بوابة الشرق الأوسط الجديدة

تحليلات سياسية

الطريق إلى «كامب ديفيد» في وثائق الـ«سي آي إيه» (9) ميزان القوة العسكرية يفرض اتفاقية السلام (محمود مروة)

 

محمود مروة

لن يكون عرض الأهداف والأسباب التي دفعت بواشنطن إلى الضغط لتوقيع معاهدة سلام مصرية ــ إسرائيلية كافياً في حال لم يتم الحديث عن الجانب الأبرز، المتمثل بميزان القوة العسكرية في المنطقة وبالموجبات التي يفرضها طبقاً للمنظور الأميركي.
وتعرض لهذا الجانب وثيقة، غير مؤرخة أيضاً، وتشرح أنّ الهدف على المدى الطويل سيكون إراحة إسرائيل في محيطها لأنّ أي استمرار في الاقتتال لن يكون من مصلحتها.
تبدأ الوثيقة بإقرار أنّ إسرائيل زادت من هامش تفوقها العسكري على العرب منذ حرب العام 1973، وذلك «نتيجة التقدّم على صعيد العديد والمعدات والبنية التحتية».
إلا أنّ معدي الوثيقة يستدركون قائلين إنه «برغم الضعف العسكري النسبي للعرب، فإنهم ما زالوا يحتفظون بخيارات عسكرية».
وفي هذا الصدد، تشرح الوثيقة انه سيكون لهجوم عربي ضد إسرائيل هدفان: تحسين الموقف السياسي العربي عبر كسر الجمود في المفاوضات وإيذاء إسرائيل على صعيدي الخسائر البشرية والاضطرابات الاقتصادية.
أما عن أسباب التراجع العسكري العربي، فتعتبر الوثيقة أنّ الاستعداد المصري العسكري، مثلاً، تراجع بسبب قطع الدعم العسكري السوفياتي والمساعدة التقنية. كما أنّ الحصول على معدات عسكرية غربية مرتبط بشكل كبير بثبات الدعم السعودي المالي ـ وهذا له محاذيره السياسية المرتبطة بمسار المفاوضات ـ إضافة إلى أنّ دمج هذه المعدات ببنية القوة العسكرية المصرية يوجب اعتماد مسار متدرج وصعب.
وفي محاولة لمحاكاة احتمال وقوع حرب مقبلة، تشير الوثيقة إلى أنّ الخلافات العربية تطرح إشكالية في ما يخص مسألة دعم أي تحرك عسكري مصري.
وتعتبر أنّ «سوريا منهمكة بالوضع غير المستقر في لبنان، إضافة إلى أنّ موقفها العسكري في الجولان قد ضعف بشكل جدي بسبب التزاماتها الواسعة تجاه قواتها في لبنان»، مضيفة كذلك أنّ «علاقة مصر مع ليبيا والعراق متوترة، ما يصعب إرسال قوات أو معدات عسكرية في حال تجدد القتال».
إزاء ذلك، يلفت معدو الوثيقة إلى أنّ «الرئيس (المصري أنور) السادات ومستشاريه العسكريين يدركون الآفاق القاتمة في ما يخص القيام بعمل عسكري»، ولكن وبرغم ذلك يعتبرون أنّ «السادات قد يختار على مضض الخيار العسكري في حال شعر بأنه لا إمكانية في تحقيق تقدم في المفاوضات».
إلى جانب هذا العرض، فإنّ الوثيقة تولي اهتماماً بموقف بعض القادة الإسرائيليين، الذي يعتبر أنه بالرغم من تفوّق القوات العسكرية الإسرائيلية، فإنّ «إسرائيل تعاني من نقطتي ضعف على الصعيد العسكري:
÷ تعتبر مسألة تسجيل خسائر بشرية عالية في إسرائيل حساسة جداً نظراً إلى عدد السكان المنخفض.
÷ إضافة إلى ذلك، فإنّ القوات العسكرية الإسرائيلية عليها أن تعتمد على التعبئة الواسعة النطاق للاحتياط بهدف القيام بعمليات غير محدودة. وبالتالي، يمكن للتعبئة أن تربك الاقتصاد الإسرائيلي، وقد لا تستطيع الدولة تحمّل ذلك».
وتطرح الوثيقة كذلك مسألة القوة العسكرية الإسرائيلية على المدى الطويل، وهذا ما يمكن اعتباره أهم لأنه يفتح المجال للاستنتاجات المرتبطة بالأهمية التي كانت توليها واشنطن في ما يخص ضرورة توقيع معاهدة السلام.
وتقول الوثيقة إنّ «تحقيق المزيد من النمو في حجم القوات المسلحة الإسرائيلية … سيكون صعباً نظراً إلى القيود التي تفرضها مسألة محدودية الأعداد».
كذلك، فإنّ «تحسين القدرة العسكرية العربية، المقترن بالعزيمة على إلحاق تكاليف ضخمة بإسرائيل، يمكن أن يجعل من إسرائيل الخاسر الحقيقي في حرب مستقبلية، حتى ولو حققت انتصاراً تكتيكياً».
وأيضاً، يرى معدو الوثيقة أنّ «إسرائيل مرهقة جراء اقتطاع ميزانية الدفاع لنسبة ثلاثين في المئة من الميزانية العامة، ويمكن حتى لهذه النسبة أن تصبح أعلى في حال لم تتم تهدئة التوترات مع جيرانها العرب».
وتشير الوثيقة كذلك إلى مسألة مهمة في حال تم ربطها في حينه باحتمالات فشل قمة كامب ديفيد في تحقيق اتفاق سلام، إذ تقول «لقد أُضعِفت مكانة إسرائيل ضمن المجتمع الدولي بشدة، إضافة إلى أنّ اعتمادها على الولايات المتحدة في ما يخص الدعم العسكري والاقتصادي زاد بشكل كبير، وذلك في أعقاب حرب العام 1973. وسيتعاظم هذان الأمران في حال تجدد القتال، خصوصاً إذا ترافق ذلك مع اللجوء إلى الحظر النفطي».
وإذا تم التسليم جدلاً بأنّ هذه الوثيقة لا تعرض للمخاوف الأميركية، بل هي مجرد تحليل، فمن المهم ربما الإشارة أيضاً إلى النقطة الختامية للوثيقة. وتقول إنّ «(رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم) بيغن مدرك لهذه المشاكل الجدية، لكن الحجم الذي تحتله في تفكيره يصده إحساسه بالتاريخ اليهودي وشكوكه المتعلقة بخصومه العرب»، في إشارة تظهر حجم التنازلات التي كان الأخير مستعداً لتقديمها.

صحيفة السفير اللبنانية

الطريق إلى «جنيف ...
هل كان مانديلا ...

تحليلات سياسية

الطريق إلى «كامب ديفيد» في وثائق الـ«سي آي إيه» (8) لماذا يخاف الأميركيون من فشل القمة الثلاثية؟ (محمود مروة)

 

محمود مروة

لن تظهر الوثائق الأميركية الكثير من التفاصيل حول سير المفاوضات التي دامت 17 يوماً خلال القمة الثلاثية في كامب ديفيد، إلا أنّ الواجب معرفته هي الأسباب التي دفعت واشنطن إلى تحسب أي فشل. وفي وثيقة غير معرّفة ومنشورة خلال الشهر الحالي، تبرز حسابات واشنطن وعناصر قلقها، المفاجئة في بعض الأحيان.
وتقول الوثيقة إنه «بشكل عام، لن يكون لفشل كامب ديفيد تداعيات سلبية فورية على إسرائيل أو على العالم العربي. لا إسرائيل ولا العرب لديهم توقعات عالية حول القمة، وبالتالي فإنّ عدم ظهور تفاؤل يعني أنه في حال حصول تدهور فلن يشكل ذلك صدمة تدفع إلى رد فعل متهور أو غير عقلاني».
ولا يتوقع معدو الوثيقة، المجتزأة كما معظم سابقاتها، أن يؤدي فشل القمة بشكل فوري إلى وقوع حرب عربية ـ إسرائيلية، كما أنهم يرون أنّ ذلك لن «يدفع بالسعودية إلى رفع السلاح النفطي، وإلى دفع الرئيس أنور السادات إلى الاستقالة».
في المقابل، تشير الوثيقة إلى احتمال بروز تداعيات أخرى نتيجة فشل كامب ديفيد، ويتمثل ذلك بـ«تغيّر نظرة العرب والإسرائيليين لدورك (ترجيح أن يكون الرئيس الأميركي جيمي كارتر) في عملية السلام وأن يتدارس الطرفان خياراتهم المتبقية، والتي يمكن لبعضها أن يزيد من التوترات في المدى القريب».
وتضيف أنه «بالنسبة للولايات المتحدة، فإنّ أكثر التداعيات ضرراً هو أن يخيب أمل السادات بشكل تام بشأن استعدادنا لصياغة تسوية في الشرق الأوسط»، موضحة أنّ «إعلان السادات عن ذلك سيقوّض الموقف الأميركي في مصر وفي عدد من الدول العربية، ويؤدي إلى تآكل موقف الزعماء المعتدلين في المنطقة، كما يفتح الباب لتعاظم النفوذ السوفياتي».
وحول الخيارات المتاحة أمام السادات، تشير الوثيقة إلى أنّ الخيار الفوري المتاح هو «السعي إلى التصالح مع العرب المعتدلين، وستدفعه السعودية إلى فعل ذلك. سيحمي التصالح السادات من الانتقادات المحلية والعربية وسيمثل ذلك مقدمة لتطوير إستراتيجيات أخرى، بدءاً من التنسيق حول موقف عربي بشأن التفاوض وصولاً إلى التخطيط لحرب».
إلى جانب ذلك، فإنّ السادات يحضر لخيارات أخرى، وفقاً للوثيقة، التي تضيف أنّ المسؤولين في مكتب الرئاسة المصرية كانوا يتدارسون سلبيات وايجابيات المشاركة في مؤتمر جنيف مقبل، إضافة إلى طلب سحب قوات الطوارئ الدولية من سيناء.
بموازاة ذلك، فإنّ الوثيقة تعرض للتداعيات الإقليمية المحتملة. وتزعم أنّ الخطر الأكثر إلحاحاً يتمثل «بتصعيد كبير في القتال بين (القوى) المسيحية والسوريين في لبنان، ما قد يجر إسرائيل إلى حرب مع سوريا».
وتشير أيضاً إلى «خطر إضافي آخر محتمل وقوعه… (وهو) تصعيد في العمليات… الفلسطينية ضد أهداف إسرائيلية ومصرية… واحتمال استهداف قواعد أميركية أو أميركيين في المنطقة».
وفي الجانب السياسي، يرى معدو الوثيقة أنّ «أهم التداعيات ستكون في ما يخص السعودية، سوريا والأردن… يمكن للسعودية أن تسعى… إلى تحقيق مصالحة بين مصر، سوريا، الأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية، إتباعاً لهدفين: تطوير إستراتيجية مشتركة ستسمح للعرب المساومة مع إسرائيل من موقع القوة؛ حماية السادات من خصومه عبر الحد من عزلته في العالم العربي».
وتقول الوثيقة كذلك إنّ «السعوديين لا يزالون يرغبون في تحقيق تسوية شاملة تلبي مطالبهم حول الانسحاب الإسرائيلي وحق تقرير المصير للفلسطينيين. هم يعتقدون أنّ الفشل في تحقيق تسوية تعني حرباً أخرى، وتعاظماً للنفوذ السوفياتي، وعودة القوة اليسارية التي ستهدد أمنهم»، مضيفة أنه «على حد سواء، إنهم حريصون على ثني السادات عن القيام بأعمال أحادية، التي قد تؤدي إلى الإطاحة به لأنهم يعتقدون أنّ أمنهم مرتبط أيضاً بالحفاظ على الزعامة المعتدلة في مصر».
وتلفت أيضاً إلى أنّ «رد الفعل السعودي حساس أيضاً نظراً إلى سلاح النفط… قد يستخلص العرب أنّ هذا المسار (الاعتماد على سلاح النفط) سيكون أكثر فعالية وأقل تكلفة لهم من الذهاب إلى حرب مع إسرائيل لتحقيق أهدافهم السياسية».
من جانبهم «يتوقع السوريون أنّ السادات سيسعى إلى مصالحتهم… سيقبلون التقارب مع مصر في حال وافق السادات على إنهاء كل المحادثات الأحادية مع إسرائيل».
في المحصلة، يبدي الأميركيون اعتقادهم أنه في حال فشل قمة كامب ديفيد «فسيواصل العرب سعيهم لتحقيق بعض الوسائل بهدف إحياء المفاوضات، (وذلك) بعد بذل جهود لصياغة إستراتيجية مشتركة. وستكون السياسة الإسرائيلية أكثر ارتكاسية من أن تكون ابتكارية». وتضيف الوثيقة في الوقت ذاته أنه «لا يمكننا التكهن… إلى متى سيسعى العرب إلى إحياء مسار المفاوضات. على المدى الطويل، علينا اعتبار أنّ درجة عالية من خيبة الأمل ستدفعهم (العرب) مجدداً نحو الرأي (القائل) إنّ العمل العسكري، أو استخدام النفط، ضروري لتحقيق أهدافهم السياسية والأمنية».

صحيفة السفير اللبنانية

 

عود على بدء ...
الحروب الأميركية الطويلة ...

تحليلات سياسية

الطريق إلى «كامب ديفيد» في وثائق الـ«سي آي إيه» (7) واشنطن: لا دولة فلسطينية مستقلة.. وللتحكّم بمرونة السادات (محمود مروة)

 

محمود مروة

في 31 آب العام 1978، أي قبل أيام من انعقاد قمة كامب ديفيد الثلاثية، أرسل مستشار الأمن القومي الأميركي زبغنيو بريجينسكي مذكرة بعنوان «إستراتيجية كامب ديفيد» إلى الرئيس جيمي كارتر، يشرح فيها الخطوط العامة التي عليه اتباعها منعاً لفشل المفاوضات، ويعرض الأهداف التي يجب أن تسعى الإدارة الأميركية إلى تحقيقها.
يبدأ بريجينسكي مقترحاته بالقول إنه لا يمكن للرئيس المصري أنور السادات أن «يتحمل فشلاً وهو يعرف ذلك؛ كل من السادات و(رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم) بيغن يدرك أنه لا يمكنك تحمل فشل؛ لكن ربما يعتقد بيغن أنّ فشلاً في كامب ديفيد سيضرك أنت والسادات، وليس هو».
ويضيف مستشار الأمن القومي أنّ بيغن «قد يريد حتى أن يرى السادات يفقد مصداقيته وأنت ضعيف، ما يتركه في الوضع الراهن المقبول، بدلاً من الضغط عليه ليغير معتقداته التي اعتنقها طوال حياته حول (ما يسميه) يهودا والسامرة»، الضفة الغربية.
ويتوجه بريجنسكي إلى كارتر قائلاً «عليك أن تقنع الزعيمين، وتحديداً بيغن، بأنّ الفشل في كامب ديفيد ستكون له عواقب سلبية مباشرة على علاقاتنا الثنائية وفي ما يخص التأثير السوفياتي في المنطقة».
ويقول مستشار الأمن القومي الأميركي كذلك إنّ السادات يرى أنّ النجاح في المفاوضات مرهون بتحقيق تقدّم جوهري وبانتزاع التزام إسرائيلي خاص بمبدأ الانسحاب على كل الجبهات. ويضيف «أما بيغن فيراه في عقد ترتيبات إجرائية وسيكون مقاوماً لأي ضغوطات تطلب منه تقديم تنازلات جوهرية».
وفي سياق عرض بريجينسكي للمخاوف الأميركية من أن يقدم بيغن على عرقلة المفاوضات، يقول «إذا كانت إسرائيل مسؤولة عن توقيف التقدم بشأن السلام في الشرق الأوسط، فيجب في حينه إبلاغ بيغن بوضوح أنك ستضطر إلى اتخاذ عدد من الخطوات، التي بإمكانها التأثير على العلاقات الثنائية».
والغريب مثلاً أنّ مثل هذه التداعيات تتمثل بقول بريجنسكي «سنكون غير قادرين على الدفاع عن الموقف الإسرائيلي إذا انتقلت المفاوضات إلى الأمم المتحدة أو (إلى مؤتمر) جنيف»، وللملاحظة لم يكن بقية الزعماء العرب رافضين لهذين الأمرين.
ومن باب محاولة الإدارة الأميركية تشجيع الطرفين على التقدم بالمفاوضات، يرى بريجينسكي أنه «على السادات وبيغن أن يتأكدا أنّ التقدّم في مسألة السلام تعني علاقات متينة مع الولايات المتحدة، والتي تتضمن العلاقات في المجالات الاقتصادية والأمنية، وتعزيز القدرة على السيطرة على التطورات في المنطقة بطريقة تناسب مصالحنا المتبادلة».
في مقابل ذلك، تعرض ما هو أهم، وهو «الحد الأدنى» المطلوب من الطرفين خلال المفاوضات. وفي ما يخص السادات، فأهمها:
÷ القبول بوجود أمني إسرائيلي طويل الأمد في الضفة الغربية/غزة.
÷ نظام انتقالي للضفة الغربية/وغزة لفترة خمسة أعوام؛ لا دولة فلسطينية مستقلة؛ تأجيل المفاوضات حول الحدود والسيادة حتى نهاية فترة الخمسة أعوام.
÷ القبول بأقل من التزام إسرائيلي حول الانسحاب الكامل وحق تقرير المصير للفلسطينيين، كخطوط موجهة للمفاوضات.
÷ الاستعداد للمفاوضة حول الخطوط العامة للضفة الغربية/غزة حتى إذا لم يحضر الملك الأردني حسين.
÷ إعادة تأكيد تعهّد «لا حرب إضافية»؛ الاستعداد لتجديد مهام القوات الدولية في سيناء في شهر تشرين الأول؛ احترام مبادئ اتفاقية سيناء الثانية، المتضمنة الالتزام بحل سلمي للخلافات.
تعرض الوثيقة عددا آخر من الأسس التي يجب أن تنطلق وفقها المفاوضات، ومنها قرار مجلس الأمن 242 وخطة أسوان التي أعلنها الرئيس كارتر بداية العام 1978، إلا أنه تجدر الإشارة إلى نقطة، من باب السخرية ربما. إذ تقول الوثيقة «إذا أظهر السادات مرونة أكثر من بيغن، يمكن أن نظهر للإسرائيليين ولمؤيديهم كمتواطئين مع المصريين. قد يكون ذلك محرجاً سياسياً، وقد يكون عليك (الرئيس الأميركي) أن تطلب من السادات سراً أن لا يندفع في قبول أي اقتراحات نضعها أمامه علناً. سيخدم ذلك مصداقيتنا إذا كان يُنظر إلينا على أننا نضغط على الطرفين لتقديم تنازلات. بالرغم من أننا نريد أن يوافق السادات على أفكارنا، إلا أنه يجب أن يكون توقيت ذلك وإعلانه منسقاً بدقة».

صحيفة السفير اللبنانية

إيران - السعودية: ...
الانتفاضة تواجه الاستحالة: ...

تحليلات سياسية

الطريق إلى «كامب ديفيد» في وثائق الـ«سي آي إيه» (6) السادات يشترط اتفاقاً سرياً.. وواشنطن تصفه بالمرن والبراغماتي (محمود مروة)

 

محمود مروة

تقترب الديبلوماسية الأميركية في صيف العام 1978 من انعقاد القمة الثلاثية، التي عُرفت في ما بعد بقمة كامب ديفيد، وتتحول معها طبيعة الوثائق نظراً إلى تطوّر دور وكالة الاستخبارات المركزية، وطبيعة مواكبتها لتقدّم العمل الديبلوماسي.
وتعتبر وثيقة أرسلها مدير وكالة الاستخبارات المركزية ستانسفيلد تيرنر إلى مستشار الأمن القومي الأميركي زبغنيو بريجينسكي، بتاريخ 18 آب 1978، أساسية في هذا السياق، إذ تنقل «تصورات الرئيس المصري أنور السادات لقمة كامب ديفيد».
ويشير تيرنر في بداية الوثيقة، التي يصفها بـ«التقرير الأولي وليس تقييماً استخباراتياً نهائياً»، إلى أنّ السادات «قال (يوجد جملة محذوفة) إنه برغم الصعوبات المتوقعة، إلا أن لديه آمالاً في نجاح قمة كامب ديفيد. وقد صرّح بأن مشاركة الرئيس جيمي كارتر في عملية السلام سيجعل ممكناً، بل محتملاً، التوصل إلى إنجازين منفصلين ومرتبطين في آن».
وتشرح الوثيقة أنّ «الإنجاز الأول يمثل اتفاقاً ثنائياً معلناً، يتضمن القبول بمبادئ تستند إلى قرار الأمم المتحدة (مجلس الأمن الدولي) 242، ومقترن باتفاق حول المسألة الفلسطينية يرتكز على خطة أسوان التي أعلنها الرئيس كارتر في أسوان في مصر في شهر كانون الثاني العام 1978».
وتضيف أنّ «الإنجاز الثاني يتمثل باتفاق محدد وسري ومكتوب حول إطار تسوية السلام في الشرق الأوسط. سيوقع الاتفاق كل من الرئيس السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن، (على أن) يوقع الرئيس كارتر كشاهد».
وتتابع أنّ السبب الذي يدفع السادات للإصرار على اعتماد وثيقة مكتوبة يشهد عليها الرئيس كارتر هو لتجنّب أي تفسيرات لاحقة متباينة من قبل الطرفين حول الاتفاقات التي يتم التوصل إليها.
وحول تعريف السادات لمعنى «الاتفاق المحدد»، فقد صرّح الأخير، وفقاً للوثيقة، بأن «عليه وعلى رئيس الوزراء بيغن أن يتوافقا على تعريف واضح حول الجوانب الأساسية لتسوية الشرق الأوسط. بعد الاتفاق على هذه الأمور (سراً) … سيتم العمل على التفاصيل في اللجان، على أمل أن تشارك فيها أيضاً دول عربية أخرى».
وتعتبر الوثيقة أنّ رؤية السادات لإطار الاتفاق «يسمح بقدر كبير من المرونة في ما يخص التفاصيل، ولكن لا تسوية حول السيادة أو الأراضي، عدا تعديلات طفيفة حول الضفة الغربية».
وتلفت الوثيقة إلى أنّ «السادات طرح المسألة الفلسطينية كمثل (يفرض) الحاجة إلى الإنجازين، العلني والسري. وفي حين أنّ البيان العلني يمكنه أن يعلن اتفاقا حول خطة أسوان كأساس للقضية الفلسطينية، فإنّ المفاوضات السرية ستحتاج لمعالجة الاهتمام الإسرائيلي المتعلق في مسألة أي من الفلسطينيين سيكونون القادة المستقبليين للضفة الغربية الفلسطينية».
وبحسب الوثيقة، فإنّ «الرئيس السادات أشار إلى أنّ مشاركة الرئيس كارتر ضرورية لأنه (السادات) فقد الثقة التي كانت لديه برئيس الوزراء بيغن … يشعر الرئيس السادات بأنه إذا توصل ورئيس الوزراء بيغن إلى اتفاق محدد ومكتوب وإذا شهد الرئيس كارتر على ذلك، فعندها يمكن لعملية السلام أن تأخذ خطوة كبيرة إلى الأمام».
إلى جانب تصورات السادات المتعلقة بقمة كامب ديفيد، كان الأميركيون يتحضرون للحدث السياسي والديبلوماسي على عدد من الأصعدة. وفي أحد الجوانب، تركزت مهمة وكالة الاستخبارات المركزية على تحضير سير ذاتية لعدد من الشخصيات، ومنها الرئيس المصري.
يظهر الوصف المعتمد لسيرة السادات، المنشورة مجتزأةً، ربما لحساسية عدد من النقاط، أنّ الإدارة الأميركية لم تنظر إلى الرئيس المصري بريبة، فلم تكن شخصيته تمثل حالة يصعب التعامل معها.
وتشير وثيقة صادرة بتاريخ 23 آب 1978، إلى أنه لدى استلام السادات للحكم بعد وفاة الرئيس جمال عبد الناصر كان غالب الظن أنه «لا يملك الصلابة ولا حتى الذكاء السياسي كي يكون ناجحاً … إلا أنه أثبت (مع مرور الوقت) أنه زعيم معتدل وسياسي وديبلوماسي براغماتي. أصبح معروفاً بواقعيته، وبفطنته السياسية، وبقدرته على المفاجأة، وبشجاعته وبقراراته المثيرة (الدراماتيكية)».
وتضيف الوثيقة أنه «واظب في البحث عن تسوية سلام، واقترن ذلك بثقة ملحوظة بالنفس، مواجهاً المخاطر والفشل بتفاؤل».
وفيما تشير الوثيقة إلى سيطرة السادات على عملية اتخاذ القرارات المصرية، وتحديداً في الشأن الخارجي، فإنها تقول إنّ «السادات يعتقد أنّ المصريين يتفوقون على بقية العرب … (وهو) يريد أن يدخل التاريخ من باب أنه حقق الرفاهية الاقتصادية والاجتماعية» لشعبه.
جدير بالذكر أنّ الوثيقة تصف السادات أيضاً بأنه «يتحدث لغة إنكليزية جيدة، لكنه لا يستطيع دائماً التقاط الفوارق الدقيقة أو أن يتابع تفكيرا متسلسلا معقداً».
ومن سوء الحظ أنّ الوثيقة منشورة مجتزأةً، وبالتالي لا يمكن معرفة التصوّر الأميركي الكامل لشخصية الزعيم العربي الذي دُعي إلى المشاركة في ما كان يجب أن يمثل أعقد المفاوضات ليس عربياً فقط، بل عالمياً؛ الزعيم العربي الذي نصّب نفسه مفاوضاً في «القضية العربية المركزية».
لا تنشر الوثائق ما يمكن اعتباره غنياً على صعيد معرفة تفاصيل سرية دقيقة حول بنود المعاهدات التي تم التوقيع عليها في شهر أيلول العام 1978، إلا أنّ وثيقة جديدة، أعدها بريجنسكي وأرسلها إلى كارتر، ستقدم عدداً من الإيضاحات حول الإستراتيجية الأميركية المتبعة خلال انعقاد قمة كامب ديفيد، وما كان يفترض بكل طرف أن يقدمه.

صحيفة السفير اللبنانية

المعارضة في بداية ...
«التجربة البرتقالية» (محمد ...

تحليلات سياسية

الطريق إلى «كامب ديفيد» في وثائق الـ«سي آي إيه» (5) السادات يغطي فشله التفاوضي أميركياً (محمود مروة)

 

محمود مروة

منذ ذهاب الرئيس المصري أنور السادات إلى إسرائيل، وصولاً إلى بدء اجتماعات كامب ديفيد بعد أقل من عام، رهن حركة سياسته الخارجية بين حاجزين: أولاً لم يكن بمقدوره الحصول على تنازلات إسرائيلية تتعلق بقضايا عربية أخرى، وثانياً بدا أنه ليس بمقدور واشنطن – أو لا ترغب – أن تمارس الضغوط على إسرائيل في هذا السياق.
تشير، مثلاً، الوثيقة الصادرة بتاريخ 13 آذار العام 1978 إلى أنّ المحادثات المصرية الإسرائيلية «تنهار». ففيما «لم يستطع الطرفان تخطي الخلافات بينهما حول المبادئ التي ستحكم تسوية شاملة، فإنّ الطرفين خسرا أيضاً الدفع نحو تسوية خاصة بسيناء».
وفي حين تنفي الوثيقة أيضاً إمكانية تحقيق اتفاق شامل، أي إجراء «تسوية مقبولة» تشمل مصر والأردن وسوريا والسعودية، فإنّها ترى أنّ العرب «سيتهمون إسرئيل بإفشال المفاوضات».
ووفقاً للوثيقة ذاتها، سيؤدي ذلك إلى أنّ تتحول الأطراف العربية المعتدلة أكثر تطرفاً وإلى تراجع صريح للتأثير الأميركي في المنطقة. وتضيف الوثيقة أنه نتيجة لذلك، فإنّ العرب مدعومين بالاتحاد السوفياتي، قد يدعون إلى استئناف إجراء مفاوضات شاملة في جنيف أو تحت رعاية الأمم المتحدة «كوسيلة للإبقاء على الضغوط الدولية على إسرائيل».
كما تشير إلى أنّه سينتج عن الامتناع عن توجيه انتقاد أميركي لإسرائيل علانية بسبب انهيار المفاوضات أنّ العرب سيستخلصون بأنّ «الولايات المتحدة غير قادرة على الضغط على إسرائيل … إنّ وضعية كهذه سيكون من شأنها تعبيد الطريق أمام الاتحاد السوفياتي في المنطقة، بما انّ مصر ستشعر أنها مجبرة لتسوية علاقاتها مع الاتحاد السوفياتي». وفي السياق ذاته، يبرز معدو الوثيقة احتمال أنّ يجر ذلك السعودية إلى إعادة تقييم علاقاتها مع الولايات المتحدة.
وتلفت الوثيقة أيضاً إلى أنه «بغض النظر عن السبب المباشر الذي سيؤدي إلى انهيار الفاوضات، فسيُنظر إلى الأمر في العالم، وتحديداً في أوروبا الغربية، على أنه يرجع إلى تصلّب إسرائيل»، وقد تتعرض الولايات المتحدة إلى انتقادات شديدة نظراً إلى أنها «غير مستعدة أو غير قادرة على ممارسة ضغوط على إسرائيل».
في الواقع تعكس هذه الوثيقة بعضاً من خيبة الأمل الأميركية حول مراوحة المفاوضات بين المصريين والإسرائيليين، برغم تواصل الاتصالات بينهما طيلة الفترة التي تلت زيارة السادات إلى إسرئيل.
وبرغم أنّ السادات بدا ممسكاً بزمام الأمور في بلاده، إلا أنّ الوثائق تبرز أمراً آخر وهو أنّ المفاوضات بحد ذاتها ومراوحتها كانت تشكل عاملاً ضاغطاً عليه.
فمثلاً، تلفت وثيقة صادرة في 17 كانون الأول العام 1977 إلى أنّه كان بإمكان مبادرات السادات للسلام أن تخلق مشاكل مالية جدية بالنسبة لمصر «في حال استنتج داعمو مصر أنّ السادات مصرّ على توقيع اتفاقية سلام ثنائية مع إسرائيل».
إزاء ذلك، يظهر واضحاً من الوثائق أنّ محاولة الرئيس المصري تغطية الفشل في المفاوضات جاءت من الباب الأميركي. فتشير وثيقة صادرة في 2 شباط 1978، أي قبل يومين من زيارة السادات إلى واشنطن، إلى أنّ الأخير يعلّق «أهمية كبيرة على زيارته الأميركية … سيكون هدفه الأول حثّ الولايات المتحدة على استخدام مساعيها بهدف انتزاع تنازلات إسرائيلية».
وتضيف الوثيقة أنّ «السادات يأمل تحقيق عدد آخر من الأهداف، ومنها ممارسة تأثير إيجابي على الرأي العام الأميركي»، ويتوقع كذلك أن تعزز الزيارة العلاقات الثنائية و«صورته كرجل دولة، وبالتالي تعزيز موقعه وصورته» في مصر.
وفي التقرير الأسبوعي الصادر بتاريخ 3 شباط 1978، يبرز معدو التقرير إعلان عدد من المسؤولين المصريين عشية زيارة السادات إلى واشنطن و«بشكل واضح … أنّ القاهرة لا تتوقع فقط من الولايات المتحدة أن تأخذ موقفا لصالح مصر، بل أيضاً أن تضغط على إسرائيل لتقديم تنازلات».
الغريب في الأمر على هذا المستوى أنّ السادات، وهذا معروف، كان يضغط للحصول على تنازلات تتعدى الاتفاق الثنائي حول سيناء، علماً أن الاتفاق النهائي حول سيناء أبقى العديد من النقاط، المعلوم منها وغير المعلوم، مجحفاً بحق مصر.
ويشير التقرير ذاته إلى أنه في حال فشلت مبادرة السادات للسلام، فإنه سيرغب بالإعلان أمام نظرائه العرب أنّ ذلك حصل «لأنه دافع بقوة عن مصالح العرب، وليس لأنّ اتفاقاً ثنائياً حول سيناء كان مستحيلاً تحقيقه».
ستثبت الوثائق المقبلة أنّ السادات أخطأ حين ارتأى، أو أجبر، على الاعتماد على مخرج أميركي من المعضلة التي خلقها لنفسه بزيارته إسرائيل، لأنّ واشنطن لم تنجح ولم ترغب في تحقيق ما يريده، بل هي دفعت خلال انعقاد لقاءات كامب ديفيد إلى توقيع مصر منفردة على اتفاق سلام، مجحف.

صحيفة السفير اللبنانية

بانوراما اللعبة الدولية ...
الطريق إلى «كامب ...

تحليلات سياسية

الطريق إلى «كامب ديفيد» في وثائق الـ«سي آي إيه» (4) السادات يفشل في مغامرته.. وواشنطن تعدّ لسيناريوهات بديلة (محمود مروة)

 

محمود مروة

لم تأت المغامرة الإسرائيلية للرئيس المصري أنور السادات بالنتائج التي يبدو أنّه كان يرجوها، بل الظاهر أنها دفعته أكثر فأكثر نحو تقديم التنازلات والغرق في المفاوضات الثنائية وسط تعنّت إسرائيلي، ما سمح للولايات المتحدة باغتنام الفرصة لأخذ الأمور باتجاه اصطياد مصر ورئيسها في كامب ديفيد، وهذا ما ستؤكده المقاربة الأميركية التي تكشف عنها وثائق وكالة الاستخبارات المركزية «سي آي إيه» المنشورة في 13 تشرين الحالي، والتي للمفارقة تنشر في ذكرى زيارة السادات الإسرائيلية.
ووسط الرفض العربي لإضفاء أي شرعية على إسرائيل، وهذا ما فعله السادات، كان الاهتمام الأميركي منصبا على دراسة ردود الفعل العربية، السورية بشكل خاص، لما لسوريا من دور محوري في ما كان يسمى ملف مفاوضات السلام وإعادة إحياء محادثات جنيف.
وفي سياق التقييم الأميركي لأثر مبادرة السادات، يشير التقرير الأسبوعي المعد في 25 تشرين الثاني العام 1977، إلى أنّ خطاب السادات وخطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن أمام الكنيست، في 20 تشرين الثاني، «لم يقدما شيئاً واضحاً لكسر الحواجز لاسيما في مسألة التمثيل الفلسطيني (في المفاوضات) (وهي المسألة) التي وقفت في طريق استئناف محادثات جنيف للسلام». ويضيف التقرير أنه حتى منتصف الأسبوع، لم تظهر إشارات تفيد بأنّ المحادثات الثنائية بين السادات وبيغن فعلت ذلك.
وفي ما له علاقة بإسرائيل، فقد رصد التقرير واقع أنّ الأطراف الإسرائيلية «المتشددة» باتت تطلب من بيغن التركيز على مفاوضات ثنائية مع مصر، نظراً إلى «الموقف السلبي» الذي اتخذته سوريا والفلسطينيون، تحديداً، تجاه ما قام به السادات، أي أنّ «المتشددين» يدعون إلى تخطي فكرة إعادة إحياء محادثات جنيف.
ويبدو واضحاً في الوثائق الاهتمام الأميركي بالموقف السوري. ففي وثيقة صادرة بتاريخ 25 تشرين الثاني أيضاً، اعتبر الأميركيون أنّ سوريا تحاول التعاطي مع المستجدات كما فعلت قبل عامين، أي بعيد التوقيع على اتفاقية سيناء الثانية في العام 1975 بين السادات وإسرائيل. «في ذلك الوقت وُصف السادات بأنه يخون القضية العربية، فيما وضعت سوريا نفسها في موقع المدافع والحامي الأساسي للحقوق العربية»، وفقاً للوثيقة.
كما ترى الوثيقة أنّ الرئيس السوري حافظ الأسد يقف في وضعية غير مريحة، بين معسكر «الراديكاليين» ومعسكر «المعتدلين». ويعتقد معدو الوثيقة أنّ ذهاب الرئيس الأسد باتجاه محور ما يسمى بـ«جبهة الرفض» سيأخذه نحو قرار غير مستعد له وهو الانسحاب من مفاوضات السلام، مضيفة أن الأسد يرى كذلك أنّ وقوفه ضمن محور «المعتدلين» سابق لأوانه.
وإزاء ذلك، تجزم الوثيقة أنّ الرئيس «الأسد سيبقى بين الجهتين طالما يمكنه ذلك. وعلى المدى الطويل، فإنّ سلوكه سيحدده حجم الضغوط التي سيفرضها عليه حلفاؤه المعتدلون، وأبرزهم السعودية، في سياق إبقائه على طريق المفاوضات».
كذلك، وفي سياق اهتمام الأميركيين بتداعيات زيارة السادات على الواقع العربي، تشير الوثائق إلى مسألة انعقاد «قمة طرابلس» في ليبيا في بداية شهر كانون الأول، والتي نجم عنها تشكيل «جبهة الصمود والتصدي». وفي وقت تذكر الوثائق ما دعا إليه البيان الختامي للقمة، إلا أنها تهتم بنقطة أكثر من غيرها، وهي أنّ البيان «لم يرفض مفاوضات السلام بشكل تام وهو انتصار لسوريا، التي أرادت تجنب محاصرة خياراتها».
وسط هذه الأجواء، تظهر وثيقة صادرة بتاريخ 13 آذار 1978 أنّ واشنطن بدأت استثمار زيارة الرئيس المصري إلى إسرائيل بشكل مغاير. وتتحدث هذه الوثيقة عن أربع سيناريوهات للمحادثات المصرية الإسرائيلية.
أولاً، اتفاق بين مصر وإسرائيل يخص سيناء وحدها.
ثانياً، تسوية مصرية إسرائيلية حول سيناء، يرافقها إعلان مبادئ أو تقدم في ما يتعلق بالضفة الغربية والقضية الفلسطينية.
ثالثاً، نوع آخر من التسوية المقبولة، والتي تشمل مصر والأردن والسعودية وسوريا.
رابعاً، انهيار كامل للمحادثات المصرية الإسرائيلية.
وفي تفاصيل السيناريو الأول حول اتفاق يخص سيناء وحدها، تشرح المذكرة أن «اتفاقاً من هذا النوع قد يعيق اندلاع الحرب في وقت قريب ويمنع إعادة النفوذ السوفياتي إلى مصر، إلا أنه لن يقلل من حدة التوتر في الشرق الأوسط»، مضيفة أنّ «التأثير المباشر للاتفاق سيكون منع التوصل إلى تسوية شاملة، وعزل مصر، والحد من تأثيرها في سوريا، ومع الفلسطينيين، والدول العربية المحافظة».
وتضيف الوثيقة أنّه يبدو أنّ أياً من الدول العربية لن تدخل في مواجهات مع إسرائيل دون القاهرة، إلا أّنّ «الفلسطينيين سيزيدون من العمليات ضد إسرائيل، ربما بتشجيع سوري».
كما تلفت الوثيقة إلى أنه سيتم النظر إلى الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وبشكل واسع، على أنها المحرّض على تحقيق ذلك، ما سينجم عنه تداعيات في ما يخص تأثيرها في المنطقة، أي وبمعنى آخر انتهاء ما كان يسمى بمحادثات جنيف.
تدفع هذه الخلاصة إلى طرح سؤالين بديهيين: لماذا ذهب الأميركيون في وقت لاحق باتجاه فرض مفاوضات ثنائية؟ وكيف وافق السادات على مبدأ التوقيع على اتفاق ثنائي؟

صحيفة السفير اللبنانية

الطريق إلى «كامب ...
الطريق إلى «كامب ...

تحليلات سياسية

الطريق إلى «كامب ديفيد» في وثائق الـ«سي آي إيه» (3) السادات إلى إسرائيل.. ساقطاً في النزع التفاوضي الأخير (محمود مروة)

 

محمود مروة

أخرج الرئيس المصري الراحل أنور السادات بلاده من دورها التاريخي حين كسر «المحرّمات العربية» بإعلانه أمام مجلس الشعب المصري نيته زيارة إسرائيل، فاتحاً الباب واسعاً أمام احتمالات عقد اتفاق ثنائي مع عدوه السابق.
وفي سياق عرض الوثائق الأميركية السريّة التي كشفت عنها وكالة الاستخبارات المركزية «سي آي إيه» خلال الشهر الحالي، فقد رأى معدّوها أنّ إعلان السادات، وكسره لـ«المحرّمات العربية»، «ولّد نشوة في إسرائيل»، معتبرين أنّ ذلك «يعكس رغبة عميقة لديهم في الوصول إلى السلام و(كسب) الاعتراف العربي».
وتعتبر ثلاث وثائق، مؤرخة بـ 18 و19 تشرين الثاني العام 1977، أنّ «الرضا الإسرائيلي تشوبه حالة من الارتياب حول دوافع السادات ونياته، خصوصاً في الدوائر الرسمية، نتيجة المخاوف من أن (مبادرة السادات) قد تظهر إسرائيل على أنها متصلبة»، مشددة على ضرورة أن يُظهر رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن مرونة تجاه المبادرة.
وإزاء القلق حول طبيعة التعامل الإسرائيلي مع التطورات، فقد وصف المسؤولون الأميركيون بيغن، في الوثائق المرسلة إلى الرئيس الأميركي جيمي كارتر وفريقه، بأنه «ذكي وسياسي ماهر» وبأنّ لديه «قناعات أيديولوجية ودينية عميقة» قد لا تسهل تقديم تنازلات، إلا أنّ الوثائق تضيف أنه برغم ذلك فإنّ رئيس الوزراء الإسرائيلي «ملتزم جدياً» بالسلام، ولديه نزعة كما السادات لتحقيق نقلة غير متوقعة في هذا الصدد.
كما يعتبر معدو الوثائق أنّ بيغن ووزير خارجيته موشي دايان «يدركان بلا شك» أنه لا يجب أن يعود السادات إلى مصر «خالي الوفاض».
كذلك، يقول الأميركيون في وثيقتهم إنّ «ما هو مطلوب من إسرائيل أيضاً، وفق تقييمنا، يتمثل في إطلاق لفتة تكون ذات فائدة لكل العرب، يفضل أن تتضمن درجة معينة من الاهتمام الخاص بمسألة الفلسطينيين».
وتنقل الوثائق عن تقارير صحافية صادرة في ذلك الحين، من دون أن تؤكد أو تنفي مضمونها، أنّ الرئيس الروماني السابق نيكولاي تشاوتشيسكو لعب دوراً في الفترة السابقة لزيارة السادات إلى إسرائيل في «تعبيد الطريق أمام إقامة حوار مباشر» بين الطرفين.
في المقلب الآخر، وحول الموقف العربي، تهتم الوثائق بشكل خاص برؤية الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد للأمور، وتقول إنه أبدى نفوراً تجاه إعلان السادات.
وفي إشارة إلى ملف التحضيرات المتواصلة لعقد مؤتمر جنيف جديد، تلفت الوثائق إلى أنّ الأسد لم يظهر إشارات مباشرة حول احتمال انسحابه، بل إنّ الرئيس السوري «يرى في مواصلة التحضيرات معبراً يمنع السادات من التحرك وحيداً».
ويحذّر معدو الوثائق من أنه «في حال اقتنع الأسد بأنّ السادات يعتزم بشكل نهائي إبرام اتفاق مستقل، فإنه قد يقرّر أنّ الفائدة ستكون ضئيلة بالنسبة لذهاب سوريا إلى جنيف».
وفي هذا الصدد، فمن المفيد الإشارة إلى أنّ الوثائق تعتبر أنّ «معارضة الأسد لقرار السادات تتّسق ومقاربته الحذرة للمفاوضات. وتستند هذه المقاربة إلى تصوره حول أنّ إسرائيل غير جاهزة لتقديم تنازلات مناسبة، (إضافة إلى) اهتمامه بتجنب فشل سيستغلّه معارضوه ضده».
وتشير الوثائق الأميركية إلى أنّ موقف الأسد الداعم لموقف عربي موحّد بشأن المفاوضات، وعبر حماية العلاقة مع الفلسطينيين، فقد «حافظ (الرئيس السوري) على مرونة تكتيكية تخوّله تجنّب المجازفة التي يأخذها السادات حالياً مع الاحتفاظ بالقدرة على التجاوب مع أي تنازل أساسي قد تبادر إليه إسرائيل في المستقبل».
وتلفت الوثائق أيضاً إلى المعارضة العربية الواسعة التي لاقتها مبادرة السادات، مع الإصرار على أنّ «المثير للقلق بشكل خاص كان الرد السعودي المعادي».
في غضون ذلك، ترى الوثائق الأميركية أنّه «سيكون لزيارة السادات أهمية كبرى في ثلاث قضايا مستقلة ولكنها مرتبطة الواحدة بالأخرى: وضعه في مصر؛ وضعه (ووضع مصر) في العالم العربي؛ واحتمال الوصول إلى تسوية شاملة». وتضيف أنّ «معضلة السادات تكمن في أنه يجب أن يرى المصريون أنه أحرز أمراً جوهرياً في ما يخصّ سيناء وأن يرى السوريون والفلسطينيون أنه أحرز أمراً جوهرياً ما على صلة بمصالحهم، كوسيلة لتبديد شكوكهم حول أنه يبحث عن (اتفاق) سيناء 3».
وتشرح وثيقة أنه سيكون مجدياً للسادات «أن يثبت أن تحركه الدراماتيكي خلق فرصة للسوريين وللفلسطينيين لإدخال إسرائيل في مفاوضات جادة وأنهم فشلوا في الاستثمار في ذلك»، معتبرة أنه «عندها فقط، بنظرنا، سيكون قد شكل الأرضية لتوقيع اتفاق منفصل مع إسرائيل حول سيناء».

صحيفة السفير اللبنانية

الطريق إلى «كامب ...
إسلام بلا سياسة ...

تحليلات سياسية

الطريق إلى «كامب ديفيد» في وثائق الـ«سي آي إيه» (2) الوضع الداخلي يخنق السادات.. ويسهّل اصطياد مصر (محمود مروة)

 

محمود مروة

كشفت الوثائق التي نشرتها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية خلال الشهر الحالي عن نقاط الضعف التي عانى منها الرئيس المصري الراحل أنور السادات خلال فترة حكمه، وهي التي يبدو أنّ الإدارة الأميركية الجديدة، برئاسة جيمي كارتر، استغلتها لتطويق رأس النظام المصري ولتسهيل دفعه نحو البدء في مفاوضات ثنائية مع إسرائيل بشكل مباشر.
وتشكل وثيقة أعدتها وكالة الاستخبارات المركزية، بمعاونة وكالات أخرى، في 3 شباط العام 1977، دراسة حول المشاكل التي كان يواجهها السادات في تلك الفترة، والتي كان بإمكانها، وفقاً للوثيقة، أن تؤدي إلى الإطاحة به في ما لو لم ينجح الرئيس المصري في قلب المعادلات.
وفقاً للوثيقة، فقد ألقت الاضطرابات التي واجهتها الحكومة المصرية في شهر كانون الثاني من العام المذكور، وهو ما عرف بـ«انتفاضة الخبز»، الضوء على العلاقات المترابطة، وبشكل متزايد، بين المشاكل الاقتصادية وتأثيرها الفعلي على الاستقرار السياسي الداخلي.
ويشرح معدو الدراسة أنّ السادات وضع هدفين اقتصاديين أساسيين بعدما خلف الرئيس عبد الناصر في العام 1970 في سدة الحكم. «كسلفه، أمل في دفع النمو الاقتصادي بوتيرة أسرع من وتيرة زيادة النمو السكاني».
وتعتبر الوثيقة أنه مع مرور الوقت، المترافق وصعوبة تحقيق نتائج ملموسة، و«كوسيلة للخروج من المأزق، حاول السادات إنشاء اقتصاد مزدوج: مع الحفاظ على القطاع العام المدعوم بشكل كبير، وجب الدفع نحو تكوين قطاع خاص واسع، مستعيناً برؤوس الأموال الخارجية عبر تقديم ضمانات استثمار ذات طابع ليبرالي. وما سمي بـ«الانفتاح» تحوّل إلى الميزة الأساسية لحكم السادات. وهو ينظر (أيضاً) إلى مسألة تحرير الاقتصاد بصفتها جزءا من محور إعادة توجيه العلاقات الخارجية لمصر بعيداً عن الاتحاد السوفياتي».
وتضيف أنّ السلام النسبي والمساعدات العربية الكبيرة ساهما منذ حرب 1973 بتحقيق بعض التحسن الخفيف في الاقتصاد المصري وفي الدفع نحو تحريره. لكن التقرير يشير في هذا الجانب إلى أنه وبعد ستة أعوام في الحكم، لا يزال السادات بعيداً عن تحقيق أهدافه الاقتصادية.
وكدليل على تراجع أداء الاقتصاد منذ حرب العام 1973، تظهر الوثيقة الأرقام التالية: سجل الاعتماد على موارد التمويل الخارجي ارتفاعاً بدل أن يتقلص، وارتفع العجز من 650 مليون دولار إلى 2,5 مليار بين العام 1973 والعام 1975. وبالتالي، يشير التقرير إلى الحاجة المصرية الملحة للإبقاء على المساعدات العربية، من السعودية والكويت والإمارات العربية المتحدة.
وفي هذا الصدد ترى الوثيقة، الموجهة إلى الرئيس كارتر، أنّ السادات يواجه معضلة حقيقية. إذ «ستؤدي حزمة الإصلاحات الاقتصادية التي تجري مناقشتها مع صندوق النقد الدولي إلى زيادة في التضخم وانخفاض في الاستهلاك على المدى القصير، فيما ظهر في وقت سابق أنّ النتائج السياسية لمثل هذه التوجهات تبدّت في أعمال الشغب التي اندلعت بسبب ارتفاع الأسعار في شهر كانون الثاني».
وتقول وثيقة وكالة الاستخبارات المركزية إنّ «السادات يأمل في أن يتم حل هذا التضارب بين المتطلبات الاقتصادية والسياسية خلال المحادثات الجارية مع صندوق النقد الدولي أو خلال اجتماع لكبار المانحين والذي سيدعو إليه البنك الدولي للإنشاء والتعمير خلال العام الحالي. وإذا لم تظهر حلول، يبدو أن السادات سيميل إلى العمل وفق أسس اقتصادية مؤقتة، آملاً في أن يستمر المانحون العرب في إنقاذه من على حافة كارثة مالية».
وعند تناول الوثيقة للتداعيات المحتملة للاضطراب السياسي والاقتصادي في البلاد على وضع السادات في الحكم، فإنها تشير إلى أنّ «التقاليد المصرية تضع رئيس البلاد في مستوى عال، ما يوفر للسادات بعض الإمكانات كي ينأى بنفسه عن القرارات (الحكومية) غير الشعبية. إضافة إلى ذلك، فإنّ المعارضة غير منظمة ولا يستطيع المجتمع المدني قلب الحكومة. وقليل ما هو معروف حول ميول الجيش، وهو القوة الوحيدة القادرة على صنع انقلاب».
لكنها تضيف أنّ السادات سيصبح في موقف أضعف إذا لم يسجَّل تقدم في الحالة الاقتصادية لمعظم المصريين ولم تسجل كذلك حركة ملموسة في مفاوضات السلام العربية الإسرائيلية. وتزعم أنّ «التقدم في المفاوضات سيؤدي، على الأقل مؤقتاً، إلى تعزيز مصداقية السادات، وإلى التخفيف من المطالب العسكرية الملحة لتأمين مصدر تسليح جديد، و(كذلك) إلى تحويل التركيز الشعبي عن الهموم الاقتصادية».
ويقول معدو الوثيقة إنّه «في غياب التقدم في المفاوضات وفي غياب أي تحسن اقتصادي، فإنّ احتجاجات واسعة وعنيفة، ينظمها عمال و/أو طلاب، يمكن أن تسجل من جديد، ويمكن للفوضى الناشئة أن تحث الجيش، حتى لو لم يكن منظماً، للتحرك ضد السادات، للإطاحة به».
وفي هذا الصدد تشير الوثيقة إلى انه «سيكون للعام الحالي أهمية حاسمة ليس فقط بالنسبة للسادات ولكن أيضاً بالنسبة لموقع الولايات المتحدة في الشرق الأوسط». وترى أنه سيكون العام الذي «سيجري خلاله اختبار السادات: لقد عمل على تنمية تطلعات مرتبطة بتحسين الاقتصاد، وبالتقدم في مفاوضات السلام، وبالحصول على أسلحة متطورة، وبالتالي عليه إظهار بعض النتائج إذا أراد البقاء للعام التالي»، ما قد يفتح الباب واسعاً أمام السادات لاختيار حلول لم تكن مطروحة سابقاً، ومنها …. التوجه إلى إسرائيل.

صحيفة السفير اللبنانية

 

 

أوباما لبّى رغبة ...
الطريق إلى «كامب ...

تحليلات سياسية

الطريق إلى «كامب ديفيد» في وثائق الـ«سي آي إيه» (1) بدائل وخيارات أميركية بشأن الشرق الأوسط (محمود مروة)

 

محمود مروة

كشفت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية «سي أي آيه»، في 13 تشرين الثاني الحالي، النقاب عن 250 وثيقة سرّية تتضمن 1400 صفحة. تغطي هذه الوثائق المرحلة الممتدة بين كانون الثاني العام 1977 وآذار العام 1979، وهي وثائق أعدّتها الوكالة لدعم المفاوضات التي كان يعقدها الرئيس جيمي كارتر مع كل من الرئيس المصري أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن، والتي قادت إلى توقيع «معاهدة كامب ديفيد» وما تلاها من ترتيبات.
وتنشر «السفير» أبرز ما تضمنته تلك الوثائق انطلاقاً من الأحداث المرتبطة بها، بدءاً بـ«الاستراتيجية الجديدة» التي وضعتها إدارة كارتر للشرق الأوسط، مروراً بـ«انتفاضة الخبز» في مصر، والزيارة المفاجئة التي قام بها السادات إلى القدس المحتلة، ومن ثم توقيع الاتفاقات الإطارية بين مصر وإسرائيل، ونتائج زيارة كارتر لمصر والأراضي المحتلة، وصولاً إلى توقيع الاتفاق النهائي بين السادات وبيغن.

÷ إدارة كارتر والاستراتيجية الجديدة

مع وصول الديموقراطي جيمي كارتر إلى سدة الرئاسة في بلاده بداية العام 1977، كان الشرق الأوسط يعيش في ظل مخاض ما سُمّي بتسويات السلام، المتعثرة، والتي وضع أسسها المباشرة وزير الخارجية الأسبق هنري كيسنجر.
ففي تلك الأيام، كانت الأمم المتحدة، ومن خلفها الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، قد فشلت في استئناف أعمال مؤتمر جنيف للسلام، الذي انعقد في شهر كانون الأول العام 1973. كما أنّ الرئيس المصري أنور السادات كان قد وقّع على اتفاقيتي سيناء الأولى والثانية مع الطرف الإسرائيلي بهدف «فض الاشتباك»، والتي نتج منها نفور وابتعاد بين الأطراف العربية المعنية. كما أنّ الاعتراف بتمثيل القوة الفلسطينية في أي مفاوضات مقبلة رفضته إسرائيل بصرامة. فدفعت الأسباب المذكورة بالمفاوضات إلى طريق مسدود.
إزاء ذلك، تكشف وثيقة سريّة أنه في 21 كانون الثاني العام 1977، أصدر مستشار الأمن القومي الأميركي زبغنيو بريجينسكي مذكرة مقتضبة يقول فيها إلى المعنيين إنّ الرئيس جيمي كارتر وجّه بأن تشرع لجنة مراجعة السياسات، تحت إشراف وزارة الخارجية، بإجراء تحليل حول السياسات البديلة بخصوص القضايا المتعلقة بالشرق الأوسط على المدى القصير وحول تسوية السلام بين العرب وإسرائيل، بشكل أوسع.
وتشير المذكرة إلى أنه ينبغي على الدراسة أن تحلل الخيارات التي يمكن التعامل معها خلال الأشهر الستة المقبلة والمتعلقة بمباحثات السلام في الشرق الأوسط، أي ووفقاً للمذكرة، سياسة استئناف مؤتمر جنيف، ضمن نقاط أخرى. وتوضح المذكرة أنّ المطلوب في هذا السياق هو مراجعة مواقف مختلف الأطراف، مع تقديم تقدير لإمكانية بدء محادثات جدية خلال العام الحالي.
واستناداً إلى الوثائق التي نشرتها وكالة الاستخبارات الأميركية، يبدو أنّ مذكرة أعدتها الوكالة ذاتها في 4 كانون الثاني 1977 حول الوضع في الشرق الأوسط قد ساهمت في تفعيل السياسة الأميركية تجاه ما يسمى بقضية السلام في الشرق الأوسط.

÷ العرب: بين «جنيف» ومخاطر الحرب

تشير الوثيقة المذكورة إلى أنّ العرب يتوقعون انعقاد مؤتمر جنيف، بحضور الفلسطينيين، بعد إجراء الانتخابات الإسرائيلية في شهر أيار. وتلفت المذكرة في سياق ما تقدمه إلى أن الفشل في تحقيق ما يعتبره العرب تقدّما ديبلوماسيا أساسيا بحلول نهاية العام 1977 سيقود إلى ابتعاد بين الولايات المتحدة وكل من سوريا ومصر، كما سيقود إلى أن تدعم السعودية المطالب بزيادة أسعار النفط، إضافة إلى تجديد التحضيرات العربية إلى حرب محدودة، على الأقل، بغية تحقيق أهدافهم السياسية.
وتربط الوثيقة أيضاً تاريخ الانتخابات الإسرائيلية المفترضة في 17 أيار 1977 بالاجتماع الوزاري لمجموعة «اوبك» الذي كان مقرراً عقده في شهر تموز. فتقول إنه «إذا شعر السعوديون بالخيبة، قد يؤيدون ما يطلبه أعضاء آخرون في اوبك من رفع في أسعار النفط بنسبة 10 إلى 15 في المئة. بالتالي، فإنّ الأشهر الستة الأولى من العام 1977 ستشكل فترة حرجة، والتي في خلالها لن يطالب العرب بالضرورة بتقدّم جوهري (بخصوص المفاوضات)، بل سيبحثون عن إشارات من الإدارة (الأميركية) الجديدة تفيد بأنها لن تعمل على إدامة مأزق المفاوضات خلال العام الحالي».
وترى الوثيقة أنه «لا يبدو أنّ العام الحالي سيسجل تقدماً سريعاً أو كبيراً على صعيد المفاوضات، حتى ولو انعقد مؤتمر جنيف. لا نرى إشارات تظهر أنّ الدول العربية الأساسية، أو إسرائيل، حاضرة لتقديم تنازلات تسمح بتحقيق التقدم … مع ذلك، فنحن نعتبر أنّ لا العرب ولا إسرائيل يعتقدون أنه سيكون من مصلحتهم الدفع نحو انهيار المفاوضات ما دامت المحادثات تسير».
جدير بالذكر أنّ الملحق المرفق بالوثيقة يتناول الوضع العسكري في المنطقة، ويقول إنّ «إسرائيل زادت تفوقها العسكري في وجه خصومها العرب منذ حرب تشرين العام 1973 … (وبرغم ذلك) لا يمكننا استبعاد احتمال أنّ العرب قد يقبلون المخاطرة وتجديد القتال لتحقيق فوائد سياسية. ولذلك، فإنّ إسرائيل تواجه احتمالات الحرب طوال الأعوام الخمسة المقبلة».
وبرغم ما أُشير إليه، فإنّه وفقاً لعدد من التحليلات والدراسات المستندة إلى الواقع العسكري لكلا الطرفين، تستنتج الوثيقة، في إحدى النقاط، أنّ «إسرائيل قادرة على الرد على هجوم مصري سوري وإلحاق الهزيمة بالجيشين في غضون أسبوعين».
قبل الدخول في تناول الظروف التي سبقت توقيع «معاهدة كامب ديفيد»، فإنّ وثيقة أخرى معدّة بتاريخ 18 شباط 1976 جديرة بأن تُبرز لأنها قد تظهر بعضاً من جوانب العلاقة بين واشنطن والدول العربية.

÷ العرب والنظرة إلى أميركا

ترى الوثيقة المذكورة أنه قبل عقد من الزمن، كان يمكن تصنيف القادة العرب بين «محافظين» و«تقدميين». بالنسبة لـ«المحافظين»، فإنّ الغرب والولايات المتحدة يمثلان قوة إيجابية في وجه «الشيوعية الإلحادية». أما بالنسبة لـ«التقدميين»، فإنّ الولايات المتحدة، بصفتها زعيمة للعالم الغربي، فإنها ترمز إلى الاستعمار الغربي وتمثل القوة التي أوجدت، وتحافظ، على وجود إسرائيل في المنطقة.
وتضيف الوثيقة أن اليوم لا يمكن تصنيف الدول العربية بهذه الطريقة التبسيطية أو بطريقة التوزيع بين أبيض وأسود. وترى أن «الولايات المتحدة تحمل مفاتيح بعض أهم الأهداف العربية: إذا كانوا يريدون استعادة الأراضي التي احتلتها إسرائيل، فإنّ ذلك يأتي فقط عبر جهود الولايات المتحدة؛ بإمكان الولايات المتحدة تزويد مشاريع التطوير الاقتصادي بالتكنولوجيا اللازمة؛ كما يمكن للولايات المتحدة تأمين سوق لنفطهم». وتضيف أنه «مع بعض الاستثناءات، فإنّ جميع الدول العربية وصلت إلى النقطة التي تمكنها من إزالة الغمائم الإيديولوجية التي جعلتها يوماً غير راغبة بالاعتراف، وغالباً بإدراك، فوائد التعاون العربي الأميركي».
وتعتبر الوثيقة أنّ مدى استعداد أي دولة عربية للعمل في هذا الإطار مرتبط بنمط عمل زعيمها وبدرجة البراغماتية المتمتع بها. إنّ «الحكم في العالم العربي هو مسألة شخصية إلى حد كبير».
وبالنسبة لمصر تحت حكم السادات خلال الأعوام القليلة الماضية، فإنها، وفقاً للوثيقة، تقدم «المثل الأكثر لفتاً للأنظار حول المرونة العربية المتزايدة خلال السعي إلى تحقيق أهداف استراتيجية». وتشير الوثيقة إلى أنّ «السادات يعتقد أنّ الولايات المتحدة … تمتلك كل الأوراق الخاصة بالوصول إلى تسوية تتعلق بانسحاب الإسرائيليين من الأراضي العربية المحتلة عبر طريق التفاوض».
تكمن أهمية هذه المقدمة الموجزة بالتعريف في بعض جوانب الإطار التي سارت ضمنه سياسة السادات وواشنطن، إلا أنّ الصورة لا تكتمل دون الحديث عن الوثيقة السريّة، التي أشرفت على إعدادها وكالة الاستخبارات المركزية في شباط العام 1977، والتي تقدم للإدارة الأميركية دراسة حول أوضاع مصر في ظل حكم السادات، وتطلعات الأخير.

صحيفة السفير اللبنانية

الطريق إلى «كامب ...
الإخوان والخمينيون ... ...

developed by Nour Habib & Mahran Omairy