بوابة الشرق الأوسط الجديدة

كلمة في الزحام

ذاكرة الطباشير الملونة

حكيم مرزوقي

 

ما زلت أبتهج للعطلة، وأتوجس من العودة المدرسية رغم أنني أتفانى في اقتناء الأقلام الملونة وبريها، وأتبادل اختلاسها والشجار حولها مع طفليّ.. ترى، ما سر هذه العلاقة المريبة مع المدرسة؟

فجأة، ودون سابق إنذار أو أدنى جرم ارتكبته، تجد نفسك بين جدران غير بيتك، مع أطفال غير أشقائك، وأمام ” ولي أمر” غير أبيك، يجبرك على الكتابة والإنصات إليه.. ولا يحق لك التكلّم أو حتى الانصراف إلى دورة المياه دون أن ترفع  إصبعك طالبا الإذن. يا للورطة، هذا الباب نصب عينيك، لكنك لا تستطيع أن تخرج منه متى شئت.

لا مجال لممارسة مزاجك الذي اعتدت عليه ” هناك”، وأول جملة صادمة تسمعها في المدرسة حين تهمّ بممارسة رغبة ما، كأن تأكل أو تغفو أو ” تشخبط” على الحائط، هي ” هل تحسب نفسك في بيتك؟”.

يا للهول.. أين أنا إذن؟ ساعتها، يخطر ببالك أن تصرخ ويرد عليك الصدى، مثل سجين بريء في الأفلام المصرية التقليدية ” يا عالم يا هووو.. افتحوا الباب.. عايز أروّح بيتنا”.

قد تكون عرضة للسخرية والتنمّر من أشرس ” النزلاء ” الذين ” يقضون معك هذه العقوبة” ويرتدون نفس البدلة الموحدة.. تماما، وكأنك في ” أبو دعبل”، حتى أنك قد تنتظر وجبة الطعام القادمة من البيت كما ينتظر السجين “القفة” ويتناول محتواها بشهية ولهفة وحنين، على خلفية موسيقية حزينة في الباحة، عند الاستراحة، مثلما يفعل أعتى ” المتهمين الأبرياء”. وقد ينهرك ناظر المدرسة ويصرخ فيك للالتحاق بالصف كما يفعل مأمور السجن، فتستجيب صاغرا لهذا القدر الأحمق.

الأدهى من كل ذلك أن الذي سلمك إلى هذا ” السجن” هو أبوك، وباتفاق تآمري مع إدارة المدرسة ثم ينصحك، في كل مرة تتذمر فيها من المدرسة، بالصبر إلى حين انقضاء مدة “العقوبة ” التي يحاول تجميلها لك وإقناعك بأنها لصالحك، فيما يشبه ذات العبارة التي نسمعها في الأفلام المصرية، بلسان صعيدي ” اصبر يا ولدي، يا عتريس.. السجن للرجالة يا ضناي”.

لماذا سلّمتني يا أبي –هكذا ودون رأفة – للحروف والأرقام ورائحة الدفاتر وغبار الطباشير وبياض الورق؟! ثم أنهم أجلسوني إلى جانب صبية ليست في مستوى جمال وأناقة تلك التي تشارك ابن جارنا سمير، نفس المقعد.

أخبرني يا أبي, كيف أقنعتني بالعودة إلى المدرسة التي قفزت من أسوارها أكثر من عشرين مرة؟

الآن وأنا أرزح تحت نير الكلام .. وكلّما أجهشت بالكتابة  قرب الشباك أرى أبي يبتسم ويبتعد.. تماما مثل أول يوم في المدرسة.

عن علاقتي بحادثة البرجين
بصراحة.. أنا لا أطيق المدرسة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

developed by Nour Habib & Mahran Omairy