بوابة الشرق الأوسط الجديدة

تاريخ

قراءة في تاريخ “لا” النافية الفلسطينية !: حرب أيلول ، والرحيل إلى جمهورية الفاكهاني .. ــ 2

عماد نداف

 

وقعت حرب أيلول في الأردن عام 1970 في ذروة العمل الفدائي الذي اندلع ضد إسرائيل على طول نهر الأردن، وهو الذي لأصبح حدودا طبيعية طويلة تفصل بين المملكة الأردنية الهاشمية وإسرائيل بعد حرب 1967 .

كانت الفترة التي سبقت حرب أيلول تعكس صورة الحماسة الكبيرة للمقاومة، وقد كسرتها مجموعة عوامل سنتوقف عندها، ووصل الأمر على مستوى نشاط العمل الفدائي إلى أن مجموعات الفدائيين العاملة هناك، بغض النظر عن مسمياتها، كانت تقوم بعمليتين يوميا : صباحاً ومساءً،  فلم يكن التناقض السياسي والافتراق الفكري يشغلها عن هدفها، كان الهدف الذي يجتمع عليه الجميع هو الهدف الوطني، أي : مقاومة الاحتلال الإسرائيلي !

كانت تقوم هذه المجموعات بعملية فدائية صباحية، ثم تقوم مجموعة فدائية ثانية بعملية مسائية مستخدمة الأسلحة نفسها، وكثيراً ما استعارت مجموعة من الأخرى قاذف (آ ربي جي) أو رشاش ( كلاشن)، أو غير ذلك من الاحتياجات البسيطة للعملية التي تبدو وفقا لهذه المعطيات سهلة وبسيطة ، وذلك بسبب عجز إسرائيل على تأمين الحماية الكاملة على طول مجرى نهر الأردن !

فجأة واجه العمل الفدائي ، أول منعطف خطير في حياته، وهو البحث عن هوية أو تمايز، وسريعا أدى ذلك إلى نوع من الصراع ، هو في شكله العام تطور في العقل السياسي المقاوم، ولكنه في الوقت نفسه حدد تخوماً واضحة بين المجموعات، وخاصة أن أصحاب الفكر السياسي والرؤى الفكرية اشتغلوا سريعاً على الموضوع وسريعا توسعت الهوة بين كل مجموعة وأخرى ، وتحول النضج الفكري إلى أداة تفريق !

كيف كانت تتوزع الرؤى الفكرية والسياسية على الساحة الفلسطينية، وما الذي كان يميزها ، وهل عاد ذلك بمردود إيجابي أم سلبي مدمر ؟!

عملياً، توزعت هذه الرؤى على مجموعة تيارات :

  • تيار إصلاحي ذو توجه إسلامي خليط كان الأقوى لأنه اعتبر نفسه بمثابة (حركة تحرر وطني) ، وفيها يفسح المجال لكل الاتجاهات ، تحت راية الشعار الاستراتيجي مقاومة الا حتلال أولا ، ومثل هذا التيار (حركة فتح ) ، وظلت الأقوى رغم كل حالات الانقسام التي جرت فيها .
  • تيار القوميين العرب ، وهو تيار قوي وله تاريخ يسبق هزيمة حزيران، وتمكن بعض قادته أو رموزه من تشكيل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بعد الهزيمة، وكان من أبرز قادتها (الحكيم) ، أي الدكتور جورج حبش، الذي اتهم في الأربعينات من القرن الماضي بمحاولة تفجير المعبد اليهودي بدمشق . وفي تيار القوميين العرب كان الدكتور بهجت أبو غربية قد أطلق جبهة النضال الشعبي الفلسطيني وشرعت سريعا بعمليات فدائية ضد إسرائيل بعد حزيران 1967 .
  • تيار ماركسي ، وفي حقيقة الأمر، كان هناك تياران ماركسيان ، تيار ذو أصول قومية يتمسك بها ويسعى إلى تجذيرها بالفكر الماركسي ، وتيار عدمي شبيه في آليات تفكيره بتفكير الأحزاب الشيوعية الكلاسيكية التي كانت موجودة في ذلك الوقت . وقد دارت حوارات كثيرة على الساحة الفلسطينية حول هذا الموضوع ، وظلت في تواصل ، لكن ظهور الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين عام 1969 حسم المسألة لجهة التمفصل مع الدائرة الوطنية وصياغة البرنامج الوطني الخاص على أرضية الرؤية الفكرية التي أفرزت بدورها رؤية سياسية .

أخطر النتائج التي ترتبت على ذلك هي الدخول في المساحة الخطرة المتعلقة بمكان عمل المقاومة الفلسطينية في دول (طوق فلسطين) ، ونعني هنا تلقائيا : الأردن، وسورية ، ومصر، وفيما بعد لبنان .

لعب التيار الماركسي في الأردن دورا سلبيا في فقدان الحاضنة الشعبية للعمل الفدائي، وذلك باستفزاز تلك البيئة المحافظة بشعارات حمراء، وصلت في بعض الحالات الفردية إلى رفع الأعلام الحمراء على المآذن .

ولم يكن الدور الذي لعبته التيارات الأخرى أقل خطرا من هذا الدور، فقد شرعت المجموعات الفدائية التي تنامت سريعا في فرض شروطها على السلطات (الدولة)، فحصل التناقض الكبير الذي أدى فيما بعد إلى الحرب !

لم تكن الدولة الأردنية في وضع مريح، بغض النظر عن الاتهامات التي جرت بين الطرفين قبل الحرب الأهلية في الأردن وبعدها، فالدولة الأردنية كانت عرضة لضغوط أمريكية وإسرائيلية كبيرة تتعلق بضبط الحدود الطويلة على نهر الأردن ، وإذا تجردنا من تحليل البنية السياسية والوطنية الحكمة في المملكة الأ{دنية الهاشمية، فهذا يعني أن أمام الأردن احتمالين الأول هو تبني العمل الفدائي واحتضانه بغض النظر عما سيحصل بعدها، وهو احتمال يمكن الكتابة عنه من زاوية (ماذا لو حصل ، وبطبيعة الحال لن يحصل) . والثاني هو السيطرة على الظاهرة وجعلها تشتغل وفق سياسة الدولة، وهذا مستحيل .

وكان هذا يعني بالضرورة وقوع الحرب الأهلية ، وقد وقعت فعلا،وكان الثمن عشرات الألوف من القتلى والجرحى والمشردين ..

وانعقدت قمة عربية أوفدت لجنة ثلاثية لوقفها ، وتوقفت فعلا في اتفاقية واضحة، وتلى ذلك وفاة الرئيس جمال عبد الناصر وهو يودع آخر زعيم عربي (أمير الكويت) في مساء 28 أيلول 1970 .

 

يتبع : جمهورية الفاكهاني ..جمهورية مفتوحة للمقاومين

 

قراءة في تاريخ "لا" النافية !: المقاومة الفلسطينية "1"

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

developed by Nour Habib & Mahran Omairy