كلمة في الزحام

أجساد وقامات

حكيم مرزوقي

يبدو وكأنّ الأجساد والقامات في هيئاتها السمينة أو النحيفة، القصيرة أو الطويلة، هي التي تكتب الأدوار لأصحابها في الدراما العربية، بعيدا عن المقاييس الفنية المتمثلة في القدرات والمواهب.. ولا شيء غير القدرات والمواهب.

هنا يصبح الجسد البشري “سجنا حقيقيا” بمفهومه الواقعي والمهني ـ وليس الصوفي والرمزي ـ، خصوصا إذا كان صاحبه يحترف فن التمثيل على وجه الدقة والتحديد.

الأمر لا يقتصر على العالم العربي الذي ورث بدوره، هذه “العنصرية المقنّعة” والتوزيع غير العادل للأدوار، من الخلفية الهوليودية لفنون التمثيل والاستعراض، لا بل سبقتها إلى ذلك أشكال فرجوية كثيرة في الساحات العامة وخيام السيرك طالت ذوي الاحتياجات الخصوصية وأصحاب التشوهات الخلقية في الأزمنة القديمة والحديثة.

وإذا كان مبدأ الفرجة عموما، والكوميديا بالخصوص، مبنيا على عنصري الغرابة والمفارقة، فإن المنشغلين بهذا الحقل قد ابتعدوا عن تعليمات سوفوكليس وأرسطوفانس، وجعلوا الصراعات والمفارقات تدور بين بدين ونحيف، طويل وقصير، وسيم وذميم، وغيرها من الثنائيات التي تحيد عن الكرامة الإنسانية، وتسخر من الكائن البشري في الهيئة التي وجد عليها.

وصل هذا السلوك المشين إلى الحد الذي يجرّم فيه صاحبه وفق القوانين الحديثة، وأقلها الاتهام بالتنمّر الذي استمر في المسرح والسينما العربية إلى الآن، خصوصا الأعمال التجارية في القطاع الخاص.

ولست أدري لماذا أفلت عدد كبير من”نجوم الكوميديا” من العقاب والملاحقات القانونية، خصوصا في الشقيقة مصر، حيث تعج خشبات المسارح وقاعات السينما التجارية في الأعياد، بعروض تستجدي الضحك على حساب أشخاص من ذوي الأحجام والهيئات المختلفة الذين راقت لبعضهم هذه “النجومية” وكسبوا منها بعض المال في غياب الوعي لدى الجمهور وصناع العمل على حد سواء.

ولكي لا نذهب بعيدا في “النوايا غير الحسنة” عند قراءتنا لهذه الظاهرة، فإن هناك من يقول بحق هؤلاء في ممارسة فنون التمثيل والاستعراض، وبصرف النظر عن هيئاتهم التي يمكن أن تكون موضوعا لمضمون أعمالهم دون تأويل أو حساسية مفرطة.

ويبرر المدافعون عن حق ذوي الصفات الجسمانية المتميزة في التمثيل بقولهم إن السمات الفيزيولوجية  للممثل عادة ما تكون عاملا داعماً لموهبته وانتشاره، فالممثل الذي يتمتع بالقوة يشتهر في أدوار “الأكشن” والحركة، بينما جرت العادة أن يظهر الممثل البدين في أدوار كوميدية تبرز خفة ظله وتظهره كشخص خال من العقد والمركبات والتحسس من الأحكام المسبقة.

وفي هذا الصدد، ترى الممثلة الأسترالية الكوميدية، ريبيل ويلسون، أن الشخص البدين سهل جداً أن يضحك المشاهد، وهذه النظرية تسري على السيدات بصفة خاصة.

ونقلت صحيفة “تيليغراف” البريطانية عن الفنانة، التي تتمتع بشهرة عالية رغم بدانتها، قولها “من الصعب الضحك على شخص جذاب.. إلا أنه ليس من العدل أن نقول إن كل البدينين ظرفاء، وكل النحيفين مملون.. لكن الأكثرية منهم كذلك”.

وتضيف ويلسون “بشكل عام، يرى العلماء أن البدينين أظرف من غيرهم، لأنهم يحاولون صرف الأنظار عن بدانتهم بخفة ظلهم”.

بوابة الشرق الأوسط الجديدة

 


developed by Nour Habib & Mahran Omairy