هشاشة الورد هشاشة العلاقات الإنسانية في الزمن الهش

 

يطلّ الكاتب الفلسطيني الشاب ثابت مناصرة علينا برواية تميُّزها العفوية والسلاسة من حيث موضوعها، على أهميته، أو بنائها أو لغتها أو شخصياتها رواية “هشاشة الورد” الصادرة مؤخرا عن “الآن ناشرون وموزعون” في عمّان، جاءت بحدود 125 صفحة من القطع الوسط، تتحدث عن شاب فلسطيني من مدينة الخليل، فنان يعمل في مجال تصميم الأزياء، يتعرف بطريق الصدفة على طبيبة أسنان وتنشأ بينهما قصة حب، لكنها تنتهي كما ينتهي عمر الزهور الجميلة، إذ يضطر الشاب للسفر في إطار العمل، لينتهي المقام بحبيبته بالزواج.

تبدو الرواية في الظاهر قصة عادية تتكرر في كل مكان وزمان، لكن خلفيتها التاريخية والمكانية والثقافية والاجتماعية تعطيها بعدا آخر، تماما كما هي قصة الشعب الفلسطيني الذي ما فتيء يناضل من أجل حريته منذ أكثر من مئة عام. فالشاب “عمر” ابن هذا الشعب الرّازح تحت الاحتلال، والذي اكتسبت حياته قيمة خاصة، فحياة الإنسان الفلسطيني تحت الاحتلال ليست مفصولة عن فعل الاحتلال ذاته.

 فالبعد الوطني والنضالي حاضر في الرواية، فالفنان “عمر” لا يتوانى عن عمل أي شيء يخدم قضية وطنه، ومن خلال عمله، فهو يعمل على تنظيم معرض للرسم يتيح المجال للفنانين للتعبير عن رفضهم للاحتلال، ويبرزون وحشيته، العمل الذي يقوده إلى السجن، والخضوع للتحقيقات والمضايقات.

وإذا ما ظهر تضامن الفلسطينيين جليا مع بعضهم البعض، وأن الاحتلال يوحد أبناء الشعب الفلسطيني، إلا أننا من جهة أخرى ما زلنا نجد بعض قيم حياة المجتمع الفلاحي السلبية ما زالت حاضرة، فالدكتورة “أناغيم” ترضخ لرغبة أهلها بتزويجها، رغم أنها كانت تحب شخصا آخر. لذلك انتهت هذه الشخصية بالموت، وهو موت فني أكثر منه موتا طبيعيا، وهذا ما أراده الكاتب، أي أن يوصل رسالة من خلاله مفادها أن على الإنسان الفلسطيني أن يتحرر اجتماعيا كشرط أساسي للتحرر السياسي.

ونقرأ في الرواية هذا المشهد:

يبدو أنه يوم شاق للغاية. بدأ الجسر يكتظ بالمركبات والمسافرين الفلسطينيين العائدين إلى بلدهم. ركن عمر المركبة الخاصة بشركة الخيوط الحريرية في الخارج. ما أن أصبحت الساعة السابعة صباحا، حتى بدأ الدوام الرسمي على الجسر. كان عمر أول الأشخاص الداخلين إلى صالة الجوازات، المركبات المحملة بالأمتعة تزداد نزولا إلى الجسر، وسط أشعة الشمس الساطعة منذ الصباح الباكر في منطقة الأغوار، حيث درجات الحرارة المرتفعة.

تجاوز عمر مراحل النقل ونقاط التفتيش جميعها دون وعي. مسافر لا يحمل أمتعة، سوى حقيبة صغيرة معلقة على كتفه، لا يعلم ما في داخلها من وثائق، ربما بعد كل هذا البعد عن الوطن، اهترأت أطرافها، وأصبحت بحاجة لتجديد، وهي تنتظر معانقة الوطن، لكن من الواضح أنها سئمت الانتظار، وباتت هشيما خاليا تماما من الشعور، فاقدا للهفة.

أي عودة هذه إلى فلسطين، دون أن يهتم له أحد عند دخوله إلى الحدود، ودون أن يُلقي نظرة إلى شرفة الحافلة؟ هذه المرة مختلفة عن بقية المرات، لم تتضح لديه أي صور، ضائع بين الدمع والحزن يغرق بين حين وآخر بين مجيئه وعودته، ماذا جنى من هذه الغربة سوى إتلاف روح عانقت الثرى من أجله، وطن بات ينتظر سكان الأرض بلهفة كأمطار متفرقة، هطلت بعد انحباسها من عام لعام، أفسدتها أشعة شمس ساطعة كصيف حارق لم يرحم حقل قمح لم تنضج سنابلة بعد، أي عضّ على الندم أمام حزن الوطن علينا، لم نجن من الغربة سوى الوقت الباهظ الذي أفنيناه بعيدا عنه، عن كل لحظة تركنا فيها الأرض.

اقترب عمر من جبل الخليل بعدما مرّ من واد النار وعلى رأسها بلدة العبيدية في بيت لحم مرورًا بمخيم العرّوب، كانت كروم العنب تكسو الأراضي باللون الأخضر، حيث نسمات الهواء النقية، العبقة برائحة أهلها، والأطفال يلهون بين أزقة المنازل مع كرة القدم، وفي مرمى عيونهم نقطة عسكرية للجيش الإسرائيلي على بعد أمتار، فوق البيوت التى تمت السيطرة عليها بالقوة، حيث أقيمت فوق أسطحها ثكنات عسكرية، فهنالك في الأعلى يتمركز القناصة القتلة، فاقدي الرحمة.

توجهت سيارة الأجرة، بعدما تجاوزت رأس الجورة، إلى وسط مدينة الخليل. كانت آخر محطة بالقرب من دوار المنارة، بل هي آخر نقطة للركاب فيها، نزل عمر حيث كانت الساعة الثالثة إلا ربعا قبل العصر. شدّته عيناه إلى مقبرة السهلة، التي تقع وسط مدينة الخليل بمحاذاة بؤرة استيطانية، ناهيك عن حالة اللا وعي. كانت عينان محمرتين مثل جمرتين، بدأت قدماه تأخذانه نحو المقبرة، نظر إلى سطح الشارع وهو يطأطئ رأسه للأسفل، ما هي إلا علامات صمت البكاء، وصل المقبرة، كان الهدوء يعمّها، دخل عمر باحثا بين القبور بعينين تترقبان الثرى الأحمر، كان العشب الأصفر اليابس قد ابتلع معالمها.  ما أن تعمق في وسطها، وإذا بقبرٍ مليء بأكليل من الورود الذابلة، تقدم نحوه، أطلق نظرة نحو القبر الذي كتب على شاهدته: يا أيتها النفس المطمئنّة…”.

 

 ميدل إيست أون لاين

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى