بوابة الشرق الأوسط الجديدة

شرفات

هل تريد أن تهاجر ؟ .. اسمع قصتي جيداً !

عماد نداف

كان صديقي سمير عباس يذهب إلى المقبرة كلما ضاقت به الأمور، وعندما مات اختار قبراً بعيداً في (مقبرة نجها) لكي تكون راحته الأبدية في منأى عنّا نحن الأحياء، فالأحياء لايجلبون المسرة، حتى لأنفسهم !

ضاقت بي الأمور، فقررت أن أتوجه إلى المقبرة، عملا بنصيحة صديقي الراحل، وكانت مقبرة الشيخ خالد عند سفح قاسيون هي الأقرب إليّ في تلك اللحظات، ومشيت وقد أتعبني الصعود، فإذا به أمامي، وهو رجل مبروك يعرفه أبناء منطقة الشيخ محي الدين جيدا، قصير القامة (طوله نحو متر)، يغطي رأسه بعمامة خضراء، ويقولون إنه “من أهل الله”. لا يتحدث إلاّ عند الضرورة. يذهب إلى قبر الشيخ محي الدين بن عربي كل يوم، فيجاوره ساعات طويلة، وهناك يقدم له الزوار الصدقات والطعام أحيانا..

لحقتُ به، وقد نسيتُ رغبتي بزيارة المقبرة، ورأيته يدخل إلى مقام الشيخ الأكبر، فدخلت معه، رحب به الواقفون عند الباب، فلم يبال بترحيبهم. كان يهز رأسه وكأنهم يطلب منهم عدم المبالغة..  

جلس في الركن الجنوبي من القبر وأسند ظهره للجدار. كان الزوار يدخلون فيقرؤون الفاتحة ويصلّون، ثم يذهبون، إلاّ هو، جلس دون أن يصلّي، كان هادئاً مطمئناً وادعاً، تستقر عيناه على جهة محددة ولا تشغله بقية الأشياء..

دخلتُ كما يدخل الآخرون، قرأتُ الفاتحة على روح ابن عربي، ثم تسللتُ نحوه وجلستُ بجواره، ورحتُ أنظر إلى أنحاء القبر لأحسّ بالسكينة التي تسيطر على المكان، وسريعا شعرت بالراحة، تماما كأنني في مقبرة واسعة.

التفتُ إليه ، وقلت :

ــ يا شيخ .. أنا تعبان !

هزّ رأسَه، ولم يعلقْ على كلامي، وعندما رمى إليه أحد الزوار بمائة ليرة ، لم يلتقطها. تركها مرمية بجواره، فحملتُها ووضعتها في بيده، وكررت شكواي:

ــ يا شيخ أنا تعبان !

رآني خادم القبر ، فهمس لي :

ــ لا تعذب حالك ، فهو لن يرد عليك !

التفتَ الشيخُ المبروك إليه بعيني طفل، وكأنه يحتج . ثم نظر نحوي، فأحسستُ فعلا أنه من أهل الله. كان عمره يوحي أنه بلغ الخمسين، عيناه صافيتان بريئتان. لا شعر في وجهه. شفتاه مبللتان بلعابه الذي يسيل أحيانا على صدره . قال لي بلهجة يصعب فهمها سريعا:

ــ تعبان بالك؟ ليش؟

كانت الكلمة الأخيرة مقطوعة. ومع ذلك انتابتني نوبة سعادة كبيرة، فقد أثار رده عليّ موجة من الاطمئنان ، وهممت بأن أحكي له شيئا ما من هواجسي، فإذا بوجهه يشيح عني، ويعود إلى شروده، فقلت له دون أن انتبه إلى مسألة استيعابه لما أقول:

ــ كل شيء صعب في حياتنا. الحرب أكلت أرواحنا . صرنا ذئابا ياشيخ، الأخ يغدر بأخيه. الولد يشتمُ أمه وأبيه. الحارسُ يسرق الحارة. وإمامُ الجامع يكذبُ ويخدع المصلين، والدولة نائمة ..

لم تتغير ملامحه، وسال لعاب قليل من فمه، وأحسست أن كل ماقلتُه له ضاع في الهواء، فقررت أن أنهض وأمشي، وقبل أن أهم بالنهوض قلتْ :

ــ سأهاجر ! كل الذين هاجروا، قالوا إن الحياة في بلاد برّا أفضل من حياتنا، تصور ياشيخ الأجانب يخافون علينا أكثر مما نخاف على أنفسنا !

التفت إلي بعينين زاد الصفاء فيهما، ثم رفع رأسه نحو الأعلى ينفي جوهر حديثي، وقال :

ــ ليس عندهم الشيخ محي الدين!

ضحكتُ وأنا أنهض . ألتفتُ إليه بعينين ساخرتين ، وقلت بصوت نصف مسموع :

ــ سأهاجر .. لا أريد مشايخ ولايحزنون !

اكفهر وجهه . لم يعد وجه طفل. وتدفقت كمية من اللعاب على صدره ، ثم ناداني وأنا أتجه نحو الباب فأصعد على الدرجات القليلة خارجا من المقام .. وقال:

ــ حرام .. حرام..

وخرجت ..

رحت أعدّ العدة لأهاجر، فكل الأشياء كانت تدفعني للسفر، كان السفر هو آخر الحلول !

وقبل أن أستلم جواز سفري بيومين، جاءني ذلك الشيخ، وكانت ليلة باردة من ليالي الشتاء وكانت أصوات المعارك تترامى من جهة الشرق وتشعل الخوف في روحي، وتجعل نومي قلقا .. جاءني، وسمعت صوته :

ــ أنا الشيخ محي الدين .. لا تسافر يا ابني . الشام هي التي سيهاجر الناس إليها. ابق هنا. فذات يوم سيسافر العالم كله إلى الشام ..

وشدّد على كلامه :

ــ العالم كله !

على سيرة الإعلام : هل لديكم هاتف ساخن ؟!

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

developed by Nour Habib & Mahran Omairy