فيروس ترامب.. من حفر حفرةً لأخيه وقع فيها

 

لقد قيل الكثير عن الحرب التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب على الصين منذ استلامه السلطة في بداية العام 2017، كما قيل الكثير، وما زال، عن حربه على إيران، تارة مع “إسرائيل”، وتارة أخرى مع السعودية، وعموماً مع الطرفين، من دون أن يخفي عداءه لجارات بلاده، أي كوبا وفنزويلا، بل والبرازيل والأرجنتين أيضاً، والتي أسقط حكوماتها اليسارية.

جاء فيروس كورونا ليساعد ترامب ومن معه في حربه النفسية على أعدائه جميعاً، ظناً منه أن النصر عليهم بات قريباً، وكأن الله تعالى أرسل له كورونا ليساعده في حربه المقدسة ضد أعداء الله، وفق عقيدته المسيحية- اليهودية المشتركة، التي تؤمن بمجيء المسيح المنتظر بعد المعركة الكبرى بين قوى الخير والشر في منطقة هارماجادون في فلسطين المقدسة .

وشنّ ترامب حملة إعلامية وسياسية مدعومة بأبواق الشر ضد الصين “الشيوعية”، وتوقّع لها الكثيرون أن تنهار مع تفشّي المرض فيها بسرعة، وفق التضخيم الإعلامي الغربي الّذي جرّبناه في الحرب على سوريا وفشل. وجاءت أخبار الفيروس من إيران لتزيد فرحة ترامب ونشوة الانتصار المسبق على العدو اللدود للمسيح المنتظر وفق رؤيته!

ولم يتأخَّر حلفاء ترامب في المنطقة العربية في دعم حملته ضد إيران، وكأن “نظامها الشيعي” هو الذي صنع الفيروس في مختبراته النووية التي لطالما سعى ترامب، ومن قبله الآخرون، إلى إغلاقها.

واعتقد ترامب أن نقاط الضعف الصينية والإيرانية ستساعده في الحرب على عدوه الأكبر الرئيس بوتين. ولولاه، لكان سهلاً عليه التخلص من الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو والرئيس السوري بشار الأسد، كما اعتقد أن الظروف النفسية والإعلامية باتت مؤاتية له لإنزال الضربة القاضية بإيران، ناسياً حضارتها التي سبقت ميلاد أميركا بحوالى 10 آلاف سنة. وكذلك هو الحال بالنسبة إلى الصين وروسيا، التي اعتقد ترامب بأنه، ومن معه في أوروبا والبلاد العربية، يستطيعون إجبارها على الركوع من خلال العقوبات بعد أزمة أوكرانيا، والآن عبر ضخ الملايين من براميل النفط!

وانقلب السحر على الساحر! فتصدت الصين لفيروس كورونا وصديقه فيروس ترامب، الّذي أخطأ الهدف ليضرب أهل بيته وبيوت أصدقائه في أوروبا. إن العالم الآن لم يعد يتحدث عن الصين وإيران وروسيا وفنزويلا وكوبا، التي أفشلت حتى الآن جميع مشاريع الأعداء ومخطّطاتهم، بل يتحدث عن الفيروس القاتل الذي رجّح التحليق في “أجواء الغرب الباردة”، وكأنه يريد أن يقول لترامب: “من حفر حفرة لأخيه وقع فيها”.

ها هو فيروس كورونا قد رمى بظلاله على البيت الأبيض، باعتراف الرئيس ترامب، الذي يقول: “نتوقع أن تصل نسبة الوفيات بالوباء إلى ذروتها خلال أسبوعين. هذان الأسبوعان لهما أهمية كبيرة جداً، ونأمل أن ندخل مرحلة التحسن بحلول الأول من حزيران/يونيو”، وهو ما يستبعده الكثير من العلماء، في ظل الظروف والمعطيات الحالية، إذا لم يحالفهم الحظ في اكتشاف المضادات السريعة للفيروس .

لقد كان “الخوف من الموت” كافياً بالنسبة إلى ترامب ليمدّ من جديد “يد المغفرة والتسامح” لأعداء الأمس، وكأنه يقول “وا معتصماه”، فاستنفرت الصين (1,4 مليار نسمة و13,5 تريليون دولار ناتج إجمالي) كل إمكانياتها لمساعدة “الأصدقاء الخجولين”، وخصوصاً إيطاليا (62 مليوناً و2,1 تريليون دولار ناتج إجمالي)، التي خذلها الاتحاد الأوروبي، وإسبانيا (48 مليوناً و1,4 تريليون دولار ناتج إجمالي)، وفرنسا (68 مليوناً و2,8 تريليون دولار ناتج إجمالي)، وألمانيا (85 مليوناً و4 تريليون دولار ناتج إجمالي)، وتركيا (85 مليوناً و850 مليار دولار ناتج إجمالي).

ولكن الاعتراف بالفشل يمنع مملكة بوريس جونسون المصاب (58 مليوناً و2,8 تريليون دولار ناتج إجمالي) من الاستنجاد بالصين “الشيوعية”، وكأنه لا يريد أن يتذكَّر مقولة العرب “اطلبوا العلم ولو بالصين”، وهو أدرى بها بعد أن استعمرهم لسنوات طويلة .

وفي جميع الحالات، يبدو أن الرئيس ترامب “ذا الإيمان التام” لم يطّلع على كلام البروفسور التركي الدكتور محمد جايهان، الذي اعتبر فيروس “كورونا ظاهرة طبيعية، هدفها الحد من تزايد عدد السكان في العالم”.

 

وقال جايهان، وهو عضو الهيئة العلمية العليا التي أمر الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بتشكيلها لتكون مسؤولة عن أزمة كورونا: “إنّ عدد السكان في العالم يزداد باستمرار. وإذا استمر على هذه الوتيرة، فالإنسان لن يجد الخبز ليأكله، والله تعالى هو الذي ينظم العلاقة بين الطرفين ويحقق التوازن، فالإنسان يعيش لفترات محددة ويموت. وقد خلق الله الفيروسات، وهي كائنات حية مهمتها فقط إصابة الإنسان حتى يمرض ثم يموت، كي لا يزداد عدد السكان في العالم عن نسبة معينة، وإلا لن يستطع أحد البقاء على قيد الحياة”.

ولم يتذكَّر البروفيسور أنه، بهذا الكلام، يتناقض مع رئيسه إردوغان الذي يوصي النساء بأن ينجبن ما لا يقل عن 3 أولاد، وفي بعض الحالات 5 .

كما لم يكن أصدقاء ترامب من زعماء الغرب أيضاً على علم بأقوال البروفيسور جايهان، وإلا لما اعترضوا على فيروس كورونا، بل رحَّبوا به، وهو في جميع الحالات أقل خطراً من “فيروس ترامب” الذي أصاب العالم منذ 3 سنوات ونيف، وألحق أضراراً كبيرة بالجميع .

لقد أهان ترامب ملوك الخليج وأمراءهم ومشايخهم، واستهزأ بالساسة العراقيين، وهدد الرئيس إردوغان وتوعّده بعبارات فيها الكثير من الإهانة والإساءة الشخصية، من دون أن يخطر على بال أحد أن يرد عليه “باللسان الجميل” حتى في موضوع القدس؛ قضية المسلمين المصيرية!

وكأن الإسلام مجموعة من المقولات التي يرددها المؤمنون به، من دون الالتزام بالمعاني الجوهرية للعبادة التي وضعت البعض في العالم العربي والإسلامي، ومنهم إردوغان، أمام تناقضات صعبة وخطيرة، ومنها التأخّر في منع صلاة الجمعة، ومن بعده إغلاق المساجد، لمنع تفشي وباء كورونا، وهو الموضوع الذي أثار نقاشاً واسعاً في الدول الإسلامية، ومنها تركيا، التي عاشت، وما تزال، نقاشاً واسعاً في هذا الموضوع.

وقد حمَّلت المعارضة إردوغان مسؤولية تفشي المرض، بعد أن اتهمته بإخفاء الأرقام الحقيقة للمصابين، وقالت “إن السبب الرئيسي في تفشي المرض هو العائدون من العمرة، الذين لم يوضعوا في الحجر الصحي، لأن إردوغان لا يريد أن يقال عنه، من قبل أتباعه وأنصاره، إنه ضد الدين، كما حدث في موضوع إغلاق الجوامع، وعددها حوالى 90 ألفاً، مقابل 1700 مستشفى حكومي وخاص في عموم البلاد”.

ويبقى الرهان “على الشعور العاطفي” لفيروس كورونا الذي بات الجميع يعي تماماً أن لا خلاص منه إلا بالعمل الإنساني المشترك، وإلا فالكل في خطر، وترامب ومن معه في الغرب في خطر أكبر من الآخرين، لأنهم فقدوا إنسانيتهم منذ زمن طويل !

الميادين نت

 

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى