بوابة الشرق الأوسط الجديدة

كلمة في الزحام

السياسة التي لا تؤنث لا يعول عليها

حكيم مرزوقي

إذا كان” المكان الذي لا يؤنث لا يعوّل عليه ” في لغة المتصوفة، فما بالك بهذا العالم الذي تتجاور وتتساكن فيه الأمم والشعوب على مختلف ثقافاتها، ويسوسه غالبية من الذكور؟

الطبيعة الذكورية لا تنتج إلاّ المزيد من التطاحن والتكالب على المصالح والثروات لإعلان التفوق بمفهومه الفردي والذكوري البحت، والذي عادت ما يختفي تحت مسميات مضللة كالوطنية والشعبية والديمقراطية وغيرها.

تكاد ترادف كلمة “حكم” مفردة” دكتاتورية ” مع اختلاف نسبي في مدى اقتراب أو ابتعاد النظام السياسي من المنظومة الديمقراطية،
بدليل أن كل الحكام الطغاة عبر التاريخ وعلى امتداد الجغرافيا، هم من الرجال، وكل هؤلاء الرجال يتباهون بعدد العشيقات مثلما يتباهون بعدد ضحاياهم ومساجينهم ممن عارضوهم في سياساتهم.

لنمنح فرصة الحكم لنصف المجتمع الذي يربي نصفه الآخر وننظر بعدها كيف ستجري الأمور بمنتهى السلاسة واللطف والوئام، ذلك أن المرأة بطبيعتها كائن محب للسلام والعطاء، ولا يحقق وجوده إلاّ بوجود هاتين القيمتين.

إن من يستحضر عند قراءة هذه السطور أمثلة مضادة تناقض القول بأن النساء مسالمات بطبعهن، ويجهد نفسه في إيجاد وحشر أمثلة لنساء حكمن بالحديد والنار أو تسببن في كوارث وأزمات، سيجد نفسه أمام نماذج قليلة ونادرة تحفظ ولا يقاس عليها في التاريخ القديم والحديث، ثم من يقف خلف سياسة امرأة متعجرفة أو رعناء؟ أليس رجلا يشرّع أو يخطط أو يبدي النصيحة أو يزين طريق الضلال نحو مآربه الخاصة؟

في دراسة قام بها مركز الإحصاء العالمي تركز على سؤال الشعب الأميركي “ماذا يمنع المرأة من تولي مناصب سياسية متقدمة؟”، كانت النسبة الأكبر (43بالمئة): لأنها لا تتنازل عن مبادئها بسهولة عكس الرجل. بينما أجاب 23بالمئة بأن مسؤولية البيت وتربية الأولاد لا تساعدانها. أثبتت الدراسة أيضاً أن المرأة أكثر صدقاً في التعامل، وأكثر قدرة على التفاوض في مجال العمل.

أعفت أديان وثقافات ذكورية المرأة من “أعباء” القيادة العليا، ومسؤولياتها وتبعاتها، في تصريف شؤون الحياة وأوكلتها إلى الرجل. فالمرأة هي التي “تغوي وتوقع الرجل في الخطيئة، وهي الهشة الرقيقة” ومازالت هذه النزعة مستمرة ومكرسة حتى في مجتمعات عرفت نصيبا من التقدم.

من يقول بأن أنوثة المرأة تتعارض ومفهوم السلطة التي تتطلبها الحياة السياسية، هو بلا شك، نفس العقلية التي سنت القوانين والتشريعات فمنحت لنفسها دور القيادة وأعطت للمرأة دور الكومبارس المتمم لفكرة البطولة كمفهوم ذكوري بامتياز.

وهنا يأتي دور المرأة في فرض وجودها وانتزاع مكانتها عوضاً عن استعطاف مقعد في البرلمان أو وزاري غير “سيادي ” في الحكومة من ذكور السلطات أكانت التنفيذية أو التشريعية أو القضائية.

والأنكى من ذلك كله أن نساء عربيات يقتنعن ويروجن لمنطق الذكورة في الادعاء بأن الطبيعة والشريعة يقولان بعدم كفاءة وأهلية المرأة لتولي مناصب قيادية وقد تناست هؤلاء النساء بأن المرأة ليست غريبة عن اعتلاء سدة الحكم في العالمين العربي والإسلامي، وإن كانت لم تلقب امرأة بلقب “الخليفة”، لكنها لقبت بألقاب غير ذلك منها: السلطانة، الملكة، الحرة، خاتون، وأبرزهن على سبيل المثال: ست الملك إحدى ملكات الفاطميين بمصر، والتي حكمت في بداية القرن الخامس الهجري؛ مرورًا بالملكة أسماء والملكة أروى اللتين حكمتا صنعاء في نهاية القرن الخامس الهجري، وزينب النفزاوية في الأندلس، والسلطانة رضية التي تولت الحكم بدلهي في منتصف القرن السابع الهجري، وشجرة الدر التي تولت حكم مصر في القرن السابع، وعائشة الحرة في الأندلس، وست العرب، وست العجم، وست الوزراء، والشريفة الفاطمية، والغالية الوهابية، والخاتون ختلع تاركان، والخاتون بادشاه، وغزالة الشبيبة وغيرهن.

وتميزت الفترات التي تولت النساء فيها السلطة، على قصرها، بالهدوء واستتباب الأمن والرخاء الاقتصادي مما يعطي الدليل على نفعية ميزة المرأة المدبرة التي لا تنطبق على شؤون البيت وحدها بل في شؤون الحكم أيضا ولعلّ خير دليل على ذلك في وقتنا الراهن هو النمو الاقتصادي الألماني تحت قيادة انجيلا ميركل، وسط أزمات تعصف ببلدان مجاورة في أوروبا.

الذين يشككون في قدرات المرأة على الحكم تحت ذرائع واهية مثل الطبيعة المزاجية أو التردد أو العاطفة الجياشة، هم مخطئون، ذلك أن امبراطوريات ودولا عظمى قد حكمتها نساء وعرفن بصرامتهن مثل الملكة إليزابيث الأولى التي تلقب بالملكة العذراء، لأنها لم تتزوج ولم تنجب في حياتها وحكمت بريطانيا ما بين 1558 و1603. كانت امرأة قوية صارمة في قراراتها.

أما من يرى فيها متمّما بروتوكوليا للرجل الحاكم، وحصر دورها في رعاية الأعمال الخيرية وتأييد زوجها الحاكم في كل ما يقوله، فأمثلة عديدة تناقض هذا الزعم كألينور روزفلت، زوجة الرئيس الأميركي الأسبق فرانكلين روزفلت، والتي قد أعلنت في مناسبات عدة معارضتها سياسات زوجها. وبعد وفاة روزفلت، واصلت ألينور عملها في مجال حقوق الإنسان عن طريق الأمم المتحدة، وكانت من الذين ساهموا في إخراج الإعلان العالمي لحقوق الإنسان إلى حيز الوجود.

"لحوم فرانكشتاين " ...
لا معنى للديمقراطية ...

developed by Nour Habib & Mahran Omairy