بوابة الشرق الأوسط الجديدة

مساهمات القرّاء

لغة جديدة

محمد صالح سالم

استيقظت باكراً قبل أن تفيق الشمس ويعلو الضجيج ، وبدأت أحرثُ ذاكرتي وأقلّب ترابها ، وأزيل الأعشاب الضارة عنها تمهيداً لزراعتها في موسمها المعتاد ، فأنا لا أريد أن يتلف مخزونها ، رحتُ أستدعي الماضي وأقرع باب ذاكرتي وأفك الاشتباك معها وأعتصر أفكاري التي تصف مشاعر وأحاسيس بكل تفاصيلها وأمسكت بقلمي وراحت الكلمات ترتمي على السطور : زارتني في مكتبي ، صافحتها باليد التي تأكل وتكتب وتلمس وتحسّ ، فشعرتُ أنني أذوب بلمسة يدها وكأنني أمسك عصفوراً صغيراً بيدي ، نظرتُ إلى عينيها .. دقّ قلبي سريعاً .. لم أعد أستطيع أن أبعد نظري عنها .. دعوتها للجلوس .. كيف تجلس وقد نسيت يدها في يدي !! دعوتها للجلوس ثانية بعد أن عاد الوعي إليّ !

ساد الصمت بيننا أمام لغة العيون ، ُترى ما هذه الجاذبية التي جعلت روحي تعانق روحها ؟ ابتسمتْ لي فأضاءت المكتب وذبتُ في نظراتها .. وبدون أن أدري غادرتُ كرسي مكتبي وجلستُ بجانبها فشعرت بالأنس ..كل حواسي تستعد لحديثها ..اقتربتُ منها فشعرتُ بدفء حرارة أنفاسها تعانق أنفاسي رغم البرد الذي كان يسكن الغرفة ، تحدثتُ إليها وحدثتني بصوت هادئ دافئ وناعم استقر في أذنيّ، سألتها ماذا تشرب ؟ لم تجبني بشفتيها لكنني قرأت من نظراتها أنها تريد قهوة سادة ، بين يديها فنجان القهوة المرّة، ارتشفت منه رشفة واحدة فصار حلو المذاق ، وارتشفت ثانية فصار شهداً وعسلاً ، غافلها الفنجان وسرق قبلة من شفتيها! سألتها بالله عليك ماذا قال الفنجان لشفتيك ؟ هي لم تجبني .. وأنا لست بحاجة إلى من يجيبني .. أجابتني عيناها ، فأشعلت ناراً في داخلي وسرقت مني وعيي..غرتُ من الفنجان ، خطفته من يدها الناعمة ، وبشفتيّ لملمت بصمات شفتيها وتذوقت طعم عسل لم أتذوّق مثله طيلة حياتي ، ومازلت محتفظاً بهذا الفنجان في درج مكتبي حتى الآن !

أخذتُ نفساً عميقاً وملأتُ تجويف صدري لأسخّن الهواء في رئتي وبدأتُ أرتعش، أنفاسي تتلاحق وقلبي يقفز وكأنه يريد أن يغادر قلبي ! لا أدري كيف وجدتُ يدي فوق يدها ، كيف عانقتْ أصابع يدي أصابعها ؟ عندها دعوت كل مشاعري وأحاسيسي إلى اجتماع عاجل .. وبدأ التخاطب بلغة غير تلك اللغات.. كل شيء فيها يتحدث : شفتاها ، عيناها ،يداها، ساقاها، نهداها ، إلا فمها ظلّ صامتاً ! أصابعي تتبادل مع أصابعها حواراً يضاهي أحلى قصائد الحب .. عيناها تخاطب عينيّ برسائل حب صامتة..تتحدثان بلغة لا كلام فيها فعندما يتكلم الجسد تخرس كل اللغات ولا يعود للكلمات تأثير..واكتشفتُ أنني تعرفت على لغة إضافية ..إنها لغة الصمت فهي أعمق وأجدى من لغة الكلام ، إنها لغة مخاطبة النفس والروح! لغة لا تحتاج إلى حروف أبجدية .. تحتاج فقط إلى مشاعر وأحاسيس! تعرفت على لغة جديدة بفترة قياسية ..تعرفتُ بهذه اللغة إلى ما بداخل هذه الفتاة ، فقد كانت مليئة بالمشاعر والأحاسيس ، تفتح باب الشهية لتقبيلها ، وأصبحتُ أشك في عمري المدون على هويتي الشخصية!

تناولتُ جرعة كاملة الدسم من العواطف والأحاسيس، واحتشدتُ بشتى أنواع المشاعر اللذيذة، ولم أعد أستطيع أن ألملم جسدي من أحشائها ،وأصبحتُ محاصراً من الجهات الأربعة : بالورد والتفاح والكرز والرمان فما حاجتي إلى البستان ؟! اعذروني فالكلمات والعبارات تموت أمام هذا الوصف !

هل نلتقي مرة أخرى ؟ لا لن نلتقي ! فالماء لا يعود إلى نبعه ، والمطر لا يصعد إلى غيومه، والأوراق لا تعود إلى أغصانها ،والكلمات لا تعود إلى حروفها !!

وبر الكلام
جلسة نسائية

developed by Nour Habib & Mahran Omairy