فن و ثقافةكتب

أفـنـدي الغـلـغـول هاشــم الجــمّال (يوسف حاج علي)

ليل الأربعاء في السابع من حزيران العام 1860. بدأ نصب الخيم في بساتين الغلغول والشلفون وفي «سهلات البرج» في بيروت لإيواء النازحين من مسيحيي لبنان الذين هجروا من قرى جبل لبنان ولجأوا إلى المدينة طلباً للأمان.

في تلك الليلة استنفر أهالي بيروت بعدما استشعروا أن ثمة حدثاً سياسياً أمنياً تناهت إليهم أخباره، بالتواتر، ويحمل في مضامينه تهديداً لمرتكزات العيش المشترك مع إخوانهم المسيحيين.

حمّل علي الجمّال ذكريات هذه الليلة وما تلاها كما عايشها بتفاصيلها لأبنائه حسين ومحمد أمين وهاشم الذي كان بعد في السادسة عندما تنادى أهالي بيروت لمساعدة إخوانهم على تدبّر المأوى. عرف المخيم الذي نصب في الغلغول بالـ«مخيم الكبير».

شكّل زقاق الجمال أو زاروب الجمال أحد معالم الغلغول، الاسم غير المألوف لأبناء المدينة اليوم، للمنطقة التي كانت تحدّ أسوار بيروت القديمة من جهة الجنوب، وتفصل بينها وبين السور «ساحة عصّور» التي كانت محطة للقوافل التجارية.

من هو الأفندي هاشم الجمّال

الأفندي هاشم الجمّال هو الشخصية البيروتية التي يروي من خلالها نادر سراج، أستاذ اللسانيات في «الجامعة اللبنانية» ومؤسس «مرصد بيروت الحضري».

حقبة زمنية على امتداد حياة صاحب السيرة (1854- 1940) في كتاب «أفندي الغلغول شاهد على تحولات بيروت خلال قرن». جعل سراج هذه الشخصية باباً يعبر منه إلى سيرة المدينة من خلال واحد بحكاية من ناسها.

والكاتب، لم يرد من خلال بحثه تفصيل سيرة وجيه بيروتي هو في الحقيقة والد جدّه لأمه فحسب، بل تسليط الضوء على الحيّز الحضري الذي احتضن هذا الوجيه.

الأفندي البيروتي كان واحداً من الأعيان البيارتة الخمسة عشر. الذين تألفوا من تجار وشيوخ وعطارين وموظفين كبار اجتمعوا في دارة الشيخ عبد القادر قباني . في منطقة زقاق البلاط. بعد صلاة المغرب من يوم الأربعاء في 31 تموز 1878 ليطلقوا «جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية». وقد كان بعد في الرابعة والعشرين من العمر. كانت «المقاصد» الجمعية الخيرية الأولى من نوعها في بيروت.

وقد شكلت إغاثة اللاجئين والنازحين، أيا تكن جنسياتهم أو طوائفهم، أحد تقاليدها. وعندما توفي الأفندي رثاه رئيس «جمعية المقاصد» صائب سلام باعتباره «آخر السلف الصالح».

حياته

بدأ الأفندي مسيرته الوظيفية في الإدارة المالية العثمانية في بيروت وأدرج اسمه في نشرة «الفجر الصادق» التي أصدرتها «المقاصد» باعتباره واحداً من الأعضاء الأربعة والعشرين الذين يمثلون الأسر البيروتية. وقد ثبّتت «أفنديته» في مختلف الوثائق التركية والعربية والفرنسية لدى الكلام عنه وعن أنسبائه.
عاش هاشم في «بستان الجمال» المزروع بالتوت الذي يقع في الغلغول. بستان تبلغ مساحته 991 ذراعاً ونصف ذراع بـ«الذراع المعمارية الإسلامبولية».

يلعب مع أترابه ألعاب ذلك الزمان مثل لعبة «الحصان» و«النجاصة والناطور» و«يا جمّال واحد قال»، التي تحمل اسم عائلة الفتى. ومتى أنهكهم التعب من الألعاب التي تعتمد على النشاط واللياقة البدنية بردوا قلوبهم بالمثلجات أو تناولوا «التمرية». الحلوى المصنوعة من الكعك اللين على شكل قرص عليه شيء من الدبس.

من سطح بيت العائلة كان هاشم يمضي الساعات بعد عودته من الكتّاب لمراقبة الحركة التي تجري من حوله في المدينة. وفي «فسحة عصّور» القريبة احتفل مع الأولاد بالعيد ونصب المراجيح. لكن الاحتفالات الشعبية ستنتقل لاحقاً إلى محلّة الحرج لتلافي أخطار الترامواي أو «دولاب الشيطان». اطلع الفتى، في عمريافع، على المخارج الشرعية التي يلجأ إليها أهل المدينة لإنجاز معاملات شراء أو بيع اجتهد المعنيون فيها كي تبقى معلوماتها في إطار الشرع والقانون والسائد الاجتماعي.

الاوبئة و غضب الطبيعة

تمر الأحداث على بيروت. جاءت الأوبئة وغضب الطبيعة. في الحادية عشرة من عمره يسمع أهله يتحدثون بأسى عن الهواء الأصفر (الكوليرا) الذي هب على بيروت في العام 1865 وخلّف قتلى عديدين ومصابين. بعد ذلك بسنتين تأخر المطر فأصاب الكرب والخوف البيارتة الذين خرجوا إلى سهلة البرج لإقامة صلاة الاستسقاء.

ثم بعد ثلاثة عقود بين الأعوام 1894 و1910 و1914 تفشى مرض التيفوئيد في المدينة بسبب الإهمال وعدم الوقاية وانعدام النظافة في البلد. ثم جاءت «تلجة بيروت» في العام 1920. هذه الأحداث وثقها الشعراء في أبيات ذهبت مذهب الأقوال السائرة. وهي أحداث لم ترتبط بالطبيعة فحسب. فثمة تواريخ مفصلية ترسّخت في الوعي الجماعي لأهل بيروت مثل الحريق المروّع للـ«كازخانه»، أي مستودعات الكاز في محلة المدور، العام 1904، والذي اتخذ البيروتيون من يوم وقوعه تاريخاً لوقائعهم وولاداتهم. مثله كمثل يوم ضرب الطليان بيروت (1912) أو يوم الانقلاب الدستوري في تركيا (1908).
وعرّج الجراد على بيروت في العام 1915 وأتى على المزروعات كافة. أما الكوليرا التي ظهرت مجدداً في العام 1916 فهدّدت بيروت بفاجعة عظيمة لو لم تتدارك بلدية بيروت الأمر وتعمل على حصر انتشاره.
المعلومات المقلّة التي خلّفها هاشم عن أماكن سكنه في كل من بيروت وصيدا لم تشف غليل المُقبل على قراءة السيرة الاجتماعية لهذا الأفندي. ما دفع سراج إلى التنقيب في بطون الوثائق الشرعية من أجل البحث عن البيوت التي سكن فيها جدّه. وقد أدرك أنه ليس في الإمكان رواية سير الأشخاص بمعزل عن سير الأهل والأقارب والجيران الذين يشكلون أجزاء ملتحمة من النسيج الاجتماعي الواحد. فأشمل الحديث الأقارب الذين شاركوا علي الجمال (والد هاشم) وأبناءه الأملاك والأرزاق والانشغالات العائلية والمسائل الشرعية. فالعودة إلى الوثائق الشرعية بالنسبة إلى سراج أمر أساسي ولازم لتقصي معالم شخصية صاحب السيرة، بما أن حركة البيوعات العقارية تعكس نبض الحراك السكاني وطبيعة الانتعاشات الاقتصادية والتحولات الاجتماعية التي عرفتها بيروت.
أصاب الفضول الباحث النشيط (كتابه العاشر) عندما اطلع على الشهادات والخرائط والصور والسيوف في منزل جدّه لأمّه في منطقة البسطة. وتوقف ملياً أمام صورة لصاحب السيرة تحمل كثيراً من «الكوبرلية» و«الأفندية» التركية في ملامح الموظف الرسمي. وقد جعل هذه الصورة التي أثارت اهتمامه وكانت مصدراً للإلهام غلافاً لكتابه الأنيق. ساعده أن الأفندي كان عنده شيء من الحرص على شخصه فوثق الكثير من تفاصيل حياته. منها مثلاً حساباته المالية كالتعويضات التي قبضها من الدولة العثمانية منذ دخوله الوظيفة في عمر السابعة عشرة وتنقل فيها مديراً مالياً في العديد من المدن العثمانية من حيفا ويافا والناصرة في فلسطين، وجبلة والمرقب في سوريا، وصولاً إلى مدينة صيدا التي ترأس بلديتها بالإنابة.
بحث سراج خمس سنوات في المعلومات ووثائق الأحوال الشرعية والصور الفوتوغرافية والشهادات الثبوتية العائلية التي تخص هاشم الجمّال. وطار به شغفه ببيروت وبالتأريخ الاجتماعي الذي دخله من باب اللسانيات إلى تركيا وفرنسا وسوريا بحثاً في وثائق وصور الأحفاد عما يشبع نهمه. استعان بمكتبته التاريخية وبعشرات المصادر والمراجع والصحف والمجلات وتدخّل كراوٍ في إكمال الحلقات غير المكتملة. وخصّه روبير الدباس، صاحب أهم مجموعة عن صور بيروت القديمة، بمجموعة من الصور.
عندما وضع نادر سراج النقطة النهائية على آخر صفحة من الكتاب صار يعرف جدّه معرفة تامة. غير أن الآخرين سيستفيدون من أثر الأفندي لتوثيق مرحلة كاملة.

 

صحيفة السفير اللبنانية

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى