نوافذ

شخصيات

1 ـ شخصيات… القاضي: رجل مدَرع ضد الفساد. مدجج بعلوم القانون. مترفع عن صغائر الأحداث، والأشخاص، والمواقف. لا يمكن اختراقه من أجل الإفراج عن مرتكب، ومن السهل أن يخلي سبيل مَن كان، قبل قرار هذا القاضي، يائساً من العدل.

اشتغل قبل أن يصبح قاضياً لمدة عشرين سنة في ورش دهان. وقد عدد لي الأبنية الفخمة والمؤسسات الضخمة والفنادق التي ساهم في دهنها. وها هو الآن، بعد عشرين سنة من العمل في القضاء، لا يملك سوى بيت أقل من 60 متراً مربعاً في مدينة يتباهى فيها القضاة والمحامون بأن قوس المحكمة في بيوتهم ومكاتبهم. ولا يملك أحد هؤلاء بيتاً بل… بنايات، ولا مكتباً… بل مكاتب. ويعيش أحدهم على شراء موقع وظيفي يحتاج إلى الجريمة والعفو عن الجريمة، لكي يتم التقاضي بالتراضي، وليس المقاضاة بالتنازع.

هذا القاضي، وأنا متأكد من فرصة أتته تلو الفرصة ليدير عنق القضايا باتجاه الرشوة. ولكنه لا يفعل أبداً.

هذا القاضي يقرأ دائماً، ليس في كتب القانون وملفات القضاء وارتكابات القدر… بل في الفلسفة والتاريخ والأدب، وأنا ككاتب وشاعر مكافأته الأولى إعجاب القارىء، أفهم ما كتبتُ بصورة أعمق من خلال قراءته هو لكتبي، وتفسيره وشرحه لنصوص كدت أنساها.

هذا القاضي لديه في القرية بضعة شجيرات من التين والعنب ولديه أجمل الظلال في النهار القائظ وأجمل الليالي في ضوء القمر.

مع القاضي سامي… تستطيع أن تفكر بسهولة تنظيف القضاء وسهولة اختيار العادلين من القضاة وشعاره: الإفراج عن مائة مجرم ولا تجريم بريء واحد.

مع سامي تستمع إلى أغرب قصص هذه الوزارة (العدل) التي تعتبر هي والدفاع والتربية، ثلاثي حماية الحياة، وصورة لشكل المستقبل. وإذا وصل الفساد إلى هذا الثلاثي مات الأمن الوطني بالمعنى الحرفي لكلمة “مات”.

2 ـ الأم: سهام التي قضت حياتها تنجب أطفالاً، وتورق أشجاراً. تضحك من وراء بقايا أسنان نخرتها الأيام.

فأنا الوحيد في هذا العالم ما يزال يذكر اسمها الأول مذ كانت طفلة… سهام.

لسهام ثمانية شبان في الجيش، وقد أصيب عدد منهم بجراح. ولكن سهام تكتفي شكراً بأن أحداً منهم لم يمت. وتكتفي بإجازاتهم القصيرة لتشبع الأم من حضن الابن.

لا يوجد شجرة في ذلك الوادي حيث بيتها وأرضها وأولادها خارج الخدمة، وأحفادها… لا يوجد شجرة لم تذرف عليها الماء، وتسقي عناقيدها الرحيق، والزهور تنحني لها.

كلما جئت إلى القرية ألتقي بها فأتمنى أن يستثنيها الموت من فجيعة بأحد… وأن تبقى، بين أشجارنا، شجرة الحور الباسقة.

3 ـ الدكتور: يكاد كل من تذكر أمامه اسم الدكتور أسامة محرز. يهب واقفاً احتراماً لهذا الطبيب الذي يداوي فقراء هذه القرى بدون أجر. والذي تتساوى بشاشته الآسرة، مع جديته الماهرة، وهو يفك ويركب العظام التي انكسرت في حادث سير، أو تلك التي تهتكت بقنبلة، وحين يبتر ساقاً، يزرع في روح المتألم فكرة لا ينساها… وهو يعرج في طريق عودته نحو الأيام.

أسامة دائماً يذكرني بوالده الراحل صديقي الأستاذ نديم. ذلك المعلم والمربي والكريم والنزيه والشريف والمعين. يذكرني بأيامنا القديمة الراحلة…

4 ـ النار: التهمت معظم الغابات في الجبال الساحلية. منها ما هو متعمد، ومنها ما هو بفعل حرارة هذه الأيام اللاهبة.

أتذكر رجلاً له ثأر مع ثعلب هاجم دجاجاته، متوعداً بإحراقه إن أمسك به.

وهكذا وقع الثعلب في الفخ، وبلله صاحب الدجاج بالكيروسين وأشعله… مضى الثعلب مولولاً في الغابة التي أصبحت، بعد بضعة أيام رماداً وأشلاء سوداء… يغطيها الدخان.

بوابة الشرق الأوسط الجديدة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى