بوابة الشرق الأوسط الجديدة

أنسام صيفية

كل النساء في واحدة

شوقي بغدادي

و انا أقلب أوراقي القديمة صادفت ورقة بالية ، إلا أن خطي كان ما يزال مقروءا ، فقرأت هذه الكلمات :

((.. أنت لا تتكلمين كما يتكلم معظم البشر ، تبدئين حديثك عادة بتعديل جلستك أكثر من مرة إذ تلفين الساق على الساق و أنت تلصقين ظهرك بالمسند الخلفي لمقعدك ، ثم تشبكين أصابع اليدين المستعرتين أغلب الأوقات في حضنك ، فإذا ارتفعت حرارة الحديث فككت الساقين و بدلت وضعهما و أنت بحركاتك هذه تشركين ذراعيك ، و أنا ِملكِ في التعبير . فإذا حمي الكلام انتصب ظهرك و أنت تميلين به إلى الأمام قليلا ، و هكذا تكتسب عبارات الإستفهام مثلا معناها الأعمق أكثر فأكثر من خلال إستدارة رسغك نصف إستدارة ، كما تكتسب عبارة التعجب جلالها من ساعدك و هو يرتفع مع انبساط راحة كفك ، فإذا أردت تأكيد ما تقولينه تقرعين بحذائك الأرض مرتين أو ثلاثة فإذا قصدت الدعابة فتحت ذراعيك و كتفيك و حين تستنكرين أمرا تقلصين شفتيك أما إعياؤك أخيرا فلمنظرك عندئذ متعته الخاصة إذ ترجعين بظهرك أخيرا إلى الوراء و تمسحين برفق على صدغيك ثم تردّين خصلات شعرك المتناثر إلى الخلف فنفهم جميعا أنك إستوفيت غرضك من الحديث و أنك موشكة على الختام فنسترخي معك آسفين ضمنا أنك ستحرميننا و قد صَمّت نشوة الإصغاء إليك ..!!)).

أكملت قراءة مقالتي هذه ، و شرت بذهني و أنا أحاول إسترجاع ذكرياتي .. متى كتبت هذا الكلام ، و من كانت المرأة التي ألهمتني هذا الوصف ؟
لم تسعفني الذاكرة ، إختلطت على الذكريات و لم أكن متأكدا من أي منها و على الأخص أن الورقة البالية لم تكن تحمل تاريخ اليوم الذي كتبت فيه ، و لكن .. من كانت هذه المرأة ؟ هل من المعقول أن أعرف إمرأة بهذه الصفات الخاصة بها و أكتب عنها كل هذي التفاصيل الدقيقة ثم أنساها تماما ؟! إن إعجابي بها لم يكن بالتأكيد وليد ساعته فهناك كما يبدو أكثر من جلسة جمعتني بتلك المرأة ذلك أن إنتباهي لكل هذي التفاصيل في أسلوبها حركة و كلاما و حماسة لم يكن ممكنا وصفه بهذه العناية و الدقة لولا أنني كنت متأثرا بل مأخوذا بما رأيت و سمعت في أكثر من جلسة ومع ذلك فها أنذا أنساها كأن لم يكن لها أي وجود في حياتي . فهل كان الأمر كذلك ، أم إنني أخترع وصفا خياليا لإمرأة لا وجود لها حقا في سيرتي الشخصية !؟

وشيئا فشيئا ترقبت ذاكرتي و أنا إستحضر جلساتي المشابهة مع النساء ، و إذا بي أكتشف من شريط الذكريات المديد إنني كنت لا أستقر على واحدة منهن فكيف عجزت عن تذكر المرأة التي ألهمتني ذلك الوصف الدقيق و أنها الأقرب إليّ منهن جميعا .

لم يكن ثمة تفسير لكل هذا إلا بأن الكاتب حين يبدع في وصف شخص يحبه أو يكرهه أنه يضيف على الحسن أجمل مما هو عليه فعلا أو على المكروه أبشع ، فالمرأة هذه التي وصفتها بتلك الدقة لم تكن إمرأة بعينها بل كانت تمثل كل النساء الجميلات اللواتي عرفت ، و مع ذلك فلقد كان باقيا أن أعرف من كانت حقا هي التي حفزتني على أن أجمع فيها كل هذه الصفات اللطيفة فلا بد أنها كانت واحدة منهن على الأقل أو الأكثر و لكن هيهات أن أتأكد .

و لماذا كان يجب أن أتأكد ما دمت قادرا أن أبتكرها على أوراقي حين أشاء ، ثم أصدّق نفسي و يصّدقني الآخرون أنها إمرأة موجودة فعلا بكل الصفات التي ذكرت … و لماذا لا أقول : إن الكاتب الأديب في عملية الوصف لأي كائن لا يقدم لنا الكائن الحي الذي يصفه كما هو فعلا بل كما هو في ذاكرة الكاتب المبدع كما يجب أن يكون في النص الذي يكتبه … إذ لا يمكن أن تجتمع صفات النساء كلها في واحدة إلا في ذاكرة المبدع و هو في أحسن حالاته إبداعا …

هل هناك خلاص للبشرية ؟!
كن أنت أنت ... لا غيرك

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

developed by Nour Habib & Mahran Omairy