القضية الفلسطينية آخر حلقات الكفاح ضد الاستعمار

عرض ومناقشة: محمد الخولي

الناشر: جست وورلد بوكس، نيويورك، 2015

عدد الصفحات: 238 صفحة

يأتي هذا الكتاب بفصوله السبعة، أقرب إلى مرافعة سياسية أو إلى مذكرة دفاع بليغة بكل معنى الكلمة عن حق الشعب الفلسطيني في مواصلة النضال من أجل نيل حقه المشروع في تقرير المصير وفي تأسيس دولته الوطنية المستقلة على أرضه في الضفة الغربية وقطاع غزة.

ثم يكتسب الكتاب ما يوصف بقيمته المضافة بحكم أن مؤلفه ليس كاتباً أو سياسياً عربياً ولكنه أكاديمي وفقيه قانوني أميركي منتسب إلى واحدة من أعرق جامعات الولايات المتحدة….

وقد ظل يعمل على مدار ست سنوات مكلفاً من جانب الأمم المتحدة في موقع مقرر حقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة، مما أتاح له بالطبع أن يرصد ويسجل من موقعه الأكاديمي والدولي وموضوعيته المستمدة من اختصاصه في القانون الدولي، مسارات كفاح الشعب الفلسطيني من أجل حقوقه المشروعة وفي مواجهة السلوكيات القمعية ـ العنصرية ـ اللاإنسانية التي ظل مؤلف الكتاب يسجلها ويرصدها بحق إسرائيل..

وهو ما جعل الكتاب يخلص أولا إلى مشروعية هذا النضال الفلسطيني، فيما يخلص ثانياً إلى الآفاق الواعدة لوصول هذا النضال إلى تحقيق طموحاته المشروعة، بقدر ما تحققت بالقدر نفسه طموحات شعب جنوب أفريقيا في التحرر من ربقة نظام الفصل العنصري (الأبارثيد) الذي سبق وأن فرضه المستوطنون البيض في البلد الافريقي المذكور.

في عام 1978، بدأت الأكاذيب تنكشف وتسللت أشعة من شمس الحقيقة. كان ذلك بعد انقضاء ثلاثين عاماً على الاعلان الرسمي لقيام كيان في قلب المشرق العربي حمل من يومها اسم إسرائيل.

لكن استغرق الامر عشر سنوات أخرى إلى أن أعلنت أوساط البحث العلمي ـ التاريخي في إسرائيل نفسها عن مدرسة جديدة في علم التاريخ حملت من يومها عنوانها المعروف وهو: »المؤرخــون الجــدد«، وهي مجموعة من دارسي التاريخ وأساتذته ممن عكفوا على الوثائق التي تم الإفراج عنها بعد انقضاء السنوات الثلاثين التي ألمحنا إليها، ومن ثم بدأت تلك المستندات تميط اللثام عن سيل الاكاذيب التي ظلت تروج لها حكومات الكيان الصهيوني في الأرض الفلسطينية..

وأيضاً عن بعض الحقائق التي تشهد في مجموعها بما تعرض له الشعب العربي الفلسطيني، ليس فقط من ضروب الاضطهاد والقهر المسلح على يد عصابات الإرهاب الصهيوني، ولكن أيضاً من أحابيل الاكاذيب ومؤامرات خلط الحقائق بهدف تكريس الكيان المغتصب للأرض العربية، وهو الكيان القائم على محاور ثلاثية تمثلت على نحو ما أجمع عليه المحللون المنصفون في محاور العنصرية والتوسع والإرهاب.

والحاصل أن ترددت في إطار مجموعة المؤرخين الجدد في إسرائيل أسماء من قبيل بني موريس وإيلان بابيه وآفيه شلايم وتوم سيجيف ومَنْ في حكمهم من الباحثين، الذين استرعوا الاهتمام بفعل الآراء التي طرحوها مخالِفةً للرواية الرسمية التي رافقت قيام وإعلان الكيان الاسرائيلي في 15 مايو 1948..

وكانت رواية مفعمة بأكاذيب التضليل وتزييف الحقيقة، ولاتزال. وبرغم ما قوبلت به مجموعة المؤرخين الجدد من تحفّظ ومعارضة بلغت حد التهجم والاستنكار إلا أن طروحات هذه المدرسة المستّجدة في مضمار البحث في التاريخ السياسي، ما لبثت أن تبلورت واستقرت وعوملت بقدر ملحوظ من الجدية والاهتمام وفي مقدمتها طروحات البروفيسور آفيه شلايم والبروفيسور إيلان بابيه على وجه الخصوص.

وأولهما هو أستاذ العلاقات الدولية بجامعة اكسفورد، وقد أصدر كتابه المحوري بعنوان »الجدار الحديدي«، حيث يدين، ولايزال، تصرفات الكيان الصهيوني إزاء حقوق عرب فلسطين. والثاني أستاذ بجامعة إكستر البريطانية، وقد ركز الكثير من بحوثه ودراساته على الجانب العنصري من سياسات إسرائيل.

فلسطين والأمل المشروع

تلك هي الخلفية السياسية ـ الأكاديمية التي عمد على أساسها أستاذ أكاديمي أميركي هذه المرة إلى نشر أحدث كتاب من تأليفه تحت العنوان التالي: »فلسطين.. مشروعية الأمل«.

صدر هذا الكتاب الذي نعايش مقولاته على مدار هذه السطور في منتصف نوفمبر الماضي، ولايزال محل متابعة وتحليل من جانب جمهرة المحللين في أميركا وإسرائيل وربما في بقاع أخرى من عالمنا، حيث ترجع هذه الاستجابات إزاء كتابنا إلى عوامل متباينة نحاول إيجازها على النحو التالي:

إن مؤلف الكتاب هو البروفيسور ريتشارد فولك، وهو أستاذ اختصاصي في القانون الدولي بواحدة من أهم جامعات أميركا وهي جامعة برنستون التي لاتزال تعتز بقسم دراسات الشرق الاوسط العريق بين فروعها الأكاديمية بعد أن قام بتأسيسه البروفيسور العربي الاصل فيليب حتى منذ ثلاثينات القرن العشرين.

نلاحظ أيضاً أن مؤلفنا لم يعمد إلى تجميع المادة ومن ثم أصدر الكتاب، إلا بعد أن أكمل سنواته الست التي أمضاها شاغلا لموقع بالغ الاهمية بالنسبة للقضية الفلسطينية ومن ثم في مضمار الصراع العربي- الصهيوني.

شغل البروفيسور فولك على مدار هذه السنوات موقع المقرر الخاص المعنى بالضفة الغربية وقطاع غزة مكلفاً بذلك من جانب منظمة الأمم المتحدة.

بهذا يتميز الكتاب بأنه لا يكتفي بداهة بالجانب التنظيري ـ الأكاديمي، وإنما يقرن هذا الجانب مع جانب الخبرة الميدانية المستقاة مباشرة من أرض الواقع المنتفض بالأحداث والمنطوي بداهة أيضاً على كل من يرتبط بصناعة وإدارة هذه الأحداث من أفراد وشخصيات.

هكذا، وعلى مدار الفترة الفاصلة بين شهري مارس من عام 2008 ومارس من عام 2014 ظل مؤلف هذا الكتاب متفرغاً ومكلفاً بإعداد وتقديم تقاريره الرسمية عن ملابسات وتطورات الصراع الاسرائيلي ـ الفلسطيني إلى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة..

فيما ظل ريتشارد فولك يسجل حصائل هذه الخبرة الميدانية ـ العلمية ـ الدولية ـ الإنسانية في مقالات عديدة اختار بعد انتهاء الولاية الدولية المكلف بأن يُودِعها بين دفتي الكتاب الذي نعرض له في هذا المقام.

7 فصـــول

اختار المؤلف أن يقسم الكتاب إلى 7 فصول، وعمد إلى التمهيد لطروحات كل فصل منها بمقدمة تحليلية بحيث باتت فصول الكتاب ـ فضلا عن مقدماتها ـ أقرب إلى مرآة صادقة تعكس، في رأي محللي هذا الكتاب منذ صدوره في أميركا، مقدرة وكفاءة المؤلف، بل نضيف من موقعنا اليعربي…

ونزاهة المؤلف الذي أثبت ـ كما يذهب إلى ذلك المحللون المنصفون ـ أنه لم يكن مجرد خبير دولي معني بمجال حقوق الإنسان بقدر ما أكد لقارئي هذا الكتاب أنه مراقب سياسي بالغ الحصافة، فضلاً عن كونه، وهذا هو الاهم في تصورنا أيضاً، صوتاً معبراً عن البُعد الاخلاقي ـ الإنساني والحقوقي في التعامل مع قضية الشعب الفلسطيني.

ولأن ريتشارد فولك يصدر ـ كما أسلفنا ـ عن عقلية قضائية، بمعنى عقلية تتوخي بداهة جانب العدل والانصاف ـ فقد أدار المؤلف فصول كتابه السبعة على محور أساسي يمكن تلخيصه فيما يلي:

عن المقاومة الفلسطينية

ومرة أخرى، وبمنطق القاضي الذي لا يصدر أحكامه إلا بعد أن يطمئن وجدان المحكمة على نحو ما اصطلحت عليه أدبيات السلطة القضائية وتراثها الطويل .

ـ لابد وأن يلحظ قارئ هذا الكتاب كيف أن المؤلف ـ أستاذ وخبير القانون الدولي ـ لا يتورع عن تفهّم مسارات المقاومة الفلسطينية، سواء اتبعت مشروعية السلاح بوجه الغاصب العنصري ـ المستوطن المحتل، أو تحولت إلى استراتيجيات اللاعنف عند هذا المنعطف أو ذاك على طريق النضال.

في هذا الخصوص يقول المؤلف على صفحات الكتاب: »ليس لأي طرف خارجي أن يتذرّع بالسلطة الاخلاقية (المعنوية) أو بالمشروعية السياسية لكي يرسم معالم السلوك المطلوب أمام الذين يواجهون بحق نيْر الاضطهاد الذي يكابدون«.

من هذ المنطلق يؤكد المؤلف على أن أبناء الشعب الفلسطيني وحدهم، وهم الذين يكتوون مع مطلع كل صباح بنار احتلال وطنهم ومصادرة أراضيهم ومحاصرة كياناتهم وسبل معيشتهم داخل أسوار من العزل العنصري المعنوي والمادي في آن معاً- هم الذين يملكون الحق دون سواهم في السيطرة على مسارات خطاب تحرير وطنهم، وفي تشكيل الرؤى ورسم الاستراتيجيات المُفضية إلى تحقيق هذا الهدف المنشود.

في السياق نفسه، يتحول منطق كتابنا إلى تفهّم لجوء حركة التحرير الفلسطينية، على اختلاف فصائلها وقواها ومنظماتها إلى استخدام الأساليب العسكرية في بعض الاحيان.

وهنا أيضاً يضيف مؤلف كتابنا قائلاً: يجب النظر إلى هذه الأساليب ضمن سياق الحق المعترف به دولياً للشعوب في أن تستخدم كل الوسائل والسبل التي تستلزمها مقاومة الاحتلال العسكري الاجنبي، والتصدي لحالات فرض الحصار والعقاب الجماعي ونظام إرهاب الدولة من جانب إسرائيل.

ولعل أهم ما يميز مقالات هذا الكتاب في تصورنا هو تركيزه على الجانب العنصري من سياسة الاحتلال الصهيوني لأرض فلسطين، ولهذا تحفل فصول الكتاب بعدة مقاربات تحاول الجمع بين نظام الاستيطان الصهيوني في فلسطين، وبين نظام الفصل العنصري (الابارثيد) الذي سيطر على مقاليد وأقدار جنوب أفريقيا على مدار أجيال عديدة.

تطبيق قاعدة السوابق القانونية

ومرة أخرى، تسود العقلية القانونية التي يصدر عنها مؤلف هذا الكتاب: البروفيسور فولك ـ كما يقول محللو كتابنا، رجل واقعي: صحيح أنه لجأ ـ..

كما نتصور من جانبنا كقارئين- إلى لغة أقرب إلى الشعر في اختيار عنوان الكتاب جامعاً في ذلك بين الأمل والمشروعية، لكن عقلية المؤلف التي لم تعد ممكنة التحقيق على أرض الواقع، بل إنه يلجأ إلى قاعدة السوابق مستخدماً في ذلك منهج القياس على ما سلف من وقائع سبق تسجيلها في دفتر التاريخ ـ المعاصر على وجه الخصوص.

ولما كان الجامع المشترك بين نظام الصهاينة في فلسطين ونظام البوير ـ البيض في جنوب أفريقيا هو العنصرية، فمن الطبيعي أن يطمئن ضمير القاضي.

الربط بين القضية الفلسطينية والشرعية الدولية لحقوق الإنسان

يكاد قارئ هذا الكتاب يشعر بأن المؤلف يجنح، أو يكاد يجنح، إلى تفضيل الأساليب السياسية غير العسكرية، في النضال من أجل الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني. وربما تؤثر عليه في هذا المجال دراسته الواسعة واختصاصه العميق في القانون الدولي…

وهو ما جعله يربط بين القضية الوطنية للشعب الفلسطيني وبين الشرعية الدولية لحقوق الإنسان التي باتت مرجعاً دولياً في زماننا ـ وهو ما تجلى في الإشارة إلى نضالات الشعب الهندي للتحرر من ربقة الاستعمار البريطاني تحت قيادة الزعيم الروحي العظيم المهاتما غاندي الذي لايزال يُعد رمزاً للكفاح المدني والمقاومة السلبية بمعنى غير المستخدمة لأساليب العنف المسلح..

وهو أيضاً ما جعل فريقاً من المعلقين السياسيين الأميركيين، ومنهم كل من توماس فريدمان ونيكولاس كريستوف، يكتبون في صحيفة »نيويورك تايمز« عما وصفوه بأنه الحاجة إلى غاندي فلسطيني، وفي هذا الخصوص يرد البروفيسور فولك مؤلف الكتاب على هذه الدعوات نحو المسالَمة، موضحاً أن أصحاب هذه الدعوات ارتفعت أصواتهم بدعواهم السلمية في حين سكتت هذه الأصوات نفسها..

ـ كما يضيف المؤلف ـ عندما طبقت إسرائيل أسلوب الاعتقال الاداري الذي يرادف، وفق رؤيته القانونية، إجراءات السجن بغير محاكمة وبلا توجيه ذنب أو تهمة، ناهيك بأن هذا الاعتقال ـ الاحتجاز غير المشروع ظلت تحوطه ظروف أقرب إلى الوحشية في سجون إسرائيل.

ثم يخلص كتابنا إلى آخر الاحكام التي عمد المؤلف إصدارها ـ بعقليته القضائية التي أشرنا إليها. وهذا الحكم النهائي البائن كما قد نسميه، يقول ما يلي: إن الكفاح الفلسطيني هو آخر حلقة في سلسلة النضال ضد الاستعمار ـ (النضال ضد الكولونيالي كما يصفه مؤلف الكتاب).

مطلوب استبدال الوساطة الأميركية

بالنسبة لأميركا، وجهود وساطتها كدولة عظمى، تميل طروحات هذا الكتاب إلى إزجاء النصح للأطراف ذات الصلة ..

ـ وخاصة الطرف العربي والطرف الفلسطيني والطرف الدولي ـ إلى تحويل مهام الوساطة في قضية الصراع شرق ـ الأوسطي إلى طرف عالمي آخر بخلاف الولايات المتحدة، بعد أن ثبت من واقع الأحداث الماضية عدم قدرتها على حسم مآلات هذا الصراع لصالح الحق الفلسطيني على الرغم من أنه حق مشروع تتردد أصداء الدفاع عنه عبر فصول هذا الكتاب.

المؤلف

في نوفمبر المقبل، يكمل البروفيسور ريتشارد فولك عامه الخامس والثمانين، فيما تتسع شهرته باعتباره واحداً من أساتذة وفقهاء القانون الدولي. وقد درس القانون في كبرى الجامعات الأميركية..

واشتهر برفضه للعدوان على حقوق الشعوب. وقد ترّأس لجنة التحقيق المعنية بحقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة عام 2001، وبعدها شغل أيضاً وظيفة مقرر الأمم المتحدة المعني بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية منذ عام 1967.

صحيفة البيان الأماراتية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى