بوابة الشرق الأوسط الجديدة

أنسام صيفية

مجاملة أم نفاق ؟

شوقي بغدادي

مالفرق بين المجاملة و النفاق؟ هل هو فرق في الطبيعة أم في الدرجة ؟

لا أريد أن أتفلسف ، غير أنني أستعين بما يشبه التفلسف كي أدافع عن نفسي ، و إن لا فكيف يكون ما تقوله إمرأة تجاوزت الخميسن أن شبابها يتحدى الزمن و بين ما تقوله لأحد الوزراء يدعي إمتلاك موهبة الكتابة أنه موهوب وما هو كذلك ؟ أي للقولين نفاق و أيهما مجاملة ؟…

سأروي لكم أولا ما حدث معي .. وجدت نفسي مرة في إحدى حفلات الكوكتيل الدبلوماسية وجها لوجه مع زميلة جامعية لم أرها منذ سنوات . كانت وحدها كما كنت وحدي فتبادلنا على الفور تحيات الزمالة القديمة . كانت أنيقة تشع بالنظافة و الرائحة الطيبة فلم أملك من أن أطلق لساني ببعض عبارات الإعجاب فتفتح وجهها بإبتسامة مكافحة بالبهجة . و بعد قليل عرفت منها أنها فقدت زوجها منذ خمس سنوات و أنها لم تشارك في مثل هذه الحفلات إلا اليوم و أنها أسعد النساء بلقائي و أنها تمارس قرض الشعر لكنها لم تطلق لموهبتها العنان إلا بعد وفاة المرحوم. ومنذ ذلك المساء لم أنج في مخابراتها الهاتفية تدعوني لعشاء أو غذاء إلى أن أطلعتني على مخطوطة شعرية تطلب مني كتابة مقدمة لها ، فلم أستطع التهرب من الموافقة ، و هكذا صدرت المجموعة مع مقدمتي و ما أزال أحمل من متاعب تلك العلاقة ما أحمل ، فهل كان تصرفي نفاقا أم مجاملة ؟

في الوقت ذاته تقريبا تعرفت إلى أحد المسؤولين الكبار في السلطة ، فدعاني لزيارته في مكتبه ، و فعلت خوفا من نقمته ثم دعاني إلى المطاعم رفيعة المستوى التي لا أستطيع تناول الطعام فيها وحدي بسبب غلائها ، كما غمرني بالهدايا الصغيرة و الثمينة مثل ساعة سويسرية فخمة أو طقم رجالي إيطالي أو قلم حبر أفخم الماركات و غيرها…فإعتذرت عن قبول بعضها و قبلت بعضها الآخر، إلى أن أطلعني على رزمة كبيرة من الأوراق المخطوطة على أنها رواية (( خارقة )) – حسب وصفه – ألفها و يطلب مني تصحيح أخطائها اللغوية … و ياللهول ما حملت و كلفت به حين عاينت من كتابة ركيكة حافلة بالأخطاء ، و ما كدت أنجز مهمتي حتى رأيت المخطوطة في طبعة فاخرة و معروضة في معظم المكاتب … و لم تلبث أن أنهالت عليها الكتابات النقدية المدّاحة …فهل كان تصرفي مع ذلك المسؤول نفاقا أم مجاملة ؟…

إذا أخذنا الأمور بنتائجها فلا ريب أن الضرر الحاصل من تصرفنا مع هكذا بشر هو الفيصل في التحليل الأخير ، فإذا كان مدحي للعجوز المتصابية على أناقتها أو على كتابتي مقدمة لديوانها لم يؤذ أحدا بل لقد ساعدها على تحمل مصاب ترملها و خاصة حين نعرف أن مجموعتها التي صدرت لم يهتم بها أحد … في حين أن تصرف المسؤول معي و مع الآخرين كان مشوبا دوما بالإزعاج بسبب تهالكه و إستخدامه لغة الترغيب و الترهيب معا دونما خجل أو مواربة ، و أن المشهد الثقافي في البلد قد تعكر كثيرا بردود فعل المرتزقة من النقاد الصغار المتهافتين على إرضاء ذلك المسؤول مما شجعه على التفكير في متابعة إزعاج البشر برواياته السخيفة المقبلة …

إذا كانت الأمور تقاس بنتائجها فلا شك أن تصرفي مع زميلتي العجوز كانت مجرد مجاملة ، في حين أن تصرفي مع المسؤول السلطوي كان نفاقا و لكن ما عساني كنت أصنع لحماية نفسي لو رفضت التعاون مع ذلك المسؤول الكبير ؟! و هل هذا يبرر ما نقدمه أحيانا من تنازلات توقيا من الأخطار و حماية النفس ؟..

لم تنته الأمور عند هذا الحد فأنا أذكر أن الشاعرة العجوز دعتني إلى دارها لتناول العشاء و أنها دعت معي كما أخبرتني عددا من الكتاب المعروفين لوليمة العشاء هذه فإذا بي أجد نفسي وحيدا معها حين عرفت أن المدعوين الأخرين أعتذروا في آخر لحظة!.. فماذا كانت تريد مني تلك المخلوقة أكثر مما قدمت و لم تطلب مني فيما بعد أي شيء؟!

هل كان تصرفي معها مجاملة أم نفاقا ، أم لا فرق بين طلبات المسؤول و هذه الزميلة و لا فرق بين الاثنين ؟

أما المسؤول فقد بلغنا أنه أقيل من منصبه بتهمة الفساد و أحيل للتحقيق معه …و أن روايته – كما يقال – استخدمت كوثيقة اتهام له في التحقيق معه . فهل كان تصرفي معه مفيدا إذن للصالح العام أم أنه كان مجرد مجاملة ؟

ما أصعب مثل هذه التجارب !..إنها الحيرة فعلا !…

رمـضـان آخـر
الموضوعات الكبيرة ....و الصغيرة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

developed by Nour Habib & Mahran Omairy