مذكرات الفنان أيمن زيدان : المشهد الدرامي الفجائعي ((جدي زعل))!

خاص ــ دمشق :

يعيش الفنان السوري أيمن زيدان مرحلة ساخنة في حياته الخاصة، عبر عنها أكثر من مرة، لكنها تجلت أخيرا في شروعه بكتابة مقاطع من مذكراته الشخصية، ويلفت النظر في هذه المقاطع نبرة الصدق العالية في التعاطي مع تفاصيل حياة القرية وخصوصية تلك التفاصيل وأثرها في نفسه ..

وكل قارئ لهذه المقاطع ، يجد نفسه أمام محطات يتأثر بها ، إلا أن في قلب هذه المحطات ملامح المشهد الدرامي الذي يعيد الرواية السورية إلى واقعها السحري، فنحن أمام شخصيات على غاية الأهمية، وأمام نماذج روائية موحية تأسر اللب وتجعل صناع الدراما أو على نحو أدق : كتابها، تجعلهم يفكرون مليا في بناء الصورة الدرامية لها ..

والمكان بالنسبة لأيمن زيدان أحد أهم المفاتيح لبناء هذه الصور(( منذ اشتعلت شرارة الحب الأولى اكتسبت (قرية) (الرحيبة) بالنسبة لي معنى إضافيا هيمن على روحي الساكنة فيها أصلا … كل شيء تغير …فجأة أصبحت منعتقا من كل الضوابط الزمانية والمكانية. …لم اترك عرسا لم اشارك به ولم اترك شارعا لم أطوه ولم اترك بيتا لم أزره …القرية أصبحت أشبه بمستعمرتي الصغيرة…. كل الزوايا ملكي ….وكل البيوت والدكاكين فضاءاتي….))

وقد انتقينا المقطعين المتتالين في يومياته (6 و7) التي يتحدث فيهما عن جده ((زعل)) ، وننشرهما كوثيقة هامة من هذه المذكرات الجذابة لأحد مشاهير الدراما السورية ..

*****

6 ــ

جدي المسجى في زاويته الكئيبة كان خزان حكايات عن زمن مضى …حين يروي قصصه الغابرة يختزل من عمره سنين طويلة ويعود شابا عابقا بالحياة فيحملك من زاويته الى ذاكرة تثير أمكنة وأشخاصا ومشهدية زاخرة بالتفاصيل. …

حين حملت به والدته (هدلا) في الحارة الشمالية توفي والده فسمي ( زعل) …عاش حياة بسيطة وشاقة ككل رجالات القرى المنسية …ولكن سرعان ماعمت شهرته القرية الصغيرة واصبح (زعل أمون) كما كانو يطلقون عليه واحدا من رجالات القرية المشهود لهم بالقوة والرجولة …بقامته المديدة كان يسرق أكوام العنب بمنديل جيبه و(منديل زعل) كان في الواقع ملحفة كبيرة سميت للتندر منديلا ….يسرق العنب ويوزعه على عشرات الفقراء الذين لم تهبهم مفارقات الحياة كرم عنب صغير او قطعة ارض …

يرشف من جرته الفخارية الصغيرة جرعة من الماء البارد ويتابع رحلة ذكرياته عن أيام الحصاد في حوران والجزيرة …(وغمر الحصاد )كان مقياس الرجولة ومفتاح الشهرة …كم كانت شاقة رحلة الحصاد بين السنابل المتراقصة ومذابح المناجل المعدنية التي تعكس بريقها على الوجوه السمراء ..وجوه تحكي عبر قسماتها وندوبها قصصا عن قهر اجتماعي وفقر جثا بأحماله على الأرواح المتعبة ….

عمل أيضا في صنع بسط اللباد حيث داس بأقدامه الخشنة أطنانا من الصوف الثقيل الذي يتطلب رقصا مضنيا …

بخطوات خجولة تقتحم جدتي تدفق الحكايات بقامتها الصغيرة والنحيلة …تحمل ابريق الشاي وتلمز بإيماءة ساخرة تعبيرا خفيا عن ضجرها من حكايات الفحولة الغابرة وقد انهكتها خدمة رجل ماعاد يملك من عزيمته سوى تلك القصص .. تضع الشاي امام نديم جدي الدائم (ابوحسن مطر) الذي كان يختزل مساحات الزمن الطويل الضائع بمغزله اليدوي الذي بدورانه يعيد عجلة زمن لن يعود.

جدتي بجسدها الضامر وخجلها الفائض تركن في الزاوية القريبة من عتبة الغرفة وبداخلها استنكار لتجاهلها في حكايات جدي وكأنها لم تشاركه رحلة الحياة القاسية …ولم تنجب له بناته وولديه… ولم تتحمل فظاظة عشرته … فتركن بجوار صندوقها المقفل الذي لاتفتحه إلا من اجل أحفادها المحببين .. ودائما ماتفوح منه رائحة الكعك والراحة والسكاكر التي يحضرها أولئك الذين تعالجهم من اللقوة بحذاء امها (شامة) …المرأة التي عاشت في (القريتين) وظلت امرأة مباركة حتى يوم رحيلها المباغت!

7ــ

حين تبدأ الشمس بارتداء عباءتها الأرجوانية استعدادا لرحيلها اليومي كان (باب الحاصل) الشارع الرئيسي الوحيد في قريتي يتحول الى فسحة تزخر بكرنفال يومي مدهش…عند الغروب وبعد ان يرمي الناس أسمال العمل الشاق يبدؤون كرنفالهم الذكوري …يرتدون الكلاليب النظيفه وتمتلئ دكان الحلاق الوحيد وتبدأ الحوارات الحميمية امام الدكاكين والطائر (ابن توتي ) يرفرف بيديه وهو لايزال مصرا على ان يطير ،،، وفي الزاوية الأكثر إثارة تبدأ استعراضات مهارات المشاهير. (ابوصبره) أفضلهم بالمصارعة رغم قصر قامته و(ابوفارس) لديه اصبعان من فولاذ يمكن ان يحطم بهما أي شيء وفي الصدارة جدي (زعل) الذي لايمكن ان ‘يصفع مرتين(!!)…

وسط التحديات المجنونة تنطّح جدي برعونته المشهودة لحمل حجر يفوق وزنه القنطارين على ظهره شريطة أن يخطو به مسافة لاتقل عن عشرين مترا ….اجتمع الرجال ووضعوا الحجر الكارثة على ظهره. …انتفخت أوداجه وكاد وجهه أن ينفجر بينما ارتعشت قدماه وكأن مسا اصابهما … وفقرات ظهره تستغيث تحت وطأة المغامرة المجنونة. لكن كبرياء الشباب الأحمق جعلته يصر على مواصلة التحدي ….فبدأ خطواته الأولى دون أن يدري أنها ستكون بداية الطريق الى الزاوية المنسية التي لم يغادرها حتى توفي بعد عشر سنوات..

في لحظات مشوبة بالتحدي والحفاوة نجح جدي في محاولته الطائشة لكنها كانت آخر خطوات مشاها في حياته. وانتهى كسيحا ماعاد يذكر سوى تلك الحكايات …

تبدلت فيما بعد تفاصيل الشوارع والأبنية ولكن عناوين جدي ظلت كما كانت ولم يدرك حتى رحيله أنها ما عادت تشبه صورتها الماضية..

أيمن زيدان

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى