كتاب الموقعكلمة في الزحام

التهرّب والتهريب والإرهاب …أو ثالوث الثورة الملعون

التهرّب والتهريب والإرهاب …أو ثالوث الثورة الملعون …”بن علي هرب ” …العبارة “البشرى ” وجملة المبتدأ والخبر  التي شقّت ليل تونس واخترقت فضاء شارع بورقيبة الشهير بعد أن خلد ثوّاره إلى النوم …و قبيل ذاك الفجر الذي لم يتنفّس بعد …فأمست إحدى أيقونات ثورة الياسمين كما يطلق عليها  الغرب الأوروبي أو “الحرية والكرامة “، التسمية التي  يحبّذها التونسيون ويصرّون عليها …ربما تهرّبا من الرومانسية المثيرة للالتباس والجدل وحرصاً على عدم “تمييع ” رهبة ما حدث.
÷هرب ” فعل ثلاثي مجرّد في النحو العربي، غزير الاشتقاق، واضح المعنى محكم المبنى ، صريح الدلالة …لكنه غالباً ما يمارس في جنح الظلام .
فعل استهلّ به المخلوع زين العابدين بن علي جملة من الأفعال المنبثقه عنه عشية ذاك اليوم الذي حطّت طائرة تقلّه  في مدينة جدّة السعودية ثم عادت فارغة، سالمة إلى مطار قرطاج بفضل رباطة جأش قائدها وحسه الوطني المشرّف .
توالت الأحداث متسارعة مثل أي قصة بوليسية بامتياز، تهرّبت  حاشية واسعة من المسؤولية …و”هرب ” آخرون إلى ارتداء ثوب البطولة .
“ما العمل ؟ ” هي عبارة الثوريين دائماً بعد إنجاز الخطوة الأولى…ثمّ تبدأ “الفشكلة ” والخطوات المترنّحة وغير المحسوبة رغبة في الهروب الدائم نحو الأمام وخوفاً من خيبة المسعى .
استفاقت وظهرت زعامات لم يعرفها شارع بورقيبة الهادر ذلك اليوم وأرادت أن تجرّ عربة محمد البوعزيزي التي كان يدفعها هو بنفسه في أسواق الخضار …ولم تصمّم أصلاً لتجرّها الدواب ….ولم تكن تحوي فواكه مهرّبة ..بل من تراب تلك الأرض.
مارس التونسيون “أقصى حالات الحرية ” في وقت قياسي انتقاماً من سنوات الذلّ والغبن، حتى  صارت عبارة “ارحل ” تسمع في صفوف المدارس الابتدائية و المحاكم والمخادع الزوجية .
عمّت الفوضى والفلتان الأمني البلاد التي كان يضرب بها المثل عربياً في الصرامة الإدارية والانضباط القانوني ويغنّي فيها “مطربو المناشدة ” و زباينة القصر الرئاسي الأغنية الشهيرة ” بالأمن والأمان يحيا هنا الإنسان ” .
بنينا المنازل في الحدائق العمومية انتقاماً من الأزمات السكنية، أغلقنا المعامل مطالبة بالتشغيل، استبحنا مرافق الدولة وكأنها عدو الشعب،  قطعنا الطرقات اعتصاماً …حتى اعتصمنا احتجاجاً على كثرة الإعتصامات .
تهرّبنا من الضرائب والاستحقاقات وصممنا آذاننا عن جرس الإنذار الذي ماانفكّت تطلقه الخزينة  خلف الناهبين الهاربين بـ”الهبرة ” ….بأكياس المال العام وكأنه حق مشروع .
هرّبنا كلّ شيئ منّا وإلينا، بضائع، أسلحة وشعارات، محمولة ومنطوقة، ابتداء من الحشيش ووصولاً إلى الجهاديين في بازار خطب الجمعة .
أتخمنا أحزاباً وروابط ونقابات وجمعيات وانشقاقات …ثمّ بدأ يعود إلينا رشدنا وقد أنهكنا “حرية ” حتى بلغنا  درجة الحنين إلى العهد البائد .
هكذا نحن ـ معشر العرب ـ غلاة في الطاعة وغلاة في الشقاق، نبكي غياب الحرية ثمّ نشتكي ونتذمّر من حضورها، هل ألفنا الطغاة والمستبدّين أم أنّ الأسمدة التي ترعى بذرة الحرية والكرامة مازالت غريبة وبعيدة عن التربة العربية .

*كلمة في الزحام …يقول المثل الشعبي “الهريبة ثلثين المراجل ” …وهي أيضا ثلثا ثورتنا إلى الآن ….في انتظار الثلث الباقي …لعلّ وعسى …وقدرنا الثورات أن لا تهرب  إلاّ إلى الأمام …وأن لا تنظر إلى الخلف إلاّ بغضب.

26.05.2014

بوابة الشرق الاوسط الجديدة 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى