كتب

حين يُمرن محمود خالد البنّا نصوصه على الطيران

وأنت تطالع هذا الكتاب، كأن بستانًا من الورد والجمان في استقبالك، ستجد حروف زاخرة بالإبداع رصت رصًا شعريًا نثريًا، تعانق الذائقة في استعاراتها ومجازاتها بطريقة فنية ملفتة، كأن الشاعر محمود البنّا يكتب برماد الخيبة على حافة ألم متواصل، شاعر في عزلته البكائية يطلق أناشيد شجية تلمس السمع أنينًا، عتابًا، مناداةً، آمالًا عن الحب والأوطان. يحاول جبر المكسور بهديل اليمام وأريج البتلات…

لا يكتب اعتباطًا أو سهوًا عن عوالم الكتابة والشعر، تَعلمها رويدًا، مستفيدًا من مخزون القراءة، ثم ترك اليراع على سجيته يعزف شعرًا ينتج قصائدًا ينثرها في كل الاتجاهات حيث الجمال، فالغاية ليست مجرد الكتابة أنما للكلمة القيمة حيث النص الأجود كوسام معترف، وقلادة دائمة في عنق المجد.

ابتدأ الشاعر بالأجمل حيث طوع المجاز بشكل لافت في خدمة الفكرة الشاعرية، وتماسكها وغايتها. هنا كأنه يروض الجياد على الصهيل:

عَلى مَهَلٍ

أمرِّنُ طِــفـْــلَ الكَلامِ عَلى المَشْيِ

فوقَ رصيفِ القصيدةِ

ثم أواري يَدَيَّ .. وأفلِتــُهُ

كي يَسيرَ وَحيدًا شُجاعًا

هُناكْ

أمرِّنُ حِبْري عَلى الطَّيرانِ ..

وأربِطُ في جِيدِهِ الفِكرةَ السَّافِرَةْ

أحدِّقُ فَوْقَ

لأشْهَدَ ميلادَها مِنْ تُرابِ المَجَازِ

وأكتُبُ في سِرِّيَ المُستبِدِّ هُنا:

لَنا طِفْلُ قَلْبٍ يَسيرُ .. لَنا نَوْرَسٌ يَقْتَفي ظِلَّ غَيْمٍ غَريبٍ

لَنا فِكْرَةٌ لا تَعودُ لِأحـْفَلَ فيها، وَأَشْهَدَ صُحبَتـَها مِن جَديد ..!!

يحول صدى الخيبات إلى حوافز النجاح، والجراح إلى مناجم الأمل، واختصر الكثير في جملة واحدة، بالقول:

الشُّعَراءُ يُؤَثِّثونَ الخَيْبَةَ بِالقَصيدَةِ… ويَحصُدونَ جِراحَ القَلْبِ بمَناجِلِ الَكلامِ ..

نجد في هذا المنجز ” تَمرينٌ عَلى الطَّيَران” للشاعر محمود البنا، الكثير من النصوص الإبداعية بصيغ فنية وشاعرية، إنه يكتب بكل الحواس في حجرته الشعرية وكأنه زاهد في معبده. نصوص بأفق حداثوية مكثفة المعاني والمجازات، مشوقة للقارئ المتذوق شعرًا، وهذا مختصر الكلام لكتاب يستحق القراءة، وكل الموفقية للأستاذ محمود البنا.

 

 

ميدل إيست أون لاين


developed by Nour Habib & Mahran Omairy