بوابة الشرق الأوسط الجديدة

كتب

أحمد الشهاوي شاعر أحوال التلاشي

محمد سليم شوشة

في ديوانه «لا أراني» (الدار المصرية اللبنانية) يقارب الشاعر المصري أحمد الشهاوي أحوالاً خاصة لذاتٍ تبدو حركتها دائماً في الاتجاه المعاكس. تجافي هذه الذات لحظتها الآنية ولا تجد نفسها إلا في الطفولة ومفرداتها المفعمة بالأمل والرغبة في الكشف. وهذه الحال من التلفت إلى الماضي والتي ترصدها قصائد عدة، ليست هي مرتكز الشعرية، فحسب، فهناك الكيفية التي يقال بها المعنى وهي الأكثر أهمية؛ بحسب القناعة النقدية العربية القديمة، والتي لم تفقد وجاهتها بمرور الزمن. في القصيدة الأولى «مم يتكون جسد الشاعر فيك؟»؛ تتخذ الحال الشعرية صورة إجابات انفجارية راكضة وسريعة كأنما تحاول الذات اقتناص الذكريات من بحر هائج. تبدأ القصيدة بهذه المرأة الغائبة أو الذات المعادلة التي ليس لها حضور إلا عبر هذا السؤال الذي يكثف دهشتها من شعرية هذا الرجل، وهو ما يشي من البداية بإطار درامي يجعل المتابعة في القراءة مؤطرةً بمشهدية تحصن القراءة من التشرذم. من هذا السؤال الذي تطرحه الأنثى المتوارية خلف دهشتها الموحية بالمحبة؛ تستمدّ القصيدة شكلها من الإجابات المتلاحقة.

والمفارقة هنا في أن يكون السؤال والإجابة كذلك عن جسد الشاعر وليس روحه أو عقله، فكأنه بكل ما يبدو من كتلته ينتمي إلى الشعر. على أن كثيراً من متعة القصيدة يسكن تلك التفاصيل التي قذفتها الذاكرة حين الاستعانة بها على الإجابة عن السؤال. فتتنوع هذه الذكريات بين مغامرات الحب الأولى المتراوحة بين نموذجين للأنثى؛ إحداهما تعكس البراءة وقلة الخبرة وهي ابنة الجيران والأخرى تمثل الخبرة والسيطرة على ذات الشاعر وقيادته في مجاهل الحبّ. والاثنتان تكشفان عن التنوع والتقلب بين نموذجين متضادين وحالين متناقضين للحب، ما يحفز المتلقي على متابعة هذا المغامر غير الساكن على حال واحدة ولو في الحب، ويجعل القصيدة تتقافز بين أجواء على قدر كبير من التباين والحركية. وهذه الذكريات كذلك منها ما يرتبط بالمكان المغلق (البيت) ومنها ما يرتبط بالحقول والفضاءات المفتوحة، بين التعلم واللعب والمشاغبة. على أن نهاية القصيدة كذلك تنطوي على قدر كبير من الجمال حيث الارتداد إلى المشهد الإطار/ مشهد السؤال، لأن هذا التدفق من الذكريات بعد مساحة معينة قد ينسى القارئ ارتباطه بهذا السؤال المفتتح/ عنوان القصيدة ومطلعها، فتأتي النهاية جازمة على أن هذه الإجابة عبر الذكريات إنما هي جزء من كل، وأن الرصد والحصر لما يكون جسد الشاعر فيه لم يكتمل وربما لن يكتمل، فتكون القصيدة غير منتهية ومفتوحة على المطلق بربطها بهذه الاحتمالات المرتبطة بخارج النص، ولعل قدراً كبيراً من الجمال يأتي من درامية أن يكون المدوّن لبقية الإجابة والمسجل لقصة الذات الشاعرة وقصة طفولتها بالتحديد هو قطٌّ لازمه، فكأن غرابة هذه الحياة وثقلها قادرة على جعل هذا القطّ يفارق طبيعته وتنطقه ليكمل القصيدة.

الديوان يتمتع بعدد من المقومات الجمالية المتنوعة منها تلك زاوية الترميز والتلميح التي تجعل القراءة فعلاً موازياً منتجاً للشعرية كما فعل الكتابة الكامن خلف شكل الكلمات وأسطرها المصفوفة. فتغيب المباشرة التي تجعل النص الشعري ساذجاً، بل ثمة نوع من الاتفاق المضمر على شكل معين للتلقي يحاول الشاعر فيه استنهاض ما لدى القارئ من قدرات على فك الشفرات والرموز، وبخاصة تلك المرتبطة بعلاقة الحب والجنس والمرأة، فكثير من القيم الدلالية المرتبطة بهذه العلاقة تأتي في إطار رمزية موحية ومكثفة قد يكون قوامها المفردة الواحدة مثل (وكدتُ لفرط الفطرة أن أفتح مكّتها) فالطاقة الترميزية وبؤرة التفاعل مع العقل المتلقي في مفردة مكتها، أو يكون قوامها الصورة مثل قوله في قصيدة أخرى (ومن النهدِ نهراً يؤدي إليه).

من الناحية الشكلية للغة لقصائد الديوان؛ يبدو أن ثمة نمطاً من الجمل المتناظرة التي تأتي في حال من التتابع المتدفق أو المتلاحق والمرتبطة جميعاً بنقطة مركزية كأنما تدور حولها هذه الجُمل، والنسق النحوي يبدو كاشفاً لهذا النمط من الجمل. ففي (مم يتكون جسد الشاعر فيك؟) نجد أن القصيدة كلها بعد السؤال تأخذ شكل الجملِ الاسمية التي تجيب عن هذا السؤال، وتتكرر هذه الجمل حتى نهاية القصيدة ماعدا النهاية (وأفضِّل– عمداً– أن يبقى هذا النصُّ قصيراً/ أو قد يكتمل قبيل الموت/ أو في نصٍّ آخر يكتبه قطٌّ لازمني). والأمر نفسه في قصيدة (أحبُّ من الصمتِ صوت التنفسِ فيه)، ليتكرر بعد ذلك نمط (ومن كذا كذا) عبر هذا التركيب الثابت (الجار والمجرور المتبوعين بالمفعول به للفعل أحبُّ).

وهذا الطابع يجعل قصائد الديوان على قدر عال من التماسك اللغوي وهو بالطبع تماسك شعري حيث إن هذه البنية النحوية هي بالأساس انعكاس لبنية شعورية واحدة، لأن هذا النمط الواحد يبدو نابعا من مصدر واحد وينبت من حال شعورية هي هي نفسها. فكأن الذات الشاعرة في هذه القصيدة في لحظة معينة قررت مواجهة العالم بلحظة صفاء تعدد فيها ما تحبّ من هذا الوجود وأشيائه ومفرداته أو أحواله. في غالبية قصائد الديوان طاقات سردية كبيرة تمدّ الصوت الشعري برافد جمالي مهم يجعل القراءة مشوقة فضلاً عن أنها تجعل الأحوال التي تقاربها القصائد مدعومة بعدد من المشاهد والحكايات التي تصبح دليلاً على تلك الأحوال الشعورية وتجسد حضورها وتجعله ثقيلاً وضاغطاً على عقل القارئ، لأن المشاهد فيها قدر من الحكائية والتجسيد الذي يجعل المعاني بارزة ومدركة بالحواس وتتجاوز طبيعتها الهلامية الخفية وتخرج في مادية يجسدها المشهد المسرود. في ديوان «لا أراني» قدر كبير من الاتساق والتناغم الذي عبر عنه العنوان بتكثيف دال، إذ يجسد حال تلاشي هذه الذات وغيابها ومحاولة البحث عنها في دفاتر الذاكرة والطفولة وفي الأشياء والموجودات التي تحيط بها في وحدتها وصراعها مع الأسئلة. والحقيقة أن هذا الديوان يمثل حالاً خاصة ويتمتع بقدر كبير من الثراء الجمالي والدلالي حيث يقارب أحوالاً كثيرة لنموذج الإنسان المعاصر الذي تنعكس عليه فواعل ثقافية عدة تفقده حبه وتجعله دائم التلفت إلى الماضي، وهو؛ مع كل هذا، يتمتع بطاقات لغوية على قدر كبير من الجموح والقدرة على التخيل والتصوير.

صحيفة الحياة اللندنية

"لَستُ قدّيسة" تؤكد أن الحب والسلطة لا يجتمعان
إيلينا فيرّانتي تروي قصص «الهاربين والباقين»

developed by Nour Habib & Mahran Omairy