بوابة الشرق الأوسط الجديدة

كتب

‘الحصن الخشبي’ .. رواية تكشف تناقضات الحرب والإنسان

أحمد رجب

“خوصي دياث فرناندث” كاتب صنعته الحرب، فقد كان مجرد شاب إسباني تم تجنيده، تم الزج به ضمن القوات التي حاربت في المغرب غيرت مصيره، إذ أصيب في الحرب فترك الجندية عائدا إلى بلاده في عام 1922، وهناك كتب مقالا مطولا عن الحرب نال عنه جائزة دفعته للمضي في طريق الكتابة.

كذلك كانت الحرب مدخله إلى عالم السياسة، فانضم لتنظيم يساري وشارك في تمرد سان خوان عام 1926، وبعد فشل محاولة التمرد ألقي القبض عليه وتعرض للسجن، وهناك تناول تجربة الحرب في قصة قصيرة فازت بالجائزة الذهبية عام 1927، فكانت دافعا لكتابة روايته الأولى “الحصن الخشبي أو رواية الحرب الإسبانية”، وصدرت طبعتها الأولى في عام 1928.

تتناول الرواية الحرب المغربية الاسبانية، خصوصا معركة أنوال التي شارك فيها خوصي دياث فرناندث، حيث أصيب، ولقي فيها الجيش الاسباني هزيمة فادحة وتعرض لخسائر بشرية ومادية كبيرة.

وكان لتلك التجربة أثر روحي وفكري كبير عليه، فأسس مع عدد من الأدباء الذين شاركوه توجهاته جماعة “منشورات الشرق”، لكنها تفككت سريعا فأسس عوضا عنها جماعة “التاريخ الجديد” التي أصدرت له رواية “فينوس الجديدة”، بعدها عمل مراسلا لجريدة “سول”، وبعد ذلك تم انتخابه نائبا في البرلمان الإسباني عن مدينة اوبيذو، وبعد نشوب الحرب الأهلية الإسبانية تم تعينة مديرا للصحافة في مدينة برشلونة، وبعد سقوطها انتقل مع زوجته وابنته إلى فرنسا ليعيش هناك منفيا، إلى أن توفي في مدينة تولوز شهر فبراير/شباط من عام 1941.

• الحصن الخشبي

في سنة 1928 نشر خوصي دياث فرنانديث روايته الأولى بعنوان “الحصن الخشبي” وأضاف عنواناً فرعياً مفسرا هو: “رواية الحرب المغربية”، وبنفس العنوانين الرئيسي والفرعي صدرت ترجمة الرواية عن سلسلة الجوائز التي تصدرها الهيئة المصرية العامة للكتاب، وعنها يقول المترجم والناقد المغربي محمد أنقار “لقد أثار هذا الكتاب في زمنه ضجة جمالية. فهو في الحقيقة لم يكن رواية حسب المفهوم المألوف وإنما مجموعة قصص قصيرة ذات عناوين مستقلة، تتكرر في عدد منها أسماء وأماكن بعينها لكنها ترتبط جميعها، من قريب أو بعيد بحرب إسپانيا ضد المغرب.

في ذلك التاريخ كتب خوان أورطيجا كُوصْطَا يقول: إن “الحصن الخشبي” كمشة من القصص المتنوعة، لا يربط فيما بينها سوى تشابه المناظر الطبيعية والتواريخ، وسهولة تكرار بعض الأسماء الشخصية، من جانب آخر لم تكن رواية “الحصن الخشبي” مألوفة كذلك من حيث لغتها المجازية الطلائعية ورؤيتها الإنسانية الأصيلة التي دشنت خطة الخروج الروائي عن المشروع الاستعماري الإسپاني، مع محاولة تصوير المغاربة تصويراً متوازناً. كانت عملاً طلائعياً بكل ما في الكلمة من معان.

يتشكل بناء “الحصن الخشبي” من سبع حلقات قصصية دفعت الكثيرين من نقاده لعدّه مجموعة قصصية، ونفي الصفة الروائية عنه، لكن المترجم المغربي محمد أنقار يناقش حججهم ويرجح انتماء النص لجنس الرواية اعتمادا على أن تقنية الحلقة القصصية معروفة في الغرب منذ “أمسيات قرب قرية ديكانكا” لجوجول، و”جسر على نهر درينا” لأندريتش وغير ذلك من أعمال، كما أن صاحب الكتاب أسماه رواية، “وهذا القصد يمثل اختيارا بلاغيا .. ويدعمه بحسب المترجم أن معالجة الكتاب من منظور الرؤيا التي كانت وراء صياغته لصورة الآخر صياغة شبه متوازنة، إضافة إلى انسجامها وتكاملها”، وكل هذه السمات التكوينية من شأنها أن تضفي على الكتاب وحدة روائية غير معهودة في أعمال كثيرة محسوبة على الرواية، ورغم افتقار “الحصن الخشبي” إلى الامتداد بمفهومه الروائي الصارم إلا أن الرؤيا الجمالية الموحدة لمجموع النصوص تشكل تنويعا من تنويعات الصورة الروائية.

يتكون الكتاب من سبعة نصوص يمثل كل منها حلقة قصصية، لا يحضر الحصن واقعيا فيها إلا فى الحلقتين الأولى والسادسة، لكن حضوره الرمزي أكثر وضوحا، فهو في كل الحلقات ثقيل الوطأة يلقي بظلاله على نفسيات الجنود فيظلون على هيئتهم التي وصفتها الفقرة الأولى في الرواية:

“كنا قد قضينا خمسة أشهر في ذلك الحصن الخشبي، ولم تكن لدينا آمال في أن نستبدل بجنود آخرين، وكان الجنود الذين سبقونا قد حموا الموقع لمدة سنة ونصف، لإني أتذكرهم خشنين وملتحين، ببذلاتهم الممزقة”.

لذا فالراوي بتذكره للحالة المزرية التي كان عليها الجنود السابقين، وبتحديده للمدة التي قضوها كأنه يحسب المدة المتبقية له ولزملائه في الحصن وهي ستزيد عن العام، يقول “كنا في كل يوم نزداد شبها بهؤلاء الجنود المشعرين الذين عوضناهم، كنا مثل نسخ لهؤلاء، وتشابهنا كان تشابه جثث عمودية تحركها آلية غامضة”.

ويقول أيضا لبيدرو “لقد وقعنا في أحد كهوف الروبنسيون” نسبة إلى روبنسون كروزو بطل الرواية الشهيرة لدانييل ديفو، أي أنه يشبه البقاء في الحصن بالعزلة والوحدة اللتين عاناهما روبنسون كروزو.

• الحصن والقبيلة

إذن المكان/ الرمز ليس مجرد حصن يتحصن فيه الجنود بقدر ما هو سجن أو حيز مغلق يؤطر حركتهم ويقيد حريتهم، فيعجزون عن إختراقه بل يموتون داخله، فالفتاة الوحيدة التي كان يسمح لها بدخول الحصن كانت عائشة التي تبيع للجنود البيض والتين، وذات يوم استغل المغاربة فتح باب الحصن لها فأمطروه بالرصاص وقتلوا أربعة جنود وأصابوا كثيرين.

أما خارج الحصن حيث الصورة التي يتابعها آرنيدو بواسطة المنظار المقرب “كانت إحدى تسلياتي أن أراقب بالمنظار العسكري القبيلة المجاورة. كانت القبيلة تعطيني إحساسا قويا بالحياة الجماعية، وبالعالم المجتمعي الصغير الذي لم أكن أستطيع الحصول عليه في النظام العسكري لموقعي”.

ويمكن تقسيم مكونات الكتاب بحسب موضوعها إلى قسمين، الأول يضم “الحصن الخشبي، موعد في البستان، أفريقيا عند قدميه” وهي الحلقات الأولى والثالثة والخامسة، تتمحور كلها حول العلاقة بين جندي إسباني (آرنيدو) وامرأة مغربية (عائشة)، بينما القسم الثاني يضم “الساعة، مجدلية حمراء، متهم بالقتل” وهي الحلقات الثانية والرابعة والسادسة، وكل شخصياتها إسبانية وأحداثها مرتبطة بقضاياهم في بلدهم، لكن في إطار المكان المغربي نفسه.

ويختتم الكتاب بالحلقة السابعة “قافلة حب” حيث يمتزج الموت بالجنس فتصبح بمثابة التتويج لسلسلة متكررة من مظاهر الكبت والخذلان التي سادت الحلقات الست السابقة، فكأن الكاتب – وبحسب رؤية المترجم – يطمح إلى مزاولة تعرية عميقة ونهائية لمأساة الوجود الإسباني في المغرب، حيث يتجلي الجندي الإسباني في خاتمة المطاف إنسانا مخذولا محبطا يفتقر إلى التماسك النفسي الداخلي الذى يكشف عن مجانية الأطروحة الإستعمارية وتناقضها.

ميدل ايست أونلاين

«ستيمر بوينت» لأحمد ...
أوهام المثقف العربي ...

developed by Nour Habib & Mahran Omairy