درعا «الثورة»… سبع سنوات غيّرت «الكون»!

 

دمشق | غابت درعا بمدنها وقراها لأكثر من عامين عن خريطة المعارك العسكرية في سوريا. غياب فرضته أولويات الجيش السوري، والإشارات الشعبية الإيجابية تجاه الدولة المركزية، التي قادت إلى تهدئة غير معلنة شملت مناطق كثيرة في المحافظة الجنوبية الأكبر، وشجعت، إلى جانب الانفتاح الذي أبدته الحكومة حيال السماح بتنقل الأفراد والبضائع، نازحين كثيرين على العودة إلى مدنهم وقراهم خلال العامين الأخيرين.

كغيرها من المحافظات، نالت الحرب، بقسوة، من حياة سكان المحافظة اقتصادياً واجتماعياً، فكان أن شهدت درعا أولى موجات النزوح الداخلي والخارجي، وزادت وفياتها من مختلف الأعمار والفئات، وفقدت مدنها ومناطقها العديد من مصادر دخلها ومؤشراتها التنموية المتراكمة منذ سنوات طويلة. لكن ما إن ساد الهدوء جبهات القتال الرئيسة في العامين السابقين، حتى عادت المحافظة لتستعيد بعضاً من عافيتها الاقتصادية والاجتماعية، وهذا ما تؤكده المؤشرات والبيانات الإحصائية الصادرة عن منظمات دولية وحكومية.

نزوح وشتات

مع أن درعا كانت – إلى جانب إدلب – من أولى المحافظات التي صدّرت لاجئين إلى الدول المجاورة، إلّا أنها تميزت عن غيرها من المحافظات بكونها استطاعت استيعاب معظم نازحيها الهاربين من المعارك التي دارت خلال السنوات الأولى للحرب بين وحدات الجيش والفصائل المسلحة، حيث تذهب تقديرات مسح السكان الذي جرى في عام 2014 إلى أن عدد سكان محافظة درعا بلغ نحو 776 ألف شخص، منهم 445 ألف شخص مستقرين مكانياً، و331 ألفاً يصنفون في خانة النازحين.

وتضيف البيانات أن ما يقرب من 82% من نازحي المحافظة توزعوا على مدنها وقراها الآمنة والبعيدة عن جبهات القتال، وما بقي من النازحين، والبالغة نسبتهم نحو 18%، خرجوا باتجاه ثلاث محافظات فقط هي تبعاً لنسبة ما استقبلته من نازحي درعا: ريف دمشق، السويداء، ودمشق. مع العلم أن المحافظة استقبلت هي الأخرى عائلات نازحة من المحافظات الثلاث المذكورة سابقاً، وإن بنسب قليلة.

وتظهر البيانات الخاصة بالتوزع النسبي لنازحي المحافظة حسب مكان الإقامة الأسباب التي حدت النازحين إلى البقاء في محافظتهم، إذ إن نحو 45% من هؤلاء النازحين استضافهم المجتمع المحلي، في حين أن نحو 35% فضلوا أو لم يجدوا خياراً سوى اللجوء إلى استئجار منازل وشقق سكنية، أما من بقي من النازحين، فكانت إقامتهم إما في مراكز إيواء غير مسجلة، وهؤلاء تجاوزت نسبتهم نحو 7%، أو في مراكز إيواء مسجلة ونزلاؤها كانوا بحدود 6% تقريباً من نازحي المحافظة.

ومن بين الأسباب الأخرى لبقاء نازحي المحافظة داخلها، رغبة معظمهم في العودة إلى مدنهم وقراهم فور استقرار الأوضاع الأمنية فيها. فإذا كانت نية نحو 20% من النازحين تتجه للاستقرار في أماكن إقامتهم الحالية، فإن نحو 74% يفضلون العودة إلى أماكن إقامتهم الأصلية، وهناك فقط 6% من إجمالي نازحي المحافظة يفكرون في الاستقرار في مكان ما داخل سوريا.

في ملف لجوء أبناء المحافظة وهجرتهم إلى خارج البلاد، تحضر بيانات كثيرة متضاربة، بعضها وُظِّف لغايات وأهداف سياسية من أطراف مختلفة، وبعضها الآخر بقي بعيداً عن الدقة والموضوعية لافتقاده للمنهجية العلمية في إنتاجها.

أما المتاح داخلياً حول هذه الظاهرة، فهو بيانات مسح السكان المنفَّذ بتعاون مؤسسات حكومية ومستقلة، وفيها قُدّر إجمالي عدد السكان المغادرين لمحافظة درعا بنحو 441 ألف شخص، منهم 64 ألف شخص نزحوا لخارج المحافظة. أما العدد الأكبر لمغادري المحافظة، وعددهم نحو 241 ألف شخص، فقد اختاروا اللجوء والتوزع في ثلاث دول عربية هي: الأردن، واستقبل نحو 75% من لاجئي درعا، لبنان 19%، ومصر التي لجأ إليها نحو 6%.

والسواد الأعظم من هؤلاء اللاجئين يعانون من سوء الأوضاع المعيشية، ومن صعوبة الحصول على الخدمات الصحية والتعليمية، ولا سيما في مخيمات الأردن ولبنان. القسم الآخر من مغادري المحافظة، والمقدّر عددهم بنحو 136 ألف شخص، سلك طريق الهجرة نحو دول عربية وأجنبية تصدرتها الأردن باستقبال نحو 35% منهم، فدول الخليج بنحو 34%، وثالثاً لبنان بنحو 20%، ومصر رابعاً باستقبالها نحو 7%. وعلى عكس المتداول، لم تستقبل الدول الأوروبية أكثر من 3%. وتبقى خسارة أرواح البشر الأشد وقعاً وألماً، حيث تشير التقديرات حتى منتصف عام 2014 إلى أن نسبة الوفيات الناجمة مباشرةً عن الأزمة وصلت إلى نحو 77%، بينما كانت نسبة الوفيات غير المباشرة نحو 22.6%، وغالباً ما ترتبط الأسباب غير المباشرة بالنقص الحاد في الخدمات الصحية والعلاجية لجميع الفئات العمرية.

فقر وظواهر سلبية

سرقت الحرب من درعا خيراتها التي لطالما عُرفت بها، محوّلة بذلك نحو 45% من سكانها إلى خانة المعدومين غذائياً، وفق نتائج مسح الأمن الغذائي المنفذ بين برنامج الغذاء العالمي والحكومة السورية في عام 2015، ولتحتل بذلك درعا المرتبة الخامسة بين المحافظات الأكثر انعداماً في أمنها الغذائي، كذلك فإن نسبة سكانها المهددين بفقدان أمنهم الغذائي تجاوزت في ذلك العام نحو 40%، وبذلك يكون فقط 15% من سكان المحافظة في مأمن من أي تهديد غذائي.

ووفق اعتقاد أسر المحافظة، التي كانت من ضمن عيّنة مسح الأمن الغذائي، هناك ثلاث مشكلات رئيسية أثرت مباشرةً بالأسواق المحلية، وهذه المشكلات وفقاً لترتيبها هي: ارتفاع تكاليف النقل وانخفاض الاستقرار الأمني، والاضطرابات الأمنية، والظروف غير المستقرة.

لكن هدوء العامين الأخيرين، وما رافقه من سماح الحكومة بدخول المحاصيل الزراعية المنتجة في مناطق سيطرة الفصائل المسلحة وعودة السكان لمزاولة أنشطتهم الاقتصادية، أسهم في تحسن محدود لمؤشرات الأمن الغذائي الخاصة بالمحافظة وفق ما حملته نتائج النسخة المحدثة لمسح تقييم الأمن الغذائي لعام 2017، التي أشارت إلى تراجع نسبة السكان المعدومين غذائياً لتصل إلى نحو 42.5%، وإلى زيادة نسبة السكان الآمنين غذائياً لتبلغ نحو 17.1%، فيما حافظت نسبة السكان المهددين بفقدان أمنهم الغذائي على حالها، مسجلة نحو 40%.

وتذهب تقديرات مدير الإحصاءات السكانية في المكتب المركزي للإحصاء سابقاً، علي رستم، إلى أبعد من ذلك، مؤكدة أن درعا هي المحافظة الثانية بعد دير الزور لجهة نسبة سكانها المصنفين تحت خط الفقر الأعلى والبالغة نحو 95% مع نهاية عام 2016.

74% من النازحين يفضّلون العودة إلى أماكن إقامتهم الأصلية

وتكشف التقديرات أيضاً أن نسبة 80% من السكان يمكن أن تصنفهم أوضاعهم بأنهم تحت خط الفقر الأدنى، وأكثر من ذلك فإن 41% تقريباً من سكان درعا يدخلون في خانة الفقر الغذائي، رغم أن عائلات المحافظة ينفقون ما نسبته 56.6% من إجمالي إنفاقهم الشهري على الغذاء، مقارنة بـ 47.2% في عام 2009، علماً بأن ازدياد نسبة إنفاق العائلة على الغذاء يعني تراجعاً في المستوى المعيشي للعائلات. وكان من الطبيعي في ظلّ وضع معيشي متدنٍّ كهذا، وانفلات أمني واسع، أن تتبدل الأحوال الاجتماعية وتنزلق نحو الأسوأ، فالظواهر الاجتماعية السلبية التي بقيت مؤشراتها في المحافظة محدودة أو حتى معدومة لسنوات، شهدت نمواً واضحاً في زمن الحرب، من حيث زيادة جرائم القتل، الخطف، السرقة، التهريب، الاحتكار، والإتاوات، وبنسب توازي المحافظات الأخرى التي كانت تحت سيطرة المجموعات والتنظيمات المسلحة بمرجعياتها وتسمياتها المختلفة. فمثلاً، مقياس جرائم الخطف ارتفع من نحو 0.1 إلى نحو 1.7%، السرقة من 1.0 إلى 2.8%، التهريب من 0.3 إلى 1.6، والاحتكار من 1.4 إلى 3.6%، ووفقاً لما جاء في ورقة عمل قدمها الباحثان نبيل مرزوق وزكي محشي لجمعية العلوم الاقتصادية، قُدِّرَت نسبة ممارسي الأنشطة غير القانونية من سكان المحافظة بنحو 23%، لتكون بذلك من بين أكبر خمس محافظات بممارسة سكانها للأنشطة غير القانونية. كثيرون يرون أن درعا بعد انتهاء معاركها لا تحتاج لأكثر من إطلاق يد أبنائها فيها لتعود كما كانت، سلة غذاء الجنوب ومعبراً اقتصادياً وتجارياً رئيساً لسوريا مع الدول المجاورة، ولا سيما أنها تحوي مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية، وعدداً كبيراً من المغتربين والعاملين في الدول العربية والأجنبية.

صحيفة الأخبار اللبنانية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى