كتب

حكي من خراب الذاكرة في ‘وطن عيار 7.62 ملم’

يشير مفهوم الأدب الكابوسي إلى أحد المذاهب الأدبية التي يتميَّز بالسوداوية والقتامة المبالغ فيها، حيثُ تدور النصوص في هذا اللون من الأدب في أجواء يعمُّها الحزن ويشحنها التشاؤم ويغلي اليأس بين جنباتها، فعلى الرغم من أنَّ كل إنسان يحمل في صدره معاناته الخاصة به، إلا أنَّ الأدباء وحدهم من ينقلون تلك المعاناة بطرقهم الخاصة.

“سيدة ثلاثينية اعرفها واعرف زوجها تسكن عند اول الشارع الذي اسكن فيه.. طلبت أن أعطيها بعض المال لتشتري به كيلو غراما من الطحين لأولادها.. كانت عيناها تحملان دمعة بحجم العراق.. هي مستعدة، كما تقول، لأن تنام معي مقابل عشاء الأولاد. وفهمت إن لون باب بيتها أزرق مكتوب علية كلمة ..يا الله” ص53

وصدرت “وطن عيار 7.62 ملم” لصحبها القاص محمد الكاظم من دار الكتاب السومري للنشر والتوزيع الطبعة الرابعة 2020 وتقع في 159 صفحة وبواقع 7 قصص.

والكاتب مثقل بهاجس الكتابة وأفقها التجريبي، حتى وهو ينسج الحدث، فيُوكل عنه في التصريح ساردَ القصة. هذا العالم الواقعي يحتاجُ رصده وتحديد مفارقاته، إلى صياغات متجددة تولّد الدهشة وتثير القلق، ذلك على اعتبار أنها تجربة حتمية ذاتية ملأى بالكد والتعب والشقاء.

النصوص تم صياغتها ضمن سرد قصصي يتوسل إلى بناء حكاية، فلا شك أنها تساهم في إثارة الاسئلة القلقة، ولابد للقاص أن يكسر حواجز المألوف ليزج بقارئه في عوالم الغرابة و الإدهاش والاحتيال.

تجربة ممتعة تصبح فيها الكتابة لا تقتصر البحث عن المغامرة القصصية، بل إن الكتابة هي المغامرة نفسها، وهي حمل ثقيل ملقى على عاتق الكاتب تخالط هواجسَه حتى وهو يكتب القصة. كتابة ذاتية تنطلق من الداخل.

“كنت جالسا في المقهى مع مدرس التاريخ نضحك على خبر انتخاب جرادة الأثول كمسؤول في المجلس البلدي للمدينة.. كان زوج المرأة صاحبة الباب الأزرق يجلس في المقهى وينفث دخان أرجيلته وقد ارتدى قميصا جديدا مكويا بعناية ويتحدث بلهجة مفخمة ذات جرس خاص قائلا: هذه الحكومة عاجزة، فالأمن غير مستتب، والفساد يسيطر على أغلب مؤسسات الدولة، في الزمن السابق كان الأمن مستقرا، لو بقينا نعيش في الزمن السابق لكان أفضل!” ص59

حكايات سردها كاتبها بلغة منتقاة بعناية كي تؤدي دورها الفني الذي من مميزاته ابتكار الجمال عبر تصوير لوحات شعرية متخيلة، كسب هذا النفسُ الشعري القاصَ يقظة ووعيا، على اعتبار أنه يدرك كيف يؤلف بين المعنى الظاهر والمعنى المضمر كما يؤلف بين الواقعي والخيالي. وأنه يؤثث فضاء التخييل الشعري، ملتمسا من قارئه بلوغ المعنى باسهل الطرق.

الكاتب يتبنى الواقع وينقله كما يبدو للقارئ وفق وعي شخصياته، وفق منظورها لمواجهة مصيرة، وهذا لا يتم إلا بتسلق أبراج الخيال وخوض مغامرة التجريب.

اعتمدت بنية الحكي صفة “التهكم” في متونها السردية حيث تعدّ نوعاً هاماً في تجسيد “ثيمة الكراهية” بكل حيثياتها ، إذ أنها ترصد كل شاردة وواردة، تدخل في سرديات حياتنا المكتظة بالهوس دون استئذان، تبصر في خبايانا المستترة في زمن التسعينيات ، تداعيات مجتمعية، حوّلها كاتبها إلى منطقة جذب للقارئ، كونها مشغلا وورشة للكشف عن الوجع العراقي وتشظيات الذات، عالم مملوءة بالمفارقات والتناقضات الحياتية.

الكاتب رصد هذا الوجع من خلال إظهار التركيبة الشخصية للفرد العراقي، خصوصاً المرأة، من خلال التركيز والاهتمام بالدراما الداخلية التي تعتمرها حياتها ايام الحصار إبان التسعينيات ، وتنامي إيقاع الوجع العراقي والتعبير عن الوجود الشخصي الممزق والذي لم يعرف الاستقرار أو الاسترخاء، سردية الخوف والهلع والسخرية تلك مهيمنات الحكي بثها كاتبها في متون “هستيريا الواقع.”

نحن أمام قصص استطاعت تلمس جوانب كثيرة من اليوميات ، الكاتب سلط الضوء على حاجة الفهم الأعمق لمتغيرات جوهر التحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في بلادنا، بعد الهزة العميقة التي أحدثها الحصار الاقتصادي، الذي أضيف إلى هزات أخرى على مدى عقود مضت “الحروب”، فاقت آثارها القدرات الذاتية، كان لها دورا في إدامة توترنا، وتقليص استقرارنا النفسي إلى حدوده الدنيا.

في ظل هذه الدوامة من الاحداث السردية، تنقلنا إلى مأساة الجوع/الممارسات الوحشي) والتي يعاني منها العراقيين بمختلف طوائفهم .وبعد هذه الخيبات المتلاحقة، وسوء أوضاعهم وظروفهم العائلية المتردية، وخاصة ما تعرضت له “المرأة” الى شتى أنواع الاستلاب كونها عمود الخيمة للعائلة.

قصة “البحر كويس. يا ريس لكن شمخي انتحر”

“ابن المعلمة”كما يطلق عليه الجميع، أمه المعلمة التي مات زوجها بأحد الحروب، وبين لعبته التي تطلق عليها المعلمة “توتو، ثم نونو، ثم نانو” وهو يطلق عليها “شمخي” “لعبة صغيرة من البلاستيك اللامع تضع على كتفها منشفة ملونة وتنتعل شحاطة كأنها تستعد لدخول الحمام.. لكن رغبتي في أن أتخلص من لقب ابن المعلمة الذي التصق بي اطلقت على لعبتي اسم شمخي.. استعرته من اسم جد زميل في المدرسة الذين يسجلون أسماءهم في المدرسة في بداية العام الدراسي، ثم لا يواصلون الدراسة بعد أن تأكل حرب ما آباءهم ولا يجدون من يجبرهم على الاستمرار فيها فيجدون أنفسهم فجأة عتالين في السوق أو مساعدين في ورش البناء أو باعية أكياس نايلون في علوة الخضار” ص16

اذن هذه القصص هي يوميات ساخنة تركت أثرها على ارض الواقع، لتنتهي بدراما حزينة، كتبها كاتب باسلوب التشويق رغم قساوة المشاهد، القارئ سيجد لذّة غير متوقعة، وهو يسجل بصمته في رائحة تلك النصوص والتي أخذت حيزها النفسي فلا تشعر بالسأم أو الملل، شكلت حافزاً كبيراً في استداعها كل ما مر الوطن والانسان معا في محن جديدة.

 

 

ميدل إيست أون لاين

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى