تحليلات سياسيةسلايد

تعقيدات ميدانية متزايدة بوجه تركيا | أنقرة – دمشق: إردوغان متمسّك بالتطبيع

في وقت تحتفل فيه «هيئة تحرير الشام» (جبهة النصرة سابقاً) بمرور ستّة أعوام على سيطرتها على إدلب، وقيام «إمارة» لها فيها، تحاول تركيا، جاهدةً، تسريع وتيرة الحلحلة في ملفّ المحافظة الواقعة في شمال غرب سوريا، كخطوة أولى حقيقية على طريق التطبيع مع سوريا. تطبيعٌ يبدو أن رجب طيب إردوغان ما زال متمسّكاً به، على رغم الضغوط الأميركية المتزايدة في الاتّجاه المُعاكس له، كونه يمثّل، بالنسبة إلى الرئيس التركي الذي يخوض انتخابات حاسمة، السبيل الأفضل لمعالجة جملة من المشاكل، التي شارك هو بنفسه في صناعتها خلال السنوات الماضية. غير أن هذا الطريق التركي الجديد ما زال محفوفاً بالمخاطر، سواء الخارجية، أو حتى المتعلّقة بـ«خطر الجهاديين»، وهو ما بدأت تَظهر ملامحه بشكل متزايد، واضعةً تركيا في مأزق قد يُدحرج «كرة النار» إلى مناطق كانت، حتى وقت قريب، خارج الحسابات الحالية

عقد مسؤولون أمنيون وعسكريون أتراك اجتماعاً جديداً مع قياديّين في «هيئة تحرير الشام»، لتقييم الأوضاع على طريق حلب – اللاذقية (M4)، والذي تنوي أنقرة إعادة تشغيله كخطوة أولى على طريق الانفتاح على دمشق. الاجتماع، الذي ذكرت مصادر «جهادية» أنه امتدّ على مدار ساعتَين قرب معبر باب الهوى الحدودي في ريف إدلب، أحيطَ بالسرية، ولم يتسرّب عنه الكثير من المعلومات، باستثناء تأكيد تركيا عملها على تأمين الطريق، وإبلاغها الفصائل نيّتها تسيير دوريّات تابعة لها في الجانب الذي تسيطر عليه «الهيئة» من الطريق خلال الفترة المقبلة، قد تتْبعها دوريّات مشتركة مع روسيا، ولاحقاً مع سوريا، تبعاً للاتّفاقات الأمنية والعسكرية التي قد يتوصّل إليها الطرفان (أعلنت أنقرة إمكانية عقْدهما اجتماعاً على مستوى وزيرَي الدفاع في الأسبوعَين المقبلَين). وأفادت المصادر نفسها بأن الجيش التركي أجرى، في الأيّام الفائتة، سلسلة تحرّكات ميدانية، بينها نقْل نقاط مراقبة إلى مناطق تُشرف بشكل كامل على «M4» في منطقة جبل الزاوية، موضحةً أن أنقرة تعمل، في هذه الأيام، على اختبار الأوضاع وتقييم المخاطر الأمنية التي قد تتسبّب بإفشال فتْح الطريق، سواء بشكل متعمّد من قِبَل «تحرير الشام»، التي أكدت لتركيا، أكثر من مرّة، التزامها بأيّ اتّفاق يتعلّق بـ«حلب – اللاذقية»، أو من فصائل أو عناصر منفلتة قد تحاول التشويش على ذلك المسار.

وفي وقت تعمل فيه أنقرة على ضبْط الميدان، تمهيداً لاجتماع مع دمشق وموسكو قد تنضمّ إليه طهران، واصلت «تحرير الشام»، التي يقودها رجل «القاعدة» السابق، أبو محمد الجولاني، تحرّكاتها في ريف حلب، في محاولة منها لتجذير حضورها في عفرين التي تسيطر عليها، ومنْع انتزاع المعابر الأهمّ الواقعة في قبضة القاطع الشرقي في «حركة أحرار الشام» – بات عملياً تابعاً للجولاني -، والذي يسيطر على معبر الحمران الواصل بين مناطق سيطرة «قوات سوريا الديموقراطية» (قسد)، ومناطق نفوذ الفصائل الموالية لتركيا. وبحسب مصادر مطّلعة، تحدّثت إلى «الأخبار»، تخوض «الهيئة» محاولات حثيثة لتصفية ما تبقّى من جماعات «جهادية» في إدلب، عبر فتْح الباب أمامها للخروج من سوريا نحو أوكرانيا. غير أن هذه الضغوط دفعت بعض الفصائل إلى الانتقال إلى ريف حلب، على شكْل مجموعات صغيرة وخلايا، الأمر الذي زاد من تعقيدات الأوضاع في الشمال السوري، وخصوصاً بعد ظهور أصوات مناوئة للتوجّه التركي داخل «تحرير الشام» ذاتها، على خلفية اغتيال القيادي في القاطع الشرقي في «أحرار الشام»، صدام الموسى، وسط اتّهامات بوقوف أنقرة وراء هذا الاغتيال عبر طائرة مسيّرة. وسيكون من شأن حركات النزوح التدريجية من إدلب نحو ريف حلب لفصائل يحاول الجولاني التخلّص منها، وظهور انقسامات داخل «تحرير الشام»، بالإضافة إلى التوتّر المتزايد بين «الهيئة» وفصائل أخرى منتشرة في ريف حلب، أن يخلق جوّاً مناسباً لتجدّد الصراع المسلّح في المنطقة، التي تحاول أنقرة جاهدةً إبقاءها، أقلّه في الوقت الحالي، خارج النقاشات المبدئية مع كلّ من دمشق وموسكو.

في الموازاة، تتابع الولايات المتحدة تحرّكاتها لترميم «البيت الداخلي» في مناطق سيطرة «قسد»، وذلك عبر محاولة تنشيط الحوار الكردي – الكردي المتوقّف منذ نحو عامَين، تمهيداً للخروج بما سمّته مصادر كردية «مشروعاً واضح المعالم»، يمكن واشنطن الاعتمادُ عليه لتحصين وجودها في سوريا، ومنْع تفكيك «الإدارة الذاتية». وشكّل هذا المشروع محور المباحثات التي أجراها المبعوث الأميركي إلى شمال سوريا، نيكولاس غرينغر، الذي زار الرقة يوم السبت الماضي، بالتزامن مع استمرار السعي الأميركي لإعادة الانتشار في المحافظة، بعد نحو ثلاث سنوات من الانكفاء عنها. تُضاف إلى ما تَقدّم، مواصلة الأميركيين تصعيد الضغوط على دمشق وموسكو بمختلف الطرق المتاحة، وآخرها تقرير «منظّمة حظر الأسلحة الكيماوية» الذي اتّهم الحكومة السورية بالوقوف وراء هجمات بغاز الكلور في ريف دمشق عام 2018. وهو تقرير سارعت واشنطن، وحلفاؤها في الاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى الدوحة، إلى استثماره في تشديد الخناق على الجانبَين السوري والروسي، في وقت أصدرت فيه تركيا بياناً أعلنت فيه «دعْم الجهود الرامية إلى ضمان المساءلة في سوريا، ولا سيما الأمم المتحدة ومنظّمة حظْر الأسلحة الكيميائية، بعد ثبوت مسؤولية النظام السوري عنها»، وفق البيان. واعتبر كثيرون الموقف التركي تراجُعاً عن الانفتاح على دمشق، قبل أن تُعيد أنقرة تأكيد تمسّكها بذلك المسار، عبر خطوات ميدانية تستهدف فتْح طريق «حلب – اللاذقية» من جهة، وإعلان إردوغان من جهة أخرى استمرار العمل على خطّ التطبيع، والذي أصبح رُباعياً بانضمام إيران إليه أيضاً.

 

صحيفة الاخبار اللبنانية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى