كتب

جهاد أبو حشيش: كلنا ضحايا مجتمع قاسٍ

 «اكتشفت أن الثورة لم تكن أكثر من طفلٍ، فرحَ به الجميع، وما كاد يحبو حتى صعدوا به إلى أعلى البناية، وأوهموه أنه قادرٌ على أن يمسك الغيم، ويغيّر خارطة العالم. فصدقهم، وقفز من أعلى البناية». الخيبة والمرارة هذه، وغيرها من الخيبات التي تكتنزها رواية «تفاحة العابد» (دار فضاءات ــ عمان) لجهاد أبو حشيش، تتجلّى ونحن نتابع يوميات «عادل» بطل الرواية، الشاب الذي كان أحد ضحايا تفجير الفندق وسط عمّان، ليعيش بعاهة استحالت بسببها إمكانية الإنجاب، ما أثار جنون والده «عواد» الذي يأمل بذرية من ولده الوحيد.

«تفاحة العابد»، رواية يتصارع في ثناياها أكثر من جيل وأكثر من فكرة، من دون أن ينتبهوا إلى أنهم ضحايا. كل شخوص الرواية ضحايا. ورغم الجهد العظيم الذي بذله المؤلّف ليلفت انتباههم إلى حقيقتهم المرة، نجدهم قد منحوه الأذن الصماء وراحوا يؤدّون دور الضحية باقتدار من دون انتباه، لكن يبقى عزاء المؤلف بالقارئ، الذي تلمّس هذه الحقيقة منذ الصفحات الأولى للرواية وأصرّ على متابعة أحداثها بمتعة خاصة منحتها سلاسة اللغة وعمقها والطبيعة السردية التي لا ينقصها الحسّ الشعري… فالأب «عواد» الذي يرتبط به أغلب شخوص الرواية، ظهر ليجسد دور المجتمع الظالم، المجتمع المعاق الذي لا يرى سوى الظاهر، ولا يمتلك القدرة على التحليل، وبالتالي لا يمتلك الحلول. مجتمع قاسٍ يلعب بإتقان وإخلاص دور الجلاد على الدوام… فصراع الأب مع الابن، وصراع الأم مع الابنة، صراعات مجتمعية ينتجها انعدام الأفق ورؤية المستقبل… الأم في هذه الرواية نجدها معرقلة لتحقيق طموح فتاة شابة استطاعت الوصول بجهدها إلى البرلمان، لكن الأم ما زالت تراها طفلة متمرّدة خلعت عن رأسها الحجاب… «الأدهى والأمرّ، أنها صارت تطلع على التلفزيون، وهذا يعني أن خلق الله يرونها وهي «مفرعة» عيب وحرام يا ابنتي… وهذا التلفزيون الذي خرّب العباد، يقول «إنَّها رئيسة للنسوان»، سامحك الله وهداك يا ابنتي وأصلح حالك».

«عادل» بطل الرواية، الشاب الذي فقد «رجولته» إثر انفجار إرهابي حدث أثناء حفلة عرس في صالة فندق وسط عمان، كان الانزواء والشعور بالنقص يهيمن على تفكيره وتفاصيله اليومية، بالإضافة إلى جنون والده الذي صار يُشعرهُ بفقدان رجولته كلّما نظر في وجهه… يصف «عادل» تلك اللحظة (لحظة الانفجار) من خلال مشهد رومانسي لا ينقصه الارتباك…«كان صدرها قريباً من وجهي، رائحة عطرها تغمرني، تلعثمتُ، اقتربتْ أكثر، التصقتُ بالحائط. وفجأة لم أدرِ ما حدث، صوت دوي هائل، انسحب الهواء كله من القاعة، تخيلتُ أن الأرض تنفتح تحت قَدَمَيَّ، والسماء تقع على رأسي، وغبتُ عن الوعي». لكن عودة الوعي له كان أقسى من تلك اللحظة التي تبعثر فيها الحاضرون أشلاء في ما تبقى من صالة من زوايا وجدران..

صوت العقل في هذه الرواية، يتمثل في شخصية العم «سيف» المثقف القارئ، المناضل الحالم بثمار ثورة أكلت ماكينتها أجمل الشبان، والذي كان ينصح الشبان بالقراءة، كما نصح «عصرية» ابنة أخيه وأخت بطل الرواية بأنّه «لا أحد يمكنه منحكِ جناحين، سوى الكتاب». لكنه في لحظة تأمل مريرة، يجد نفسه ضائعاً وقد اختلّت موازين المعادلة… «ما أن رأيتهم يعتلون السيارات والبواخر ويتوزعون في أرجاء الأرض، حتى أدركت، أن البنادق ستدفن هناك دون مقاتلين. (…) كل شيء أصبح يمشي بالمقلوب.

وكأننا لم نحمل بنادقنا ونضحي بأرواحنا، وكأن كل ما كان، مجرد كذبة، انتهى في رمشة عين… كنا أشبه بطفل يتيم، يتنافس الجميع على رعايته، وقبل أن يتعلم المشي، أوهموه أنه قادر على الطيران». تلك كانت لحظة الخيبة التي قادت العم «سيف» إلى أن يصبح تاجر سلاح ويدير صفقات مشبوهة لصالح أخيه «عواد» المنبوذ من قبل الجميع، حيث لا يحبه أحد أو يتعاطف معه. فكل أفعاله تنمّ عن شخصية حقيرة مذنبة على الدوام، حتى الراوي في لحظة صفاء صار يشمت به ومنحه صورة وسمات الغول… «عواد… الماضي هو الظل الذي يتبعك ليفترسك في أول لحظة ضعف تمرُّ بها».

وزوجته الثانية «منال» التي تزوجها بغية الحصول على ابن معافى يمكن منحه الأحفاد، ويكون بديلاً عن «عادل» المعطوب، تقف أمامه لتهينه بكل صراحة: «كنتُ كلّ ما تريدني أن أكونه، لكنك سحقتني مثل حشرة تحت نعلك، وسافرت. بعد أن عبأت بطني بقذارتك، لتنجب ولداً. لكنّني منال يا عواد. منال التي استطاعت أن تعيش مع غول مثلك».

لكن ثمة أمل في الرواية ينيره لنا المؤلف، حين يضع الطبيبة «سماح» في طريق «عادل» المعطوب، فتمنحه نظرة مغايرة لحياته وتأخذ بيده صوب انفتاحات مستقبلية بعيدة عن الانطواء ومرارة الخيبة والشعور بالعجز.

«الاشتراطات المجتمعية تفقده كلَّ معنى. فنحن شعوب تتفنن في اغتيال الحب، رغم أنها تدّعيه. (…) الخوف الذي يسبّبه الخذلان يا عادل، يجعلك هشّاً، جباناً، لكنه يورثك القسوة لتحمي بها نفسك». شحنات إنسانية كانت تبثها في روح عادل المنكسرة ليتجاوز محنته. لكنها هي أيضاً منكسرة، وماضيها مترع بالانكسارات: «ولدت وكبرتُ على أصوات أعقاب البنادق تدق رأس أبي. ولم أكن قد تجاوزت الثانية عشرة، عندما ذهبنا لاستلام جثة والدي، أمي وأنا».

لكنها تظهر الأكثر تماسكاً من بين شخوص الرواية، والأعمق دراية بالحياة التي تعيش. فمن تركيبتها الشخصية نتلمّس نجاح المؤلف في صياغة شخصية منحت الرواية الأمل وبعض التفاؤل الذي سيشهده المستقبل.

نصيحة الرواية: «لا تعشق امرأة، ولدتْ من بقايا الرصاص، وأكفان مَنْ دفنتهم. وإن تورطتَ؛ عليكَ أن تكون مستعداً لعبور جهنم».

صحيفة الأخبار اللبنانية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى