بوابة الشرق الأوسط الجديدة

كتب

أدب الحكمة العربي في مملكة قشتالة الإسبانية

هالة صلاح الدين

يتميز كتاب “الكوندي لوكانور: كتاب الحكايات والمسامرات والأمثال المفيدة” للكاتب الإسباني دون خوان مانويل (1282) بتكريسه لأدب الحكمة المستقى من الدرر العربية في مملكة قشتالة الإسبانية. كان دون خوان مانويل قد أثبت أنه أستاذ لفن النثر في جيله وأحد ملهمي الشاعر الإيطالي جيوفاني بوكاشيو في تجديده للسرد الرومانتيكي الفروسي. ورائعته هذه مجموعة بديعة من خمسين حكاية تترجم للمرة الأولى إلى اللغة العربية. وأهم ما يميز هذا السِفْر القصصي هو تجارب شخصية ينسجها الأمير المتمرد في وقائع تاريخية تكاد تبلغ حد الأساطير والخرافات.

صدر الكتاب عن مشروع “كلمة” للترجمة التابع لهيئة أبوظبي للسياحة والثقافة ونقله ببراعة إلى العربية الكاتب والمترجم العراقي عبدالهادي سعدون (بغداد، 1968). ويأتي الكتاب ضمن سلسلة الأدب الإسباني التي استحدثها مشروع كلمة للترجمة. والترجمة نسخة معدلة معاصرة للكتاب الأصلي مرفقة باستهلال واف عن ملابسات تأليف الكتاب.

حيوات عدة للقصة الواحدة
تتضارب التواريخ فيما يخص حياة الأمير دون خوان مانويل ومسيرته المهنية، ولكن الأرجح أنه انتهى من كتابة هذه المسامرات في العام 1335.
ومن خلال أكثر من نافذة لمعت هذه القصص في سياقات وثقافات متباينة. إذ يعود بنا الكاتب إلى مجالس الكاتب الإغريقي فيدروس والقاص الإغريقي أيسوب الذي أخذ عنه قصة عن ذئب وغراب بمنقاره قطعة من الجبن، وسوف نتعرف عليها في أرشيف الحكايات الرمزية للشاعر الفرنسي جان دو لافونتين. كما نقتفي في قصة الملك والخياطين المحتالين أصداء نسخة أولية من حكاية الإمبراطور العاري.

كذلك تحْضر بين تلك الأمثولات التقاليد الشرقية وعدد من المختارات الأدبية النابعة من المشرق. وقد وجدت طريقها بالتدريج إلى غرب أوروبا مثل كليلة ودمنة الهندية التي ارتحلت غرباً وترجمت إلى العربية ثم إلى القشتالية. نستقرئ أيضاً مرجعية من أقوال الحكماء المترجمة عن لغات شرقية كرحلات السندباد وعدد من القصص شرقية الأصل التي تألقت في العامية القشتالية.
ففي إحدى القصص يستخرج الكاتب درسا أخلاقيا من قصة مثَّلت جذراً سردياً لمسرحية “ترويض النمرة” لشكسبير حين يتزوج شاب مسلم بامرأة قوية جامحة متجاهلاً نصائح أهل بلدته ثم يحاول ترويض استقلاليتها بقتل عدد من الحيوانات.

دهاليز السياسة
في الكتاب يستشير الكوندي لوكانور ناصحه باترونيو في كيفية تسيير أموره، والثاني يسدي النصح إلى وليّ نعمته بما يقُوم به وما يتجنبه عن طريق نماذج وأقوال حكائية عن نماذج بشرية أو حيوانية
. والغاية كانت أن يهذب الكاتب، الملم بالمعارف الموسوعية والقارئ باللاتينية والإيطالية، رفقاءه النبلاء ويقاسمهم خواطره في المسائل الأخلاقيّة.
ولاعتزاز الكاتب بقيم الثقافة الأرستقراطية وعاداتها في القرن الرابع عشر تنحدر بعض المواعظ الشعبية من التقليد القروسطي للأمثولة الشفاهية في إسبانيا ودول البحر المتوسطـ التي يُخضعها المؤلف لسلطان الحِكَم المعنوية.

والقصص تعكس في بنيتها نموذجاً مبسطاً لعِبَر في نظم مسلسلة، وفي داخلها تنطمر وقائع أقصر تنتهي بمقطع شعري من بيتين مقفيين يؤوّلان أخلاقيًّا حيوات العرب والإسبان في الأندلس المسلمة وإسبانيا المسيحية. ولأن المؤلف كان محارباً انهمك في دهاليز السياسة والأنشطة الأرستقراطية وشارك صبياً في صد هجوم عربي من غرناطة إلى مرسية، كذلك شهد الوجود العربي في أرض الأندلس وحمل هموم التقلبات الثقافية إبان عصره، كانت للحكم والأمثال العربية السائرة أعظم الأثر على كتاباته.

كان قد تتلمذ على يد عمه الملك ألفونسو العاشر الذي اعتنى بتطوير الأدب والفن، وله الفضل في ترجمة أمهات الكتب التاريخية والقانونية والعلمية من اللغة العربية إلى القشتالية. وبتوجيهه انتقلت الآداب العربية إلى النثر القشتالي ثم إلى اللغات العامية في أرجاء أوروبا. وفي عهد ألفونسو الحادي عشر تمركز كاتبنا على حدود الأندلس، وفي هوجة مطامعه تمرّد على الملك وانضم إلى ملك أراغون. وحين تطلب الأمر لم يتردد في التحالف مع ملك غرناطة المسلم ضد الأعداء الإسبان.

أمثولات شفاهية
لعل ذلك السبب في أن الكتاب يحفل بالمعلومات والمصادر العربية والإسلامية، ولتباينها يحوي هوامش وحواشي تاريخية عقب كل حكاية.
وفي تلك المواعظ التي تضع المثل العليا نبراساً ومبتغى، نتلمس إرثاً شفاهياً عامياً وثقافة سماعية وحكماً فلسفية تركها العرب المسلمون في شبه الجزيرة الإيبرية.

وبما أن الفتح العربي لإسبانيا عام 711 وضع الأرستقراطية الإسبانية على تماس من مفاهيم المسلمين وتكويناتهم الثقافية، كانت قرطبة واحدة من أكثر المدن تطوراً على الصعيدين الفكري والثقافي بأوروبا في القرنين التاسع والعاشر. لم يفلح الأديب دون خوان مانويل في أن يُتوج ملكاً على مملكة استردها الإسبان من العرب مثلما تمنّى غير أنه صال وجال في أرجاء الأرض لينتهي به المقام في تلك المدينة، قرطبة، التي توفي فيها عام 1348.

ونشير أيضاً إلى أن الكتاب يقارب الحقائق السياسية والاجتماعية بمملكة قشتالة نفسها وما خاضه أميرها من حروب معادياً للعرب والمسلمين تارة أو حليفاً لهم تارة أخرى في وقت تعايش فيه مسيحيو أوروبا ومسلمو الأندلس في تقارب جغرافي تقلَّب بوجه عام بين العنيف والسلمي. وكان من المحتم أن يسفر هذا التواصل عن تأثر ثقافي ملموس بحيث تطْبع النزعات الأدبية العربية بصمتها على التراجم الإسبانية وتطٌور الشعر الغنائي والسرد القشتاليين.

مجلة الجديد اللندنية

الفلسطيني طه محمد ...
استثمار التاريخ البابلي ...

developed by Nour Habib & Mahran Omairy