القضايا السورية الأكثر تأثيرا في الأمن الإسرائيلي (سعيد عكاشة)

سعيد عكاشة*

"إن اليوم الذي سيفقد فيه الأسد كرسيه في سوريا قد يكون الأخطر على إسرائيل، فيمكن للرئيس أن يأمر بمهاجمة مدننا، مثلما فعل في لحظة يأس وقام بإطلاق صواريخ "سكود" على مناطق سورية يسيطر عليها الجيش الحر". هذه العبارات نشرتها صحيفة معاريف الإسرائيلية يوم 28 ديسمبر 2012 عن التطورات المحتملة للأوضاع في الشرق الأوسط لتشير إلى الانعكاسات المحتملة للأزمة في سوريا على إسرائيل.
وربما يكون جزء من هذا التقدير صحيحًا، وهو المتعلق بخطورة زوال حكم الأسد وتأثير ذلك على الأمن المباشر لإسرائيل وفقا لسيناريوهات عدة، ولكن ليس من بينها سيناريو الضربة الصاروخية التي يمكن أن يوجهها الأسد لإسرائيل قبل سقوطه عن السلطة، حيث لا يتوقع أن يفكر الأسد في هذه الخطوة تحت أي ظرف من الظروف، حتى لا يعطي الغرب وإسرائيل الفرصة لتكوين تحالف سيحظى حتمًا بشرعية دولية في هذه الحالة، من أجل منع نشوب حرب إقليمية واسعة النطاق، فضلا عن أن الأسد الذي يعتمد في بقائه في الحكم على حلفائه الثلاثة ( روسيا ، إيران ، الصين) ، أو على تأمين دويلته العلوية إذا ما قرر إقامتها، أو على تأمين منفى آمن له ولعائلته وكبار أتباعه إذا ما اختار الخروج الآمن؛ فإنه سيكون في احتياج لعدم إحراج حلفائه الثلاثة الذين يرفضون حتى الآن تدويل القضية السورية، وهم إيران وروسيا والصين.
وبطبيعة الحال فمن شأن ضربة صاروخية سورية ضد إسرائيل أن تطيح بدعم الدول الثلاثة لنظام بشار الأسد، وتتركه في مواجهة نقل الملف إلى مجلس الأمن تمهيدًا لتمرير قرار دولي بالتدخل العسكري في سوريا، على غرار ما حدث في الحالة الليبية والتي انتهت بزوال نظام معمر القذافي.

الملفات السورية الشائكة
 
إن ما يشغل إسرائيل إذن ليس الضربة الصاروخية السورية التي تبدو ضئيلة الاحتمال إلى حد كبير، بل يشغلها في الواقع ثلاثة ملفات أو قضايا تشكل تطوراتها منفردة أو مجتمعة خطوطًا حمراء يشكل اجتيازها تحولا خطيرًا قد يقود إلى تدخل إسرائيلي علني في الملف السوري بكافة تفاصيله. والملفات الثلاثة هي مصير الأسلحة الكيماوية والبيولوجية التي بحوزة النظام السوري، وضمان بقاء خطوط الهدنة على حالها في هضبة الجولان، والتدفقات المحتملة للاجئين السوريين في المنطقة، ومنها في اتجاه إسرائيل ويمكن تفصيل كيفية تفكير إسرائيل في هذه الملفات كما يلي:

أولا: مصير الأسلحة غير التقليدية:
تتعامل إسرائيل مع مصير الأسلحة السورية غير التقليدية عبر احتمالين، أولهما أن يسقط النظام بشكل مفاجئ بعد فرار الأسد من البلاد بدون ترتيبات محددة، وهو ما يعني سقوط الأسلحة غير التقليدية في أيدي الجماعات التي تقاتل النظام، وبعضها يتبع تنظيم القاعدة مثل "جبهة النصرة" التي وضعتها الولايات المتحدة في قائمة الإرهاب مؤخرًا.
أما الاحتمال الثاني، فهو أن يقوم نظام الأسد بتسليم جزء من أسلحته الكيماوية والبيولوجية لحزب الله ، حتى حال توصله إلى اتفاق مع المعارضة السورية والقوى الدولية الكبرى يقضي بتأمين خروجه إلى منفى يختاره، مع ضمان عدم محاكمته على جرائمه طيلة العامين الماضيين.
وللتعامل مع هذين الاحتمالين، قامت إسرائيل بإجراءات ذاتية تمثلت في نشر وحدات إسرائيلية خاصة داخل الأراضي السورية، وفقًا لتقرير نشرته صحيفة الصنداي البريطانية في التاسع من ديسمبر 2012، وأشارت فيه إلى تواجد قوات خاصة إسرائيلية داخل بعض المناطق السورية تتولى مراقبة المواقع التي بها مخازن لأسلحة كيميائية وبيولوجية، كما اعتمدت إسرائيل سياسات تعاون مكثف مع عدة دول غربية وعربية وإقليمية لتلافي المخاطر الناجمة عن الاحتمالين معًا.
فقد كشف تقرير نشرته صحيفة "يديعوت أحرونوت" في 14 ديسمبر 2012 عن زيارة سرية قام بها "مئير كوخافي" رئيس المخابرات العسكرية الإسرائيلية لعدة دول أوروبية، حيث بحث مع نظرائه هناك سبل تأمين هذه الأسلحة ومنع وقوعها في أيدي منظمات إرهابية مثل حزب الله. كما كشفت صحيفة يديعوت أحرنوت عن زيارة سرية قام بها رئيس الوزراء "بنيامين نتانياهو" إلى الأردن التي يعتقد أن لدى مخابراتها معرفة دقيقة بمواقع تخزين الأسلحة غير التقليدية في سوريا، كما سعت تل أبيب للتأكد من جدية الولايات المتحدة في عملية مراقبة وتأمين مخازن هذه الأسلحة، وهو ما أشار إليه موشيه يعلون نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي في ديسمبر 2012، وتأكيده على وجود وحدات أمريكية خاصة في الأردن تتولى هذه المهمة.
وفي كل الأحوال، يبدو عبء مواجهة هذه المخاطر الأقل تكلفة على إسرائيل بسبب استعداد عدد من الدول الأوروبية والولايات المتحدة وبعض القوى الإقليمية مثل تركيا للنهوض بهذه المهمة من أجل حماية مصالحها وأمنها المباشر.

ثانيًا: حماية خط الهدنة مع سوريا:
منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وسوريا في مايو عام 1974، حافظ البلدان على الهدوء بينهما، عبر خطوط الحدود القائمة والتي لم تشهد انتهاكات جسيمة من أيٍّ منهما، واعتبرت إسرائيل هذا الوضع مكسبًا يجب الحفاظ عليه، حتى اندلعت الأزمة السورية في مارس 2011، وبدا أن هذا المكسب بات مهددًا بعد أن انتشرت أعمال المقاومة ضد النظام، وخاصة في وجود تيارات جهادية قد لا تتورع عن توجيه ضربات لإسرائيل من أجل جذب مزيد من الأنصار الراغبين في إسقاط النظام السوري.
غير أن التوترات على خط وقف إطلاق النار لم تأتِ لهذه الأسباب أو من جهة الجماعات المقاتلة ضد الأسد، بل بسبب وصول مناطق عمليات الجيش السوري ضد مقاتلي المعارضة إلى قرب الحدود في هضبة الجولان، الأمر الذي أدى إلى وصول عدة قذائف من داخل سوريا للأراضي الإسرائيلية ولمناطق في الجولان المحتل. وكشف تقرير صادر عن بعثة المراقبة التابعة لقوات حفظ السلام الدولية في العام 2012 عن وقوع أربعة حوادث تبادل نيران بين سوريا وإسرائيل في نوفمبر 2012.
وتدرك إسرائيل أن التعامل مع هذا الخطر يبدو صعبًا بعد أن بات عليها مواجهة جيشين سوريين يتواجهان في الداخل السوري، ولكن كلا منهما يمكن أن يشكل خطرًا على أمن الحدود السورية-الإسرائيلية في حال اقترابهما منها، حيث يتعامل كل منهما مع إمكانية توجيه ضربات لإسرائيل على أنه عمل قومي من شأنه تحسين صورته داخليًّا وعربيًّا.
ولا يبدو أن قوات الأمم المتحدة التي تراقب خط وقف إطلاق النار منذ عام 1974، والتي تم تجديد مهمتها في 19 ديسمبر 2012 قادرة على أداء مهمتها بعد تدهور الأوضاع الأمنية هناك إلى الحد جعل اليابان التي تشارك بعدد من جنودها في البعثة الأممية منذ عام 1996 تطلب سحبهم مؤخرًا. بمعنى آخر قد تؤدي عمليات عسكرية من جانب قوات الجيش السوري أو قوات المعارضة في منطقة الحدود مع إسرائيل إلى اضطرار الأخيرة للتدخل في المعارك من أجل حماية حدودها، دون فرصة للدفاع عن نفسها، واستدعاء شهادة القوات الأممية لإثبات أن تدخلها في الأزمة السورية جاء اضطرارًا من أجل حماية حدودها وفقط، ودون أيضًا القدرة على التنبؤ الدقيق بالتطورات التي قد تقود إليها هذه التدخلات وردود الفعل الإقليمية والدولية عليها، وخاصة في ظل تخوف إسرائيل من مزيد من العزلة الدولية بسبب سياستها تجاه الشعب الفلسطيني والدول العربية المجاورة لها.

ثالثًا: مشكلة تدفق اللاجئين السوريين:
تمثل عملية فرار مئات الآلاف من السوريين للدول المجاورة، وخاصة الذين يهربون إلى لبنان والأردن مشكلة كبرى بالنسبة لإسرائيل، فمن بين هؤلاء عشرات الألوف من الفلسطينيين الذين كانوا يقيمون في سوريا ، وربما تكون لدى بعضهم ارتباطات بحركات فلسطينية جهادية، بما يعني إمكانية استغلالهم في عمليات ضد إسرائيل من داخل الأردن ولبنان، وهو ما يشكل عبئًا أمنيًّا جديدًا على إسرائيل.
يضاف إلى ذلك ، عدم قدرة تل أبيب على تقدير النتائج التي سيسفر عنها تزايد الثقل الديموغرافي للفلسطينيين بالأردن في حالة انتقال ما يقدر بنصف مليون لاجئ فلسطيني من سوريا إلى الأردن، فقد تكون النتائج إيجابية، مثلما كان الليكود يؤكد دومًا أن توجه الفلسطينيين للأردن سيؤدي إلى تحولهم لأغلبية كاسحة تدعم فكرة أن الأردن هي وطن الفلسطينيين، وتنهي مشكلة اللاجئين الفلسطينيين القائمة منذ عام 1948، ولكن قد تكون النتائج على العكس كارثية، وتقود إلى خلق جبهة قتال واسعة مع الفصائل الفلسطينية التي سترى في الأردن حينها عمقًا استراتيجيًّا لها يمكّنها من توسيع جبهة القتال مع إسرائيل في ظل تزايد ضعف النظام الأردني.
ويبدو من الصعب التنبؤ بالموقف الدولي والإقليمي تجاه هذه التطورات المحتملة، ومدى تأثيرها على الاستقرار في المنطقة. أضف إلى ذلك أن إسرائيل كانت قد استعدت منذ منتصف العام 2012 لاحتمال أن يتوجه جزء من اللاجئين السوريين صوب هضبة الجولان المحتلة هربًا من الحرب الدائرة هناك خاصة من جانب من لهم أقارب يعيشون في الهضبة منذ احتلالها عام 1967 مثل أبناء الطائفة الدرزية، إذ سيكون من الصعب على إسرائيل لأسباب إنسانية وأخرى سياسية رفض استقبال هؤلاء، وكانت إسرائيل قد شرعت في بناء جدار حدودي على طول خط وقف إطلاق النار مع سوريا وبطول 90 كيلومترا في شهر ديسمبر 2012، كإجراء وقائي للتحكم في تدفق محتمل للاجئين السوريين إلى الجولان.

لم تعد أولويات إسرائيل الآن على الأقل البحث في سيناريوهات الأزمة السورية، ولم يعد السؤال هل يبقى الأسد أو يرحل الأكثر إلحاحًا بالنسبة للنخبتين الحاكمة والبحثية هناك، بل أصبحت القضايا الثلاث السالفة الذكر هي الأكثر ضغطًا على العقل الإسرائيلي في ظل اتفاق النخبتين على أن الأزمة السورية غير مرشحة للانفراج قريبًا، وأن حالة الكر والفر بين قوات النظام وقوات المعارضة ستستمر لأمد أطول.ومن ثم، ستركز إسرائيل في الأشهر القادمة على معالجة القضايا الثلاث المطروحة حتى إشعار آخر، ولن تغير في سياستها حيال هذه الملفات، إلا إذا حدثت تطورات تعتبرها تل أبيب تجاوزًا للخطوط الحمراء كأن يتم تحريك السلاح الكيميائي السوري إلى خارج سوريا، أو تتزايد أعداد اللاجئين المتوجهين للجولان، أو يتم انتهاك خطوط وقف إطلاق النار من جانب قوات الأسد أو قوات المعارضة السورية.

*باحث مشارك في مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام

دورية السياسة الدولية (تصدر عن مؤسسة الأهرام المصرية)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى