بوابة الشرق الأوسط الجديدة

أصداء

الفرق بين حاكمين

عادل محمود

 

الفرق بين حاكمين هوهدر المال على المنافع الخاصة، أو استثماره في الشؤون العامة. والفرق بين حاكمين ابتليا بالغزاة، في بلاد إما تنتصر أو تموت، هو الشجاعة والحكمة والبسالة، أو الجبن والحماقات والهرائب (جمع هريبه).

سأضع المقارنة بين حاكمين، في عصر واحد تعرضا لغزوعدو واحد … العدوهوالتتار بقيادة هولاكو في القرن الثالث عشر. والحاكمان هما: المستعصم بالله ـ الخليفة العربي العباسي من سلالة الرسول في بغداد، وسيف الدين قطز ، سلطان مصر.

طوق هولاكو بغداد عام 1258. ويوم دخول بغداد كان المستعصم في حفلة مجون وقصف ، فلم يسمع قرع طبول الحرب حول بغداد، ولا صوت سنابك الخيل لجيش التتار حول قصره.

أمر هولاكو جنوده بالحفاظ على حياة الخليفة كي يدلهم على مخابىء كنوزه. وفعلاً ذهب مع الجنود ودلهم على الكنوز، ثم استدعاه هولاكو وهو يستعرض حسان وجواري المستعصم ، وعددهن 700 جارية وألف وصيفة. ويوزعهن على الضباط  والقادة. بكى الخليفة واستجدى الإمبراطورأن يترك له بعض محظياته. لكنه تركه يجوع في السجن. وعندما تضرع من أجل لقمة طعام، أتى هولاكو ومعه قصعة من الذهب وقال له: كُلْ. قال المستعصم: وهل يؤكل الذهب؟ قال الإمبراطور: إذا كان لا يؤكل فلماذا لم تعطه إلى جنودك ليدافعوا عنك؟

استبيحت بغداد أربعين يوماً، قتل خلالها مليون إنسان، كما انتشرت الأوبئة حتى قيل “من نجا من الطعن لم ينج من الطاعون”. والمؤرخ الساخر يقول: “ما جمعه بنو العباس في خمسة قرون أخذه هولاكو في ليلة واحدة”.

أما الحاكم الثاني فهو سيف الدين قطز، وقطزهو الاسم الذي أطلقه عليه التتار وتعني “الكلب الشرس”. وقد بيع قطز ، كمملوك ، في سوق النخاسة ، مرتين، مرة في الشام ومرة في مصر ثم أصبح حاكم مصر (وكان المملوكي الثالث في الحكم).

تلقى قطز رسالة من هولاكو المنتصر في بغداد والشام وحمص وحلب… ينذره فيها بأوخم العواقب ويطلب منه الاستسلام. وجاء في الرسالة: “… سلموا أمركم إلينا. فنحن لا نرحم من بكى، ولا نرفق بمن اشتكى. وقد سمعتم أننا فتحنا البلاد، وطهرنا الأرض من الفساد، وقتلنا معظم العباد. فعليكم بالهرب وعلينا الطلب…”

جمع قطز مجلسه الاستشاري، وقد استشم رائحة التخاذل والميل إلى المهادنة فقال في نهاية النقاش كلمته الشهيرة “أنا سألقى التتار بنفسي”. فتراجعوا وبحثوا التحضير للمعركة ، وكان الرأي فرض ضرائب جديدة إلا أن المفتي “العز بن عبد السلام ” قال: “إذا طرق العدو بلاد الإسلام وجب على المسلمين قتاله، ولكن ليس من الضرائب بل من أموال الأمراء والأغنياء”. فبدأ قطز بنفسه وأعوانه وأقربائه وكان المعيار: يملك المسلم في هذه الظروف فقط فرسه وسلاحه.

استدرج قطزالتتار إلى المعركة في منطقة عين جالوت (في فلسطين 1259) وهزم التتار شر هزيمة، وأكمل قطز تحرير بلاد الشام كلها.

إلا أن الظاهر بيبرس (وهو أحد قادة المعارك في حملة تحرير بلاد الشام، وأحد أبطال عين جالوت… تآمر على قطز في الطريق إلى مصر، وقتله واستلم السلطة في مصر).

كم تنطبق هذه الفوارق على بلداننا وحكامنا في العصر الحديث؟

الناس تجوع وتقدم دم أبنائها دفاعا عن البلاد، ولا يتنازل الحاكمون وأصحاب الثروات عن جزء من المسروقات في زمن الحرب.

 الأزمنة 17
إلى سعيد حورانية

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

developed by Nour Habib & Mahran Omairy