الديموقراطية ….. الليبرالية …. الحلم العربي (د. إياد العرفي)

                                   
 د. إياد العرفي

في المخاض الذي يعيشه الوطن العربي حاليا استعدادا لولادة الديمقراطية المنتظرة، والتي يجب أن تكون النتيجة الطبيعية للربيع العربي، يجدر بنا تسليط الضوء على مفهوم الليبرالية، كونها الحامل السياسي للديمقراطية، والحاجة الى تسليط هذا الضوء، نابعة ليس فقط من منطلق أن الفكرة الليبرالية غيبت طوال عقود عن الحياة السياسية العربية لمصلحة فكرة الحزب الواحد "القائد"، بل أيضا بسبب تشويه صورة الفكر الليبرالي من قبل أنظمة شمولية استعبدت شعوبها، وأقنعتها أن الليبرالية والديمقراطية هما من صنف الشياطين "الامبريالية" "الغربية" "الصهيونية" "المتآمرة"، إلى آخر الأوصاف التي نعرفها.
الليبرالية ببساطة هي كلمة لاتينية مشتقة من كلمة "ليبر" أي "حر"، وهي مذهب أو حركة وعي اجتماعي سياسي، تهدف إلى تحرير الإنسان كفرد، وكجماعة، من القيود السلطوية التي تتحكم به، وهي تتأقلم وفق أخلاق وقيم المجتمع الذي يتبناها، وتتكيف  حسب ظروف كل مجتمع. الليبرالية هي أيضا مذهب سياسي واقتصادي يقوم على استقلال الفرد، واحترام حرياته الشخصية، وحماية الحريات السياسية والاقتصادية والمدنية للمجتمع.
ترى الليبرالية أن الفرد هو المعبر الحقيقي عن الإنسان، فالإنسان يولد فرداً حراً، له الحق في الحياة والحرية، بما فيها حرية الفكر والمعتقد، بمعنى "حق الحياة وفق قناعاته"، لا وفق قناعات حكامه. فالليبرالية إذا هي حق الإنسان أن يحيا متمتعا بحرية الاختيار. "الحرية والاختيار" هما حجر الزاوية في الفلسفة الليبرالية.
الفلسفة الليبرالية تقوم إذا على الإيمان بحرية الإنسان في الفكر، وعلى احترام كرامة الإنسان، وضمان حقه بالحياة الحرة. وحرية الإعتقاد، وحرية التعبير، وعلى المساواة بين الناس أمام القانون.
وتقوم الديمقراطية الليبرالية على تكريس سيادة الشعب عن طريق الانتخابات الحرة، وذلك للتعبير عن إرادة الشعب في اختيار من يحكمه، وعلى احترام مبدأ الفصل بين السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية، وإخضاع هذه السلطات للقانون من أجل ضمان الحريات الفردية وللحد من الإمتيازات الخاصة، ورفض ممارسة السيادة خارج المؤسسات، كونها تعبر عن إرادة الشعب باكمله.
ويظهر التماهي بين الليبرالية والديمقراطية في مسألة حرية المعارضة السياسية خصوصا، فبدون الحريات التي تحرص عليها الليبرالية فإنه لا يمكن تشكيل معارضة حقيقية، وبالتالي لن تكون هنالك انتخابات ذات معنى، ولا حكومات منتخبة بشكل ديمقراطي نتيجة لذلك.
لا شك أن الأمور في الوطن العربي لم تكن لتصل إلى ما وصلت إليه لو سادت فيه الليبرالية السياسية القائمة على التعددية الحزبية وعلى مبدأ تداول السلطة سلمياً، على نحو ما هو قائم، ليس فقط في الغرب "الامبريالي" (كما يظن الكثيرون)، وإنما في بعض الدول النامية أيضاً، كالهند التي استطاعت بعدد سكانها الذي تجاوز المليار، ومساحتها الجغرافية الكبيرة، وتنوعها الثقافي والإثني واللغوي، أن تقيم دولة ديمقراطية بفضل الليبرالية.
جدير بالذكر في هذا السياق أن الفكرة الليبرالية ليست جديدة على العالم العربي، فقد كانت موجودة خلال فترة زمنية، وإن كانت قصيرة، بعد الحرب العالمية الثانية التي شهدت فيها دولا مثل مصر وسوريا مظاهر من التعددية الحزبية وبدايات تكون طبقة ليبرالية ديمقراطية وطنية، أسهمت في خلق مناخ سياسي واقتصادي واجتماعي متميز. لكن الفكر الليبرالي قمع بشدة في بلادنا، ليس فقط بالقمع، والتنكيل والضرب بيد من حديد على أي نوع من أنواع المعارضة، وإنما أيضا عن طريق مصادرة المجتمع المدني، واستغلال "العدوان الصهيوني" كقميص عثمان لإلغاء الديمقراطية من قاموسنا السياسي، إذ "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة". وأدى هذا المناخ لنشوء تحالف شيطاني بين الفساد السياسي والاقتصادي والمالي، وبين الأجهزة الأمنية القمعية المتسلطة. وفي هذا المناخ نشأت بيروقراطية فاسدة تغولت في المجتمع عبر أجهزة الأنظمة الحاكمة الفاسدة، مستغلة غياب الرقابة البرلمانية والمحاسبة في تكوين ثروات طائلة غير مشروعة، وكان من الطبيعي أن تكون من مصلحة هذا التحالف إحباط أية محاولة للإصلاحات السياسية.
وفيما توجه العالم نحو الديومقراطية في العقود القليلة الماضية، حيث طالت موجة الديمقراطية مواقع كثيرة في العالم، كالعديد من بلدان أمريكا اللاتينية التي عانت طويلا من حكم الديكتاتوريات العسكرية والتي اشتهرت باسم "جمهوريات الموز"، وانحسرت رقعة الاستبداد السياسي عن مواقع كثيرة في العالم، فإن هذه الموجة لم تصل إلى عالمنا العربي، إلى أن حدث الزلزال غير المتوقع: "الربيع العربي"، هذا الربيع الذي يضع فيه الكثيرون آمالا كبيرة لتلحق من خلاله بلادنا بركب الدول الديمقراطية، وتبني لأبنائها وطنا مزدهرا يتمتعون فيه بنفس الحقوق الليبرالية التي تتمتع بها شعوب العالم.
 لا شك أنه من المبكر الجزم بأن العرب قد دخلوا عصر الممارسة الديمقراطية، إذ لايزال عليهم بناء قواعد متنية وراسخة لها لضمان نموها وتطورها من جهة، وتحصينها من أعدائها، وهم كثر، من جهة أخرى، خاصة أن الشعب العربي عاش طويلا في ظل أنظمة قمعية، إلى درجة أن الكثيرين من العرب نشأ لديهم ما يسمى ب "متلازمة استكهولم" وهو المرض النفسي الذي يؤدي إلى تعاطف الضحية مع جلاده.
طريقنا إلى الديمقراطية طويل لكن "رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة"، وهي باعتقادي أهم خطوة ….. وقد بدأت رحلة الديمقراطية العربية.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى