود الاتفاق على العيش بسلام في مدينة السلام الشام، ولم أجدها ..

لم يجدها خيالي أبدا ، إلى أن وجدتُ شام، وهي واحدة من شخصيات الرواية الرئيسية، كما قلت، تأتيني في الحلم بصحبة امرأة اشتعل رأسها بالشيب، وتهدج صوتها، وتقول ، وهي تمسك بيد تلك المرأة وتضحك :

ــ كفاك ترددا في إنهاء روايتك !

ثم تتراجع ابتسامتها، ويصير كلامها جادا:

اسمع ، ألم تحكِ لي عن لغة العصافير. هاقد أحضرت لك أم أشرف .

وتتابع شام : قالت لي ستعلمك لسان العصفور، لعلك تجد طريقا لوقف الحرب!

وبدأت أم أشرف تعلمني، ورحت أفهم كل الطرق التي تؤدي إلى وقف الحرب، وكانت الطريقة الأولى تأتي من أنه من الضروري أن نسأل أنفسنا لماذا لاتشن العصافير حربا على غيرها ، ولماذا تعيش بأمان ؟!

وعرفتْ أن الوحوش هي التي تشنُ الحرب على السوريين !

هاقد قبضت ابنتي ...
القمر نافذتي في ...

developed by Nour Habib & Mahran Omairy