تحليلات سياسية

عبّاس لم يُؤجّل الانتخابات الفلسطينيّة بل ألغاها..

 

كان الرئيس محمود عبّاس يقول في ذروة حماسه للذّهاب إلى الانتخابات الثلاثيّة التشريعيّة والرئاسيّة والمجلس الوطني إنّه يُريد من خِلالها تحديث عصب العمليّة السياسيّة الفِلسطينيّة وشرعيّتها، وتجديد دِماء مُؤسّساتها الوطنيّة، واليوم يقوم بإلغاء هذه الانتِخابات تحت ذريعة عدم مُوافقة دولة الاحتِلال على إشراك القدس وأهلها نَسَفَ ما تبقّى من هذه العمليّة من جُذورها، وأضعف سُلطته في رام الله أكثر، ووضع الشّعب الفِلسطيني أمام حالة من الانقِسامات والضّياع تَستَعصِي على العِلاج في المُستقبل المنظور.

عندما يُشَدِّد الرئيس عبّاس في خِطابه الذي ألقاه في ساعةٍ مُتأخّرة من مساء الخميس، وقبل يوم واحد، أو بالأحرى ساعات، من بدء الحمَلات الانتخابيّة رسميًّا، بالقول “قرّرنا تأجيل موعد الانتِخابات لحين ضمان مُشاركة القدس وأهلها”، فإنّ هذا يعني أنّها لن تُجرَى مُطلقًا طالما هو على قيد الحياة ويَجلِس على قمّة السّلطة والمنظّمة بالتّالي، لسببٍ بسيط لأنّ سُلطات الاحتِلال التي أخرجت القدس المحتلّة من المُعادلة الفِلسطينيّة، وأكملت ضمّها وتهويدها، لن تتراجع عن قرارها هذا، وربّما قدّمت بذلك طوق النّجاة للرئيس عبّاس وسُلطته، ومجموعة رام الله المُستَفيدة من وجوده، وهذا إن لم تَكُن جاءت خطوتها هذه بالتّنسيق معه.

كُنّا في هذه الصّحيفة من المُشَكِّكين بكُل خطوات الرئيس عبّاس وسُلطته وسِياساته، ليس لأنّنا نقرأ الطّالع، وإنّما لأنّنا نستند إلى تاريخٍ حافِلٍ من مُراوغاته وتراجعاته وعدم تنفيذ تهديداته ووعوده، ألم يَقُل إنّ المُنسّق الإداري الإسرائيلي في الضفّة الغربيّة هو الحاكِم الفِعلي، وإنّ مُجنّدة صغيرة تتحكّم بتحرّكاته، وسيُعيد مفاتيح السّلطة إلى نِتنياهو؟

ألم يَقُل إنّه سيُطبّق قرارات المجلسين الوطني والمركزي بوقف التّنسيق الأمني، وسحب الاعتِراف بدولة الاحتِلال، وإلغاء اتّفاقات أوسلو؟ ألم يَقُل إنّه سيُشَكِّل قيادةً فلسطينيّةً مُوحّدةً لقِيادة المُقاومة الشعبيّة من جميع الفصائل، أين جميع هذه الوعود؟ وسمّوا لنا قرارًا واحِدًا جرى تنفيذه؟

حركة “حماس” التي “صدّقت” الرئيس عبّاس وكُل وعوده الآنِفَة الذّكر، تتصرّف وكأنّها فُوجِئَت بهذا التّأجيل، وتنسى أو تتناسى، وفصائل أُخرى، أنّها بايعته، ودخلت معه في شراكةٍ سياسيّةٍ عُنوانها الأبرز إجراء هذه الانتِخابات، ألا يُشَكِّل هذا التّصرّف أبشع أنواع القراءات السياسيّة الخاطئة، وسُوء التّقدير، سواءً بحُسنِ نيّة أو سُوئِها؟

الرئيس عبّاس خرج علينا بأُكذوبة الانتِخابات هذه لكسب الوقت، وإشغال الشّعب الفِلسطيني في الوطن والمنافي بها، لأنّه رجلٌ مارس النّهج نفسه طِوال سنوات رئاسته، ويُريد استِمرار حالة الجُمود الحاليّة أطول فترة مُمكنة لإيمانه “بخِيار الصّفر”، أيّ عدم التّقدّم أو التّراجع وإبقاء الوضع الرّاهن على حاله.

ربّما يُؤمِن البعض بالنظريّة السّائدة حاليًّا التي تقول إنّ تشرذم حركة “فتح” وانقِسامها إلى ثلاث كُتل، وتأكيد جميع استِطلاعات الرأي، حقيقيّةً كانت أو مُزوّرة، على هزيمته، أيّ الرئيس عبّاس، وتيّاره المُؤكّدة، هي الدّافع وراء هذا التّأجيل، ولكنّنا نختلف مع هذه النظريّة، ونتبنّى فرضيّة عدم وجود نوايا حقيقيّة للذّهاب إلى صناديق الاقتِراع من الأساس، ويصدمنا أكثر أن يكتشف بعض المُقرّبين جدًّا من عبّاس أنّ هُناك احتِلالًا إسرائيليًّا، وأنّه لا يجوز إجراء انتِخابات تحت خيمته، إنّه الخِداع والكذب والتّضليل في أبشع صُوره.

معلوماتنا المُؤكّدة أنّ الدكتور حنا ناصر رئيس لجنة الانتِخابات وفريقه، وهو رجل وطني شريف ومُحترم، قدّم العديد من الحُلول الإلكترونيّة للرئيس عبّاس لحل مسألة مُشاركة أهل القدس، ولكنّه رفضها جميعًا، ليس لعدم وجاهتها وإنّما لأنّه لا يُريد الانتِخابات من الأساس، ونَستَغرِب عدم استِقالته، أيّ الدكتور حنا، وبقائه في منصبه في رئاسة اللّجنة حتّى كِتابة هذه السّطور.

إنّنا الآن أمام خطوة جديدة يُحَضِّر لها الرئيس عبّاس، تتمثّل في تشكيل حُكومة وحدة وطنيّة تُشارك فيها جميع الفصائل، وهُناك أسماء عديدة يتم تداولها لرئاسته، من بينها الدكتور سلام فياض، ولا نَستبعِد أن تتشكّل هذه الحُكومة “الخدعة” في الأيّام القليلة المُقبلة، وتكون موقع تنافس بين الذين يسعون خلف المناصب والامتِيازات، وما أكثرهم.

الإسرائيليّون يُهوّدون الضفّة والقدس، ويُحوّلون الشّعب الفِلسطيني إلى خدمٍ لها، سيرًا على نهج النّظام العُنصري في جنوب إفريقيا وروديسيا ليس بسبب ذكائهم، وإنّما لوجود قِيادات فِلسطينيّة “روّضت” الشّعب الفِلسطيني، ودجّنته وباعته الوهم، وكسَرت شوكته، ومرمَغَت كرامته في التّراب، وتحوّلت إلى إدارةٍ أمنيّةٍ لحِماية الاحتِلال ومُستوطنيه في سابقةٍ هي الأُولى في تاريخ الثّورات، والشّعوب التي تعرّضت للاحتِلال.

 

 

 

صحيفة راي اليوم الالكترونية


developed by Nour Habib & Mahran Omairy