بوابة الشرق الأوسط الجديدة

كتب

سلامة كيلة يؤكد عودة شبح الشيوعية مع الصراع الطبقي وتأزم الرأسمالية

محمد الحمامصي

في ذكرى مرور 100 عام على قيام الثورة الروسية التي أطاحت بالحكم القيصري في روسيا وأقامت أول دولة اشتراكية، تأتي الطبعة الجديدة من كتاب “أزمة الاشتراكية بعد مائة عام من ثورة أكتوبر.. دراسة في تجربة القرن العشرين” للمفكر سلامة كيلة الذي لفت في مقدمته الجديدة إلى أن هذه الطبعة تصدر لذكرى ثورة أكتوبر التي مرّ عليها مائة عام، والتي كانت أساس قيام الاشتراكية، وحيث فرض انهيارها التشكيك في الثورة ذاتها، والقاء التهم على قادتها، خصوصاً هنا لينين الذي كان محرّكها.

وأوضح كيلة في كتابه الصادر عن دار ابن رشد أن بداية التسعينيات كانت لحظة انقلابات. وقال “إذا كانت التسعينيات قد عنت تغيرا عميقا في تكوين العالم، فقد عنت كذلك تغيرا عميقا في المفاهيم. لقد انهارت الاشتراكية وانتهت الحرب الباردة، وبدا أن الرأسمالية قد انتصرت، رغم كل الدراسات التي كانت تشير منذ أواسط السبعينيات من القرن الماضي إلى تفاقم أزماتها، وتؤكد على “أفول الإمبراطورية الأميركية”. ولهذا سعت الرأسمالية من أجل إعادة بناء العالم وفق مصالح الشركات الاحتكارية متعدية القومية، في إطار نظام عالمي جديد، بات يعرف منذئذ اختصاراً بـ: العولمة. وكانت الاشتراكية أوّل من طاله التساؤل، متبوعة بالشك في الماركسية “أبيها الروحي”، فهل هي ضرورية وهل هي ممكنة؟ هل هي حلم البشرية أم يوتوبياها؟ وهل الرأسمالية شريرة كما كانت تُصوّر؟ وهل انتهى “دورها التاريخي التقدمي” أو حتى “الثوري”؟ أو هل من الممكن تجاوزها؟ وما هو مصير العالم المخّلف؟ هل تنتشله الرأسمالية “والآن العولمة” مما يعانيه من تخلّف وفقر ومرض وجهل؟”.

ورأى أنه ربما كانت هذه الأسئلة هي أسئلة نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، لكن الفارق كبير بين إجابات الماضي وإجابات الحاضر، فقد انتهت موجة التفاؤل، وضاع الأمل في ثنايا الحدث، حدث انهيار الاشتراكية، مما جعل التشاؤم في أساس كل الإجابات. وجعل إجابات الماضي محل شك وأيضاً محل سخرية، لهذا بدت الاشتراكية كوهم، بعد أن كانت تبدو كمثال، وتطرح كبديل حتمي للرأسمالية، وحينما انتصرت بدت كـ “واقع أبدي”. وربما كان في ثنايا هذا التصور لأبديتها كل دويّ التشاؤم الراهن، وكل أشكال الانقلابات التي نشأت منذ بداية تسعينيات القرن الماضي. وإذا كانت أخطاء التجربة متداولة منذ زمن، على الأقل من قبل قطاعات من الماركسيين “المنشقين”، ومضخمة من قبل أيديولوجيي الرأسمالية، فإن دويّ الانهيار جعل حتى الحديث عن أخطاء مثير للسخرية، لأن الانهيار عنى الفشل، وأكد بأن لا موقع للاشتراكية في مسار التاريخ، أو أن موقعها لا يزال بعيداً.

وأكد كيلة على أن التجربة الاشتراكية يجب أن تخضع للمنطق النقدي. فالدفاع عنها دون لمس مشكلاتها وأزماتها التي أفضت إلى انهيارها أمر مهيمن كما شطبها. والمنطق النقدي يستلزم ماركسية نقدية، وأولاً وعي الماركسية، وعي ماهيتها، وكونها منهجية نقدية، لأن هذا المدخل يسمح بأن نفهم واقع التجربة، ومن ثَمّ لنستوضح هل قدّمت منجزاً في مسار التاريخ، وللأمم التي قامت فيها، أم أنها أتت بالاستبداد فقط؟ ففي الإجابة جزء من البحث في مستقبل الاشتراكية، حيث سيبدو التوصّل إلى أنها قدّمت منجزاً ما دافعاً للتمسك بها، مادامت الخيارات الأخرى عاجزة عن أن تقدّم هذا المنجز، كما يفتح لنا ذلك أفق البحث في مشكلاتها وأزماتها وأسس انهيارها، انطلاقاً من سعينا لإعادة بناء التصوّر حولها. فإذا كان في الماركسية تصوّر حولها، تبلور مع ماركس ـ قبل التجربة ـ سيكون مهماً بعد نشوء التجربة وانهيارها البحث في إعادة صياغته على ضوء مشكلات التجربة وخبراتها معاً.

ورأى كيلة أنه حينما انهارت النظم الاشتراكية بدءاً بانهيار جدار برلين، جرى توصيف الوضع بأن الاشتراكية هي أطول الطرق إلى الرأسمالية، وكما جرى “التطبيل” لفشل الاشتراكية، والانتصار النهائي للرأسمالية التي باتت هي “نهاية التاريخ”. ربما كان هول الانهيار وهول الفرح الرأسمالي هما اللذين حكما طريقة التعامل مع الحدث، وكانا في أساس “الخطاب” الذي تناول كل من الاشتراكية والرأسمالية.

وأشار إلى أنه إذا كانت الرأسمالية قد أعلنت “نهاية التاريخ” لحظة انهيار النظم الاشتراكية، وبالتالي تخلصت من الشيوعية، فقد ظن يساريون كثر (والذين باتوا يساريين سابقين) أنهم تخلصوا من شبح ماركس بشكل نهائي كذلك. لهذا تواشجوا مع “العولمة” التي كانت تعبّر عن رؤية الإمبريالية (والأميركية خصوصاً) للسيطرة على العالم في المرحلة التالية لانهيار الاشتراكية. والتي قامت كما بات معلوماً على تدمير دور الدولة في الاقتصاد، عبر تعميم اقتصاد السوق والحرية المطلقة لتنقل السلع ورؤوس الأموال. إضافة إلى التدخل العسكري والاحتلال.

لقد دفنوا ماركس الذي كانوا يمجدونه بحماس لا نظير له (طبعاً دون أن يقرؤوا له شيئاً). وباتوا يرون بأنه لا بد (وبكل تأكيد) من المرور بالمرحلة الرأسمالية. ولكن استناداً إلى ماركس ذاته، ماركس الممجد دون قراءة. ماركس الوهمي، الذي صيغ على يدي ستالين، والذي أعلن بأن المجتمعات يجب أن تمرّ بمراحل المشاعة ثم الرق ثم الإقطاع، ومن ثم إلى الرأسمالية قبل أن تفكر في الانتقال إلى الاشتراكية. وبالتالي كان عليهم وهم شيوعيون أن يرفعوا البرجوازية إلى طبقة مسيطرة. وهم الآن يقبلون الاحتلال والسيطرة الإمبريالية والتبعية للرأسمالية، وللكومبرادور المحلي بصفة أن كل ذلك هو الرأسمالية.

وأضاف كيلة “إذن، له الرحمة وللرأسمالية طول البقاء. خصوصاً وأن النخب اليسارية تلك كانت قد وصلت إلى مأزق يوضح بأنها في مسار يفضي إلى التلاشي، كما كانت على شفير التعب، وبالتالي في حاجة ماسة إلى أن “تقطف ثمار نضالها”، أو كانت ناقمة على تجارب حسبت على الاشتراكية وما هي باشتراكية بل رأسمالية حتى النخاع (ربما استفادت من الكينزية ومن الاشتراكية الديمقراطية كما استفادت من التجربة السوفيتية). ولقد انتهت كل الامتيازات التي يقدمها الاتحاد السوفيتي الصديق (أو الرفيق)، وبالتالي لمَ لا يجري التحول لقطف ثمار الليبرالية؟”.

وأوضح أن المشكلة تكمن الآن في أن الرأسمالية في أزمة. وإذا كان اليسار يكرر طويلاً الحديث عن “الأزمة العامة للرأسمالية”، فقد ملّ هذا الموال من طوله، خصوصاً أنه لم يسقط الرأسمالية. ولهذا بات مقتنعاً بأن المرحلة الرأسمالية طويلة وعمره قصير، الأمر الذي يفرض عليه أن “يتكيف” معها. لكن الأزمة قائمة الآن، وإذا كانت المسألة لا تتعلق بـ “انهيار الرأسمالية” كما شهدنا مع انهيار الاشتراكية (وهذا ما يدور في خلد هؤلاء اليساريين السابقين)، فإن الملفت هو أن شبح ماركس عاد يحوم على العالم. وكأن ارتباطاً وثيقاً يقوم بين أزمة الرأسمالية وماركس.

وهذا يشير إلى أن تأزم الرأسمالية يعيد طرح الماركسية أكثر من أي شيء آخر، حيث إنها من حلل طبيعة الرأسمالية وأشار إلى أزمتها المتوالية نتيجة فيض الإنتاج الذي هو لازمة الرأسمالية. ولهذا أعادت الأزمة الجديدة ماركس إلى واجهة الصحف والمجلات، كما أعادت كتبه إلى الواجهة كذلك. وهو الأمر الذي يعني بأن كل تفكير في فهم أزمة الرأسمالية يجب أن يوصل إلى ماركس. وهو الأمر الذي يوضح بأن الماركسية هي القادرة على فهم الرأسمالية ومشكلاتها، الأمر الذي يؤكد على أنها هي القادرة على تقديم بديل حقيقي. إنها البديل الحقيقي في فهمها للرأسمالية وبتصورها لنظام بديل يتجاوزها.

وقال “إن تأزمات البشر ستدفعهم إلى الماركسية، لأنهم يطمحون إلى تجاوز الوضع الذي يعيشون فيه الآن، ويعانون من ويلاته، وهو الرأسمالية. ليس في المراكز الإمبريالية فقط، بل أساساً في الأمم المخلفة، في الأطراف التي باتت رأسمالية دون أن تتأسس رأسماليتها على ما أسس الرأسمالية في المراكز، أي الصناعة. حيث تعممت علاقات إنتاج رأسمالية هي نتاج التبعية للمراكز تلك. وباتت تعاني من مشكلات الرأسمالية ربما أكثر من الشعوب في المراكز، نتيجة النهب المفرط الذي تمارسه رأسماليات المراكز بالترافق مع نهب الرأسماليات المحلية، كما نتيجة تهميش قوى الإنتاج التي وحدها تراكم الفائض، والذي نتج عن فعل السيطرة الإمبريالية، فأبقى التخلف المحلي، كما أبقى البنى المفككة.

لهذا بات الميل لقراءة “رأس المال” واضحاً في الفترة الأخيرة. وربما كان هذا الميل أقدم قليلاً من الأزمة الراهنة، حيث لم تجلب أوهام العولمة سوى الحروب، واتساع الإفقار والتهميش والبطالة. وهو ميل طبيعي على كل حال (أو بالتالي)، لأن المطلوب هو تجاوز الوضع القائم، أي تجاوز الرأسمالية بما هي وضع قائم يؤسس لكل التناقضات التي يعيشها البشر. وليس من أفق لفهم الواقع من أجل تجاوزه سوى بالعودة إلى ماركس، الذي أسس رؤيته أصلاً على فهم الرأسمالية لكي يُعمِل الصراع من أجل تجاوزها.

وأكد كيلة أن شبح الشيوعية عاد من جديد لأن الصراع الطبقي عاد واضحاً مع تأزم الرأسمالية، وبعد الإفقار والتهميش الذي أحدثته في العالم. وربما كذلك لأن انهيار الاشتراكية، الذي أوجد اهتزاز قناعات قطاع كبير، قد أوضح بأن التجربة لم تكن هباء، وأن روسيا تنهض من جديد وإن في إهاب رأسمالي، والصين باتت تنافس بقوة، وبالتالي فبغض النظر عما آلت إليه الاشتراكية فقد أصبحت تلك الأمم التي شهدت التجربة الاشتراكية أمماً صناعية وحديثة، وقادرة على التعامل المتكافئ في عالم الهيمنة الإمبريالية. بمعنى أن التجربة حققت ما هو مهم لأمم كانت في الهامش، وجعلتها أمماً صناعية حديثة.

وهنا يجب أن يعود التفكير في قيمة الماركسية، كما في قيمة التجربة الاشتراكية. حيث إن الماركسية هي القادرة على تنظيم القوى الطبقية المفقرة والمهمشة من أجل فرض بديل يفتح أفق التطور الاقتصادي (وهنا الصناعي خصوصاً) والمجتمعي الشامل. بديل ينقل المجتمعات المخلفة إلى أول طريق الحضارة، وهي الخطوة الضرورية والأساسية من أجل الوصول إلى الاشتراكية، وربما يحقق هذه الخطوة في إطار الاشتراكية، ليصبح السؤال هو: كيف تؤسس لأن تكون هذه الخطوة مدخلاً لتطور اشتراكي أعلى لا أن يفضي إلى الانهيار؟ وربما كان هذا السؤال هو السؤال الأهم اليوم ونحن نعيد البحث في مواجهة الرأسمالية وتأسيس بديل مجتمعي آخر. هو بالتأكيد بديل “ما بعد الرأسمالية. لقد تفككت فكرة أن الرأسمالية هي “نهاية التاريخ”، ليثبت بأن ليس للتاريخ نهاية، وأنه يحوي من التناقضات ما يجعله في صيرورة مستمرة. هنا نقول: لقد عاد شبح ماركس، لكن هذه المرة ماركس الحقيقي.

ميدل ايست أونلاين

«وداعاً للحلم الأميركي» ...
عدلان مدي: «حطام ...

developed by Nour Habib & Mahran Omairy