سعيد بوخليط يدرس جماليات باشلار

 

يصل الناقد والباحث المغربي د.سعيد بوخليط بدراسته “جماليات باشلار” إلى حلقة أخرى من اشتغالاته على شعرية العالم والفيلسوف الجمالي الفرنسي غاستون باشلار، حيث وضع لاستراتيجيته التنقيبية منذ إصداره الأول الذي سماه “باشلاريات” العمل على سبر أغوار مختلف حيثيات مضامين، تجليات وممكنات مشروع باشلار، حينما توجهت قراءاته واستلهاماته إلى النصوص الأدبية والفنية.

وعلى الرغم من أن بوخليط أنجز ثلاثة كتب “غاستون باشلار: عقلانية حالمة”، و”غاستون باشلار: نحو أفق الحلم“، و”غاستون باشلار: بين ذكاء العلم وجمالية القصيدة”، إلا أنه يشير في تقدمته لكتابه الجديد الصادر عن دار ظلال وخطوط الأردنية إلى إحساسه في قيرورة نفسه أنه لا يزال بالكاد عند بداية عتبة التراث الباشلاري الهائل. وقال “ما هيأته لحد الآن يبقى مجرد مقدمات مفهومية قصد استيضاح معجم أطروحاته الكبرى، لكن في الآن ذاته، تتعرى بكثافة وضخامة مختلف الشعب والروافد المعرفية التي استثمرها النص الباشلاري، وهو ما يلزمني ويضع على عاتقي مسئولية فتح أوراش متعددة تنصب محتوياتها على مختلف إطارات شعرية باشلار تاريخيا، تحققا ثم أفقا، وهي ترسم لذاتها ثلاثة محاور مهمة للغاية، فيما يتعلق بالدراسات الأكاديمية المنصبة على نظرية الأدب، أقصد بذلك: أولا المرتكزات الإبستمولوجية للنقد الأدبي، إبان القرن التاسع عشر مع تشكلات المنهج الوضعي. ثانيا التطورات المعرفية التي شهدتها العقود الثلاثة الأولى من القرن العشرين، وبداية توضح ملامح القطيعة مع الممكن السابق. ثالثا النماذج المنهجية لما بعد باشلار، حيث نعثر على أغلب الأسماء اللامعة التي أغنت وأثرت البحث الأدبي والجمالي بمفاهيم ومناهج تراوحت بين التعقيد النظري وإجرائية المنهج، فارتقت بالأدب إلى رحابة ولا نهائية النفس الإنسانية.

وأوضح أنه حين نطلع على الأعمال التي أنجزها باشلار، يتبين بالملموس أنه فهم لا تكتمل أنسجته إلا بحصر طبيعة العلاقة التي تتموضع على ضوئها معطيات رئيسية أهمها: أولا؛ نظرية الخيال والتي قلب بها جذريا التقليد الفكري الغربي، وحقق بذلك نقلة أشبه بثورة كوبرنيكية. فدراسة الخيال في ذاته، دون السعي للبحث عن علل خارجية ألّف لبنة محورية لكل الأفق الباشلاري. ثانيا؛ التأكيد على البعد الأولاني والحداثي للصورة الأدبية، كمعطى مباشر وفوري لهذا المنحى الجديد الذي اختاره الخيال الباشلاري. ثالثا؛ نظرية الشعر والشاعرية. رابعا؛ منظومة الميكانيزمات الجمالية، التي منحت باشلار قدرة فكرية حولت العناصر الكوسمولوجية الأربعة إلى روائز حالمة. خامسا؛ لحظية الزمان، ذلك أنه بعد تأمل طويل في النتائج الجديدة التي أتى بها العلم، وتغيرات دلالات الزمان في الفيزياء المعاصرة، إضافة إلى صداقة حميمية مع غاستون روبنل والذي شكل كتابه “Siloë ” بالنسبة لباشلار، ما حدث لدى مالبرانش حين مصادفته لعمل ديكارتl’homme Traité de. قلت، بأنهما مصدران كي يكتشف باشلار في العالم انفصالية موضوعية وانحصار حقيقة الزمان في اللحظة. هذا البعد الميتافيزيقي والأنطولوجي، يحرض على تفاعل مستمر للذات الإنسانية مع الأشياء في أفق تذويت العالم، يؤدي إلى زمانية متوترة.

وتابع بوخليط: إذا، أقام باشلار مدرسة أدبية، أغنت كل التجارب الشعرية التي جاءت بعده أو ما سمي اختصارا بالنقد الأدبي الجديد الذي توزعته البنيوية والموضوعاتية، ثم ساد مخيلة أهم الأسماء النقدية في القرن العشرين، نذكر منهم: بولي، بارت، روسي، جون بيير ريشار، غولدمان، شارل مورون، ستاروبنسكي، غريماس، جينيت.. فبعد أن تغيّا فقط متعة القراءة والتلذذ الحلمي بالنصوص الأدبية وجد نفسه دون أدنى تدبير قبلي أستاذا كبيرا للأدب، مثلما كان فيلسوفا وعالما مجددا لبنية التفكر العلمي. تداخل لديه عشق جامح للرياضيات والشعر، لسبب بسيط يكمن في أنه لا يمكننا فهم “ذرة الفيزياء المعاصرة بغير استحضار تاريخ مجموع صورها”، وبالتالي ستمنحنا حتما نصوص الشعراء الآفاق المحتملة كي نلج هندسات أعقد النظريات العلمية، حيث يصعب بأية وجهة من الوجهات القيام بفصل معرفي بين بودلير وإينشتاين، لأن صور الأول تخلق لنا مناخا لاستيعاب معادلات الثاني”.

ورأى بوخليط أن “التأويل المفهومي للخطاب النقدي الحديث، ليس أمرا هينا، نظرا لتعدد مصادره ومرجعياته وكذا البعد الفلسفي العميق الذي هيكل جسده المعرفي. لقد أصبح بديهيا اليوم، الاعتراف بأن جل النقاد ولجوا بوابة الأدب وهم يفكرون في الفلسفة. فالنزعة الإنسانية التي كانت بعد كل شيء نواة تأويلاتهم، لا يمكن إلا أن نعثر لها على امتداد داخل طيات المذهب الفلسفي القديم منه والحديث. بالتالي إن التفكير في تأملات فيلسوف وأديب مثل باشلار، لا يمكن أن تتأتى بالسهولة التي نعتقد، نظرا لخاصيات العمق والتعدد الدلالي، ثم تداخل مجموعة سياقات معرفية في قالب فكري واحد، صاغه باشلار وفق نموذج شعري جميل. ولعل أهم مؤشر، نلتقطه عند أول اتصال به رؤيته الحالمة للعالم وتآليفاته الكوسمولوجية، تأسست معها ممارسة جدية للذات الإنسانية وتبلور مساحة أخرى بينها والآخرية بكل تمظهراتها. فالأشياء التي لا نعتد بها في حياتنا اليومية، تضطلع هنا بتمظهرات زاخرة شعرا وجمالا، وتتجرد المادة عن مستواها الحي المبتذل كي تكتسي إيحاءات لا متناهية.

وأضاف أن هذه الروح الحداثية المميزة لباشلار، جعلت منه رائدا فكريا نموذجيا، جمع بين حقلين إنسانيين يتصفان طبيعيا بالاختلاف بل والتناقض، عبر إيجاد الحلقة التي ظلت مفقودة، والمعادلة الصعبة، بين التحقق المطلق للعقلانية الإنسانية (الرياضيات) ثم الشعر باعتباره أقصى لحظات الانسياب والانفلات. إن التغيرات المعرفية الصميمية، والهزات المنهجية التي عرفتها ثوابت العلم الكلاسيكي، ألزمت الذات العالمة كي تتموضع بشكل آخر حيال الأشياء. لأن الحقائق لم تعد نفسها والمسلمات أفرزت الأرواح البشرية ونتجت عنها خسائر مادية، لا يمكنها إلا أن تدفع مفكرا من وزن وطينة باشلار كي يتحسس حدوسه وجوارحه، ممتحنا خلاصا لهاته البشرية التي أنهكها لهاثها وراء زيف اليومي، فأفقدها ذلك عقلها، لأن الإحساس بقيم الخير والجمال تلاشي واندثر، فكان لا بد من تكريس قانون بديل عن الشرائع والمنظومات المتعارف عليها. وليس أفضل بهذا الخصوص من حكايات فيلسوف إنساني حتى النخاع.

ولفت بوخليط إلى أن باشلار جمع بين عشق الرياضيات كأقصى حدود للعقلانية، ثم القصيدة. اشتغالات، نادرا ما ينفتح لها قلب الفرد في الآن ذاته. المبرر هنا، قوي ومشروع يتمثل في قدرة الإنسان على التخيل والحلم دوما بأشياء أخرى. أسبقية الحلم على المفهوم، جعلته يجزم بوضوح، عدم إمكانية: “فهم ذرة الفيزياء المعاصرة دون استحضار تاريخ مجموع صورها”. مثلما يستحيل تمثل استراتيجيات عمل العلماء، دون معرفة بخرائطية مدائن ودروب الشعراء. يفترض، حتما أن نكون قارئين جيدين لأشعار نوفاليس/ ريلكه /شييل / بودلير/ إدغاربو…، حتى نقف على آفاق نظريات إينشتاين العويصة جدا. القصيدة مدخل للعلم، مدرسة الشاعر والعالم واحدة”.

وقال: عشق باشلار القصيدة، لاسيما تلك التي تؤسس لفعل شعري أولي، غير مبرر قبليا في هذا الإطار، شكلت شعرية الاتجاه السوريالي مرجعيته النظرية، لأنها ترسم بامتياز كيفيات الزمان الشعري: كان هذا العقلاني النشيط، لا ينام أبدا دون قراءة بعض الأبيات. إنه سعيد جدا بصداقة الشعر والشعراء.. إن القصيدة عثرت مع باشلار على فلسفتها الخاصة، مثلما أوجدت عقلانيته للعلم البنية المفهومية التي تنسجم مع روحه: “وهبت نفسي جسدا وروحا آه متأخرا للعمل الرياضي. لكن منذ أن لمستني القصيدة بشكل متأخرة كذلك، فحياتي كلها تحت تأثير التأخير الآن مع كبر سني لا أريد غير قراءة الكتب الرائعة”. قراءة سعيدة وصامتة، لا ترغب في أي تعليق سوى تلبية عطش القراءة والتماهي مع جماليات اللغة.

وأشار بوخليط إلى إن باشلار وهو يشتغل على مجموعة من النصوص الإبداعية، مستلهما سواء التحليل النفسي أو الرؤية الفينومينولوجية، توخى البحث عن التيمات والموضوعات الأساسية للنص، ثم اكتشاف الصور التي تحمل سمة حلم يقظة مادي. وقد وجد في العناصر الكونية: الماء والنار والأرض ثم الهواء. الاصطلاح الرباعي الذي يترجم نفسيات وأمزجة متنوعة. فأدخل بذلك مفهوم العنصر إلى تاريخ النقد، بعد أن جاء تين Taine بالثلاثية: جنس/ وسط/ لحظة. وسانت بوف بـ مفهوم “عائلة الأفكار”، أما الناقد تيبودي فقد استحضر معطى “الجيل”، ذلك أن العناصر الأربعة: “مختصة في التعبير عن رغباتنا ومخاوفنا الأكثر حيوية: حب، كراهية، إرادة الحياة، غريزة الموت، الرغبة في الهروب من الذات، أحلام المغامرة، الاندفاع الأخلاقي، طموحات صوفية، غريزة التملك.. إلخ. هذه اللغات الأربعة تترجم نفس الأشياء”، فهي، النواة الأساسية التي تمد حسنا الإبداعي بمجالات ممكنة للتبلور والاقتحام الآخر للأشياء المحيطة بنا، غير وجودها المألوف الملموس”.

ولفت إلى أن باشلار يتموقع عند الأفق الأنطولوجي للذات المتخيلة. يستتبع ذلك بالضرورة الوقوف “عند منطلق الصورة”، التي أخذت فها خاصا وأساسيا في الرؤية النقدية الباشلارية: “يجب أن نفهم جيدا بأن الصورة بالنسبة لباشلار ليست بلاغية، ولا هي جزئية من جزئيات النص أنها “تيمة للكل”، وهي تستدعي تضافر الانطباعات الأكثر تنوعا، الآتية من مختلف الاتجاهات. وهي ليست أبدا تأليفا “لإجراء واقعية مدركة أو لذكريات الواقع المعيش” كما هو الحال بالنسبة لثقافة أو لنقد واقعين. والفنان الباشلاري ليس هو الإنسان الذي قام بالملاحظة على أحسن وجه، ولكنه ذلك الذي حلم بصورة جيدة، وإن الصورة هي أثر وظيفة اللاوقعي في النص. يجعل باشلار من: “الصورة الشاعرية مجالا، لا وجود فيه للنظرية ربما هذا ممكن، بل وضروري لأن الصورة هي “حدث نفسي” يجد مكانه في “الوعي الفردي”. ولأن ما يواجهه وما يريد إبرازه عبر “شاعريته” هو الطابع الجديد لكل صورة، كما لو لم يتعلق الأمر فقط بفهم الوعي السابق والمتميز، بل بفهم أحداث فريدة في كل مرة”، أصبح الأدب يفهم بطريقة حميمية، ويتناول النص بروح أخرى تقف في نفس المستوى مع العمق الإبداعي الذي حكم سلوك المبدع.

وأكد بوخليط أن باشلار فتح هذا الأفق الفكري الخصب، الذي راكم معطيات مفهومية كثيرة حول حياة النص، من خلال شعار العودة إلى النص والالتصاق الباطني به لاستكناه سياقاته الذاتية الممكنة، التي تقوم على :أولا ملاحقة الروح الحلمية، والتلوين السيكولوجي الذي تأخذه التجربة الذاتية للمبدع داخل مسارات النص. كي نصادف الوعي المتخيل الذي تحدث عنه باشلار في كل مشروعه. وكان بذلك، من أكبر المستكشفين للحياة الحلمية. ثانيا التأكيد على الأبعاد الحداثية، التي تقوم عليها “نظرية النص” عند باشلار. ثالثا قانون العناصر الأربعة، الذي فتح به باشلار قنوات جديدة للنقد الأدبي. حيث يوضح : “الرغبة المدهشة للاقتحام، والتي تفكر خارج إغراءات تخيل الأشكال في المادة، أي في حلم المادة، والحياة في المادة أو جعل التخيل ماديا”. وسنلاحظ بأن أتباع باشلار، أو ما اصطلح عليهم بالتيار الموضوعاتي. اشتغلوا في العمق، انطلاقا من هذه الثوابت وإن تم التعبير عنها بأشكال وصيغ أخرى.

 

 

ميدل إيست أون لاين

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى