المسلسل التركي وتأثيره على المجتمع (إعداد إياد عبد الهادي)

إعداد إياد عبد الهادي

 

إن تلاقح الحضارات وتبادل المعارف بين المجتمعات أمر ضروري لتطور ونمو هذه المجتمعات، وانفتاح الدول على بعضها البعض له مزايا متعددة تساهم في خلق جو من التعاون والتبادل الثقافي والمعرفي، بل وحتى التجاري والصناعي بينها، ويعد الإعلام من أهم وسائل تبادل الثقافات ونشر العلوم والمعارف بين الدول.
فهم البعض على إنتاج الأفلام والمسلسلات التلفزيونية وما شابه باعتبارها أفضل وسيلة لأي دولة من دول العالم لنشر ثقافتها وأخلاقها وعاداتها الاجتماعية وقيمها بين دول العالم المختلفة، بل وأكثرها تقبلا لدى شعوب العالم، من التقارير التي تعرض على شاشات التلفاز.
فشرعت القنوات الفضائية بتقديم عروض المسلسلات التركية على شاشاتها بدءا من عام 2006. وكأي مسلسل اعتيادي كانت نسبة المشاهدة لهذا النوع الجديد من المسلسلات نسبة ضئيلة مقارنة بغيرها من الأعمال الدرامية. وفجأة وبنسق زمني متسارع أخذت أعداد المشاهدين تتزايد وتتزايد حتى أصبحت هذه الدراما الشغل الشاغل لأذهان نسبة كبيرة من أبناء المجتمع العربي. وأخذت حيزا كبيرا من الاهتمام ومجالا واسعا في النقاشات. ولاقت رواجا منقطع النظير.حيث أكدت صحيفة حرييت التركية في تقرير نشرته يوم 15/9/2008 أن عدد الدول المستوردة للمسلسلات التركية بلغ 22 دولة منذ أن بدأت تركيا تصدير مسلسلاتها في عام 2006 مشيرة إلى أن هذه المسلسلات تحطم الأرقام القياسية في نسبة المشاهدة في العالم العربي واليونان والبرازيل، وان حصيلة بيع المسلسلات التركية بلغت ملايين الدولارات سنويا، وأشار التقرير إلى أن هناك 18 مسلسلا يعرض حاليا في شمال أفريقيا واليونان وإيران، ومعظمها يلقى رواجا كبيرا في مصر والإمارات وسوريا والعراق والأردن ولبنان وإيران.
. كما أكدت شبكة تلفزيون الشرق الأوسط «إم بي سي» أن المسلسلات التركية المدبلجة إلى العربية التي عرضتها خلال السنتين الماضيتين حققت نسب مشاهدة قياسية غير مسبوقة وأن الملايين شاهدوها بحسب الدراسات الإحصائية.
ويقول مـازن حـايك (مدير التسويق والعلاقات العامة في المؤسسة): إن عدد مشاهدي مسلسل (نور) بلغ 85 مليون مشاهد عربي ممن تجاوزت أعمارهم 15 عاماً بينهم نحو 50 مليوناً من الإناث أي ما يعادل أكثر من نصف عدد النساء العربيات البالغات محققاً نسبة مشاهدة تفوق أي عمل درامي عرض على شاشات التلفزيون في العالم العربي خلال السنوات الماضية. وفيما يتعلق بنسب مشاهدة مسلسل (سنوات الضياع) فبلغت ما مجموعه 67 مليون مشاهد منهم نحو 39 مليوناً من الإناث.
فأصبح الإقبال الجماهيري العربي على هذه المسلسلات أمرا لم نشهد له مثيلا من قبل، حتى أن البعض وصفها بالحمى التي تنتاب القنوات الفضائية، والذي برره البعض بمبررات لا نجد فيها جانبا من الصحة أو خيطا من الحقيقة، فقد عد البعض هذا الإقبال نوعا من التعطش للعاطفة والرومانسية التي كادت تفقدها المجتمعات العربية، وقال البعض الآخر أن ما يعرض من مناطق سياحية لم نشاهدها من قبل وحب الاستطلاع من قبل المشاهدين للتعرف على ما هو موجود في هذه البلاد كان السبب وراء انتشارها بهذا الشكل، في حين يذهب البعض إلى أن سبب انتشار هذه المسلسلات هو احتواؤها على العادات والطقوس القريبة للبيئة العربية. وإنها عالجت قضايا اجتماعية تمثل الواقع العربي وحب المشاهد لهذا النوع من الدراما.
مدى تأثيرها على العلاقات الزوجية بين الأزواج:
منذ أن بدأت المسلسلات التركية البث في المجتمعات العربيه، فقد أصبحت المرأة تريد زوجها في تعامله معها كما يفعل أبطال المسلسلات التركية وهكذا الرجل يريد من زوجته ، وماذا كانت النتيجه؟ تدمير أسرة بأكملها نتيجة التقلد بمثاليات الحب وما هي الا مجرد عملية تشويق وجذب للحضور فقط،مما أدى الى الطلاق في أغلب الحالات ..
2-  أثرها على فئة الشباب:
أما المشكله الكبرى  فهي تكمن في المجتمعات التي عانت من أثر المسلسلات التركيه على فئة الشباب وخاصة الفئة المراهقة لما هو موجود من إفساد للاخلاق لهذه الفئة .
على سبيل المثال العلاقات الغير شرعية قبل الزواج التي تحدث داخل المسلسل وهذا أصبح يقتدي به الفتايات والفتيان، حيث إنه يثير جدلهم ويريدون تطبيق ذلك كما هو في المسلسل في حياتهم العاديه، كما أصبحوا يتمثلون في شخصياتهم بشخصيات المسلسل ، وليس هذا فحسب بل أيضاً في كل مجلس أو ساحة مدرسه والصف والجامعة والمجالس بشكل عام تتحدث عن المسلسلات التركيه، و لا نغفل عن ارتفاع حد الزواج في المجتمع بين الفئات التي تريد أن تتزوج حيث يريد كلا الطرفين أن يكون قبل الزواج علاقات الحب والرومانسية بينهما ويرفضا الزواج التقليدي.
 هذا أيضاً عن صرعة جعل ممثلي تلك المسلسلات بالاشتراك في عمل فيديو كليب مع المغنيات العربيات، ومما زاد من قمة التفاهة بأنهم لم يقبلوا قبول العرض في الغناء معهن إلا في مبالغ هائلة من المال وهم يكونوا على أهبة الاستعداد في الدفع، فما لنا أن نقول إلا انه في بالغ السخافة العربية وهم هناك في بلادهم لم يكون لهم أي معرفة تذكر إلا سوى شخص عادي مثل باقي الأشخاص .
أثرها على الأطفال :
أصبحت مشكلة المسلسلات التركية تتفاقم إلى أن وصلت إلى صغار السن من الأطفال وهم أيضا أصبحت شغلهم الشاغل حضور هذه لمسلسلات، لكن هذه المشكلة تعود في الدرجة الأولى إلى الأهل بحيث لم ينتقوا الأفضل للأطفالهم لا بل فأصبحوا يبتسمون عندما يتحدث ابنهم الصغير عن المسلسل التركي ويكون قد حفظة أكثر مما يحفظ درسه،لكنهم لا يعلمون ماذا قد ينتج عنها من مساوئ قد يجنوها من تلك المسلسلات عندما يذهب أبنائهم إلى المدرسة وفي أعينهم النعاس وهم ينتظرن موعد مسلسل تركي إلى أخر وكأنهم ينتظرن موعد صلاة، وأيضا عندما يتركون الدرس ويتحدثون عن المسلسل وفي أثناء الحصة التعليمية، وكما أنه أنهم أصبحوا يتعدون على بعض ويقتلون بعض متمثلين بشخصيات تلك المسلسلات، ويتركون ما هو أهم توسيع مداركهم عن العلم، وحضور أفلام تنمي معرفتهم العلمية وتنمية قدراتهم بأشياء مفيدة تخدم مستقبلهم، وليس تعليمهم الحب والرومانسية هذا شئ مفيد لهم وضروري في الحياة، ولكن هذا يأتي مع الفطرة وليس الحب الذي يؤدي إلى إفساد أخلاقهم.
وعلى الجانب الاجتماعي :
وتتابع تفاقم الوضع ليس فقط  في الرواج الذي لاقته هذه المسلسلات ولا في الإقبال الجماهيري العربي الكبير على مشاهدتها، إنما في الدراما (الدخيلة) في أمور عديدة. في مقدمتها أنها تمثل مجتمعا إسلاميا ليس من الإسلام في شيء في كثير من أفكاره وطروحاته وطريقة عرضه وإحداثه.
إن المتابع المثقف لهذه الدراما لا يلحظ أي مظهر من مظاهر الإسلام، بل على العكس من هذا نجد تجاهلا واضحا لكل ما يمت للإسلام بصلة. وتناقضا بين طاعة الله ومعصيته. فعلى سبيل المثال تناول المسكرات بعد الإفطار في شهر رمضان. والعلاقة المفتوحة بين الرجل والمرأة. والحمل قبل الزواج. وتجاهل الصلاة.وعقوق الوالدين والاستهانة بهما وعدم طاعتهما، وأمور كثيرة تتعارض مع ديننا الإسلامي.
لا يمكننا الإدعاء أن الدراما العربية بكل أشكالها هي دراما (معقمة) بل على العكس من ذلك فقد تكون أسوأ بكثير من الدراما التركية. فضلا عن أن الدراما العربية – المصرية تحديدا- تحمل في طياتها الكثير من مشاهد تخدش حياء الإنسان العربي المسلم. ولكن ما أثار الجدل حول الدراما التركية. والتي رغم ما تحمله من مساوئ ، إلا أن هنالك حقيقة لا يمكننا أن نغفلها ألا وهي خلوها من مشاهد مخلة بالأخلاق (إباحية). وأبعده عن الدراما العربية هو أن الأولى هي نوع جديد وطبيعة جديدة ووجوه جديدة لم يألفها المشاهد العربي. فانجذب إليها بشكل ملفت للنظر. وهذا يقودنا إلى مسلمة لا جدال فيها وهي أن الدراما التركية كان الغرض الأساس من ترويجها في المجتمع العربي إيجاد نوع من الدعاية للمناطق السياحية التركية، وبالفعل فقد نشطت وبعد عرض هذه المسلسلات حركة السياحة العربية إلى تركيا،فحسبما ذكرت صحيفة حرييت التركية أن عرض المسلسلات التركية في البلدان العربية أدى إلى زيادة التدفق السياحي إلى تركيا في الفترة الأخيرة،وتحول القصر الذي تم تصوير مسلسل (نور) فيه مثلا إلى مزار سياحي،وتم طبع تذاكر لزيارة القصر قيمتها 60 دولارا .
أما الأمر الثاني والذي يمثل لب المشكلة يتعلق بالمتلقي العربي نفسه والذي بات مقلدا ومحاكيا لكل ما تعرضه شاشات التلفاز من أمور دون التفكير بمردود هذا التقليد على المجتمع أن كان ايجابيا أم سلبيا. وهل أن هذا التقليد ينمي الشخصية العربية؟ أم يعمل على إلغائها ودخولها في مجالات قد لا تتلاءم مع واقعها وتقاليدها وأعرافها.فسرعان ما دخلت المسلسلات التركية عالم الأزياء ودوت في الأسواق صرخة ملابس لميس ونور، ، وأدت هذه الموجة إلى ارتفاع أسعار البضائع بحجة أنها مستوردة من تركيا .

ردود :
وصف المفتي الشيخ عبد العزيز آل الشيخ المفتي ورئيس هيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء في السعودية مسلسل( نور) التركي بأنه: "مسلسل إجرامي وخبيث وضال وضار ومؤذ ومفسد "، وأشار إلى أنه يتحدث باسم هيئة كبار العلماء.وأضاف :" لا يجوز النظر إلى المسلسل ولا مشاهدته، فهو فيه من الشر والبلاء وهدم الأخلاق ومحاربة الفضائل".وقال موضحاً فتواه "أن المسلسل "يدعو إلى الرذيلة ويحبذها وينصرها ويؤيدها وينشر أسبابها، بين شباب الأمة".
و أوضح عضو هيئة التدريس في قسم الإعلام، بجامعة الملك سعود، الأمير الدكتور نايف بن ثنيان آل سعود، أنه لا يوجد تأثير قوي في ثقافتنا المحلية، من خلال عرض المسلسلات المدبلجة (لما لثقافتنا من جذور راسخة وأسس ثابتة)، مضيفًا أنه ليس لمجرد عرض أعمال درامية وتلفزيونية، آتية من أقطار أخرى، وثقافات مختلفة، يمكن أن تتغير البنية الثقافية للمجتمعات، مع ما تمتلكه من مبادئ وقيم وإرادة.
في حين يرى الأستاذ الدكتور إبراهيم أبو عرقوب أستاذ الإعلام في الجامعة الأردنية أن حجم الإقبال الكبير على مشاهدة المسلسلات مؤشر على "أزمة عاطفية" يبدو أن الأسرة الأردنية تعاني منها .
صفوة القول أن ما ذكرناه يمثل جزءا يسيرا من ما تحمله هذه المسلسلات من أفكار من المؤكد أنها لا تصب في مصلحة الإنسان العربي الذي عرف قبل الإسلام بالغيرة والنخوة والشهامة، ثم جاء الإسلام ليعزز هذه الصفات، ونحن في هذا المقام نحاول أن ننبه مجتمعاتنا العربية الإسلامية إلى المخاطر التي تواجه الدين الإسلامي أولا، والقيم والعادات والتقاليد السارية في عروق الإنسان العربي ثانيا، إذ أن هنالك محاولات لتحطيم هذا الدين وهدم العادات والقيم لدى الإنسان العربي، ومع الأسف أننا نجد الكثير من أبناء مجتمعنا العربي يتأثر بما يعرض عليه في شاشة التلفاز
في النهاية نحن بحاجة للتفكير بعمق بما يبثه الإعلام لان الأخير سلاح ذو حدين ففيه الصالح والطالح .

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى