شرفات

ضحايا للبيع : هذا ما حصل معي قبل أيام !

عماد نداف

ماذا لو كنا خرافاً ؟!

ضحايا للبيع : هذا ما حصل معي قبل أيام ! بدأت عقدتي قبل نحو خمسين عاماً، عندما زارنا ضيفٌ من القرية، وأحضر معه سلة مليئة بالبيض البلدي، وربط إلى جانبها دجاجة معلقة من قدميها. كانت الدجاجة المقلوبة مستسلمة، هادئة، تنظر إلينا بعينين متوسلتين كي يفك أحد ما قدميها من الرباط، ويتركها ليعود رأسها إلى فوق وقدميها إلى تحت.

أسرعتُ إليها وفككتُ عقدة الرباط القماشي عن قدميها، فنهضت وراحت تركض فرحة سعيدة في باحة البيت، وقد استعادت حريتها التي قيدها صاحبها طيلة الرحلة الطويلة من القرية إلى الشام .

صارت الدجاجة جزءا منا، أمضت أسبوعاً واحداً وهي بغاية السعادة. تأكل القمح وتتجول في البيت كواحد منا، وكنا نركض وراءها ونحاول الإمساك فيها، فتهرب، ثم تنتظرنا من جديد لنستأنف اللعبة، فنعود إلى الركض وهكذا..

بعد أسبوع، اتفقت أمي وأبي أنه حان الوقت لإعداد وجبة شهية من (يخنة الدجاج) مع الرز، وكان القرار أن تذبح الدجاجة، ولم أكن أتوقع أن تكلفني أمي بعملية الذبح المفجعة!

كانت لحظة من لحظات التحدي الكبيرة في حياتي، وعندما أمسكت السكين وشرعت بالعملية تمكنت الدجاجة من الفرار، وكأنها سمعت قصة (اليخنة بالدجاج)، وهيأت نفسها للنجاة .

جلست على حافة الدرج أنظر إليها، هل فعلاً عرفتْ أن الذبح قد آن أوانه، وأن مصيرها هو في طنجرة الضغط ، وأحسست أنها تعاتبني وتقول لي عيب عليك، هل نسيت كيف لعبنا طيلة أسبوع . رأيتها تستغيث بي : أرجوك ، اتركني وسأملأ البيت بيضاً !

فجأة اقتربت مني، فأمسكت بها، فعلت استغاثتها من جديد، وشرعت بذبحها، ففشلت، لكن السكين جرحتها في العنق، لأني لا أجيد الذبح، ولا أعرف كيف يمكن أن أقطع حنجرتها. ارتجفت يدي وفرت الدجاجة دامية الرقبة، إلى أن جاء جارنا وذبحها بقلب بارد، ويومها لم أتناول من الطعام سوى صحن رز !

تذكرت الدجاجة هذا العيد، كانت جميلة الوجه، حمراء اللون ، وأتذكر أنها عينيها كانت تحكي ، كانت تناشدني ، وكأنها تقول لي : لا تذبحني أرجوك . تذكرتها هذا العيد لأنني شاهدت منظراً أثارني إلى درجة الحزن، ففي قلب الشارع على طريق مشفى ابن النفيس، رأيتهم يذبحون الخراف بالجملة ، ويوزعون اللحم على الفقراء، وكان الدم يتدفق بغزارة لتمر فوقه عجلات السيارات وتدوسه أقدام المارة .

والغريب أن الخراف الأخرى كانت تنظر إلى الدم وإلى أخواتها التي تذبح بفزع، وتعرف أنها تنتظر دورها، ولا أحد يهتم بما يجري.

سأستعيد المشهد بحذافيره : خراف حية تراقب عملية الذبح، جزارون يذبحون بأعصاب باردة، وآخرون يسلخون جلد الخراف المذبوحة، وهناك اثنان يقطعان اللحم ويوزعانه على الناس.

هي مذبحة إذن، مذبحة في عرض الشارع، مذبحة ضحيتها الخراف، وطبيعة الحياة أن نأكل لحماً طيباً وأن يكون هذا اللحم نتيجة لعملية الذبح . وعلينا أن نستوعب هذه الحقيقة ،

واليوم بالمصادفة شاهدت صورة على وسائل التواصل لمدخل إحدى القرى، وعند ذلك المدخل عُلقت لافتة بخط رديء يعلن صاحبها عن جهوزيته لبيع الخراف عشية العيد المبارك. أتعرفون ماذا كتب على تلك اللافتة ؟

كتب بدم بارد : ضحايا للبيع !

بوابة الشرق الأوسط الجديدة

 


developed by Nour Habib & Mahran Omairy