بوابة الشرق الأوسط الجديدة

كتب

فخري صالح باحثاً في فكر إدوارد سعيد

خالد غزال

يسلط الكاتب الأردني فخري صالح الضوء على المفاصل الأساسية من أفكار الكاتب الفلسطيني إدوارد سعيد، فيعرض لملامح مشروعه الفكري، ويعطي حيزاً أساسياً لنظرة سعيد إلى القضية الفلسطينية واقتراحاته في شأن الصراع الإسرائيلي/ الفلسطيني. ويتناول أيضاً المسألة التي أثارت جدلاً واسعاً والمتصلة برؤية سعيد للاستشراق. يتطرق كتاب «إدوارد سعيد، دراسة وترجمات» (الدار العربية للعلوم ناشرون، طبعة ثانية) إلى قراءة لليهود والمركزية الغربية، وإلى تأويل لأفكار الكاتب الأفريقي فرانز فانون. ويضم الكتاب نصوصاً من مؤلفات سعيد وتأثيراته على الفكر الغربي.

يشير فخري صالح في تعريفه لإدوارد سعيد بالقول: «يمثل سعيد أحد وجوه الجدل حول النظرية والممارسة النقدية عالمياً وعربياً، إذ مثلت تجربته الثقافية والنظرية والنقدية، وحتى الشخصية، نوعاً فريداً من الارتحال من ثقافة إلى ثقافة، ومن مكان إلى مكان، ومن لغة إلى لغة، حتى أصبح مثالاً لعالمية الثقافة والنظرية، وتطبيقاً مبدعاً لمفهوم هجنة الثقافات وتفاعلها وقدرتها على التأثير عميقاً في بعضها بعضاً».

كتب سعيد في مجالات ومواضيع متعددة ومتنوعة، تناول موضوع الاستشراق وقضية فلسطين والنظرة إلى الإسلام، وتطرق إلى موضوع الثقافة والإمبريالية، وأعطى موقعاً لنقاش صور المثقفين وأدوارهم. كان يصدر في كل هذه المواضيع «رؤية إنسانوية تتجاوز المركزية الغربية»، وهي رؤية تشكل محوراً أساسياً في مشروعه الفكري.

إذا كانت اهتمامات سعيد متعددة المشارب، فهي تنبع من بؤرة أساسية محددة تتصل باهتمامه الدائم بالقضية الفلسطينية. شكّل كتابه «الاستشراق» المحطة المهمة التي وسمت مشروعه الفكري. كان هذا الكتاب إحدى النوافذ الأساسية لإطلالة سعيد على القضية الفلسطينية ومأساتها، فحلّل استراتيجيات الفكر الغربي في تعامله مع هذه القضية ليصل إلى استنتاج مفاده أن مأساة الفلسطينيين نابعة من المقدرة الهائلة للحركة الصهيونية على بث صور نمطية عن العرب والمسلمين، وهي صور سلبية كلياً، وجعل المواطن الغربي يصدق ما تقول به هذه الصور.

رفض سعيد النظريات الأصولية الغربية التي ترى في الأصل الغربي الأوروبي مصدر الإشعاع الثقافي الذي أثّر على سائر الثقافات الأخرى في العالم. أطلق النار على الدراسات الاستشراقية التي صعد نجمها وتوسعت في الغرب خلال مرحلة التوسع الاستعماري في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ففكك الفكر الذي تضمنته تلك الدراسات، ووضع الاستشراق في إطاره التاريخي الثقافي. اعتبر الاستشراق برنامجاً استعمارياً للهيمنة والسيطرة: «إذا اتخذنا من أواخر القرن الثامن عشر بداية محددة تقريبية للانطلاق منها، فإن الاستشراق يمكن أن يدرس ويحلل بوصفه المؤسسة المشتركة للتعامل مع الشرق، التعامل معه بإنشاء عبارات وزوايا حوله، بوصفه وتعليمه والحكم عليه. إن الاستشراق، باختصار، هو الأسلوب الغربي للسيطرة على الشرق، وامتلاك السيادة عليه»، على ما يقول سعيد في كتابه «الاستشراق».

موضوع آخر احتلّ موقعاً في مشروع سعيد الفكري يتصل بنظرته إلى المثقف ودوره. لاحظ أن دور المثقفين تراجع كثيراً قياساً إلى مراحل سابقة، حين كان المثقف صاحب دور رسالي مواجه للديكتاتورية والتخلف في كل مكان من العالم. يعيد أسباب هذا التراجع إلى تأثيرات العولمة خصوصاً في الغرب، وإلى تصاعد دور الشركات العابرة للقارات والمتعددة الجنسية التي راحت توظف المثقفين والأكاديميين في مجالات عملها من أجل تقديم الخبرات والمعارف اللازمة لمتطلبات نشاط هذه الشركات. لذا أعاد التشديد على ذلك الدور الرسالي للمثقف، واستعاد نظرية الفيلسوف الشيوعي غرامشي حول «المثقف العضوي».

يشير الكاتب في هذا المجال إلى ما كان سعيد يصبو إليه: «أقام إدوارد، على مدار عمله كله، صلات نسب بين المثقف اللامنتمي والمثقف المنفي الذي يجد صعوبة بالغة في التأقلم والإحساس بالالفة مع المحيط، وهي الأحاسيس التي تميز المواطنين وأبناء المجتمعات الأصلية، أولئك المستقرين الذين تربوا في أحضان الوطن والثقافة. وظل يفضل هذا النوع من المثقفين الذين لا يحسون بعدم الاستقرار ويشعرون بضرورة الحركة الدائمة مسببين عدم الراحة للآخرين كذلك».

كان لإدوارد سعيد نظرة إلى القضية الفلسطينية مغايرة للطروحات السياسية التي كانت المؤسسات الرسمية الفلسطينية قد تبنتها في شأن حل الدولتين الفلسطينية والإسرائيلية. دافع سعيد عن دولة مختلطة الهوية ثنائية القومية، واعتبر أن حل الدولتين المستقلتين صعب التطبيق على أرض الواقع، بل مخالف لرؤيته للقوميات التي تتعايش وتتفاعل على قطعة صغيرة من الأرض. واعتبر أن على البشر أن يتعلموا العيش بعضهم مع بعض «لأن المزيج والهجنة وسيولة الهوية هي ما يميز ثقافة القرن العشرين وعالم الحداثة».

كانت نظرة سعيد حول الدولة الثنائية القومية مرفوضة من إسرائيل قبل كل شيء، مثلما كانت مرفوضة من القيادة الفلسطينية لاستحالة تحققها. نظر كثيرون إلى مقولة سعيد على أنها «شطحات مثقفاتية» تغلب عليها النظرية، وبعيدة عن قراءة الواقع السياسي كما يقدم نفسه على الأرض. فإذا كانت إسرائيل ترفض حتى الآن قيام دولة فلسطينية، ولو كانت منقوصة السيادة، فكيف لها أن تقبل دولة موحدة ثنائية القومية، وهي تنظر بعداء إلى الأقلية العربية الموجودة في داخل إسرائيل وتسعى إلى تهجيرها خارج الدولة.

كان لسعيد تأثيره في الثقافتين الغربية والعربية، ولعل نظريته حول الاستشراق هي الأكثر إثارة للجدل، وبخاصة في العالم العربي. وسط حال من الإحباط واليأس من الهزائم التي أصيب بها العرب، وسعي النخب الحاكمة إلى رمي المسؤولية على الخارج، أتت نظرية سعيد حول أن الاستشراق هو تنظير للهيمنة الغربية ليعطي مثقفين كثراً في العالم العربي حجة لتحويل العلاقة بين الغرب والعالم العربي إلى علاقة صدام وعداء، من دون تمييز بين ما يجب أن تكون عليه العلاقة مركبة، بين مواقف سياسية مخاصمة للغرب على سياساته تجاه المنطقة، وبين ضرورة الإفادة من التقدم الحضاري الذي يمتلكه الغرب والذي تحتاجه شعوبنا، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى لم يكن سعيد منصفاً في قراءته للاستشراق والدراسات التي أنتجها حول المجتمعات العربية. مثلما كتبت دراسات تفوح منها روح العنصرية، أنتجت دراسات مهمة تتصف بالعلمية والموضوعية والدقة، شكلت ولا تزال تراثاً مهماً جداً في فهم البنى المجتمعية العربية، وهي دراسات لا يوجد ما يضاهيها لدى المثقفين العرب أو في مراكز الأبحاث العربية. بهذا المعنى لعب سعيد دوراً سلبياً في زرع ثقافة مشوهة ما زالت آثارها سائدة حتى اليوم.

صحيفة الحياة اللندنية

«هذيان نواقيس القيامة» ...
القدر يرسم خيبات ...

developed by Nour Habib & Mahran Omairy