كيف يقود نتنياهو “إسرائيل” إلى أجلها

 

قد يكون كتاب “بنيامين نتنياهو.. عقيدة اللاحل” أهم مرجع لتقييم تجربة رئيس وزراء الاحتلال الحالي بنيامين نتنياهو، فقد نجح المؤلف الباحث الفلسطيني أنطوان شلحت في تقديم قراءة متكاملة لمسيرته السياسية وخياراته، ومرجعياته الأيديولوجية، وما تركه ويتركه من بصمات على مشهد الاحتلال الإسرائيلي، وما يُعبر عنه من توجه نحو اليمين، بما يشمل انحيازه لسياسة الصدام والتوسع على صعيد العلاقة مع الفلسطينيين.

فبعد انتهاء عدوان “الجرف الصامد” الذي استمر 50 يوماً عام 2014 على قطاع غزة، شهدت “إسرائيل” جدلاً حاداً بشأن مقاربة نتنياهو في ما يتعلق بالمسألة الفلسطينية من جهة، وبمستقبل “إسرائيل” من جهة أخرى.

كان أبرز من بدأ هذا السجال هو المؤرخ يحيعام فايتس المحاضر في قسم التاريخ في جامعة حيفا، الذي رأى أن هناك “بنيامين نتنياهو واحداً ووحيداً، وهو الذي يقف وراء مجمل أدائه كرئيس للحكومة الإسرائيلية على مدار ولاياته الثلاث، وشدد على أن هدفه واحد لا يتغير وهو البقاء في السلطة. وهو أول رئيس حكومة في تاريخ إسرائيل يعتبر البقاء في السلطة هدفاً أساسياً، وليس لديه أي هدف آخر يتخطى البقاء في كرسي الحكم”.

فايتس بدأ سجاله من خلال مقال بعنوان “سقوط نتنياهو الثاني” للمحلل السياسي اَري شافيط نشره في صحيقة “هاَرتس” عام 2014 يعتبر فيه أن “هناك نسختين من نتنياهو: نتنياهو في ولايته الأولى خلال التسعينيات، “زعيم شاب، متعجرف، أيديولوجي ومستعد للمواجهة”. وهناك نتنياهو الثاني في ولايتيه الثانية والثالثة، “ناضج، أشيب، براغماتي وحذر”.

ويرى فايتس أن الفرضية التي يستند إليها هذا المقال ليست صحيحة. فليس هناك نتنياهو أول ونتنياهو ثان، هناك نتنياهو واحد، والفارق هو فقط في الوسائل وليس في الهدف. والهدف واحد لا يتغير: البقاء في السلطة.

ويوضح فايتس أن بنيامين نتنياهو هو رئيس الحكومة الأول في تاريخنا الذي يعتبر البقاء في السلطة هدفاً أساسياً، وليس لديه هدف آخر يتخطى البقاء في الحكم، مثلما كانت خطة الانفصال بالنسبة لأريئيل شارون، وهدف المحافظة على “أرض إسرائيل الكاملة” لدى يتسحاق شامير.

ويكمل نقاشه بقوله: الفارق بين ولايتي نتنياهو هو فقط في الطريقة التي يحافظ فيها على الحكم. ففي ولايته الأولى اتخذ سلسلة طويلة من الخطوات تسببت بانهيار سريع لحكمه في أيار/مايو 1999، عندما خسر بعد ثلاث سنوات بالضبط على انتخابه الانتخابات أمام إيهود باراك. في أيلول/سبتمبر 1996 قرر افتتاح نفق حائط المبكى – وكان هذا بمثابة خطوة قاتلة تسببت باضطرابات وأدت إلى مقتل 16 جندياً ونحو 60 فلسطينياً، وأثارت شكوكاً كبيرة لدى الجمهور في مدى اتزانه.

وقد تشاجر حينها مع جميع وزرائه الكبار، الأمر الذي أدى إلى استقالة وزير الدفاع (يتسحاق مردخاي) ووزير الخارجية (ديفيد ليفي) ووزيري المال (دان مريدور ويعقوب نئمان). وأدت المعارضة له إلى تشكيل حزب جديد هو حزب الوسط الذي كان الهدف الأساسي لزعمائه الذين كانوا أعضاء في الليكود إسقاط نتنياهو. واستطاع هذا الحزب أن يلحق ضرراً كبيراً في شرعية نتنياهو كرئيس للحكومة.

بعد سقوطه المدوي، اضطر نتنياهو إلى الانتظار عشر سنوات حتى يستطيع الوصول مجدداً إلى رئاسة الحكومة، وقد أدرك أنه إذا كان يريد البقاء في الحكم، فعليه أن يغيّر تكتيكه السياسي. توقف نتنياهو عن استخدام اللغة السوقية وتبنى أسلوباً رسمياً، وتعلم كيف يدير وزراءه، وحسّن كثيراً من سلوكه السياسي، وفعل كل ما في وسعه كي لا يتورط في مواجهة عسكرية.

 

ولقد ظل يذكر مرة بعد أُخرى “بالحربين غير الضروريتين” اللتين خاضهما إيهود باراك وأولمرت. وهو لم يدخل عملية “الجرف الصامد” بقرار واع بل بسبب الوضع النفسي العام للأمة بعد العثور على جثث الشبان الثلاثة المختطفين، فقد كان نتنياهو يعرف جيداً أن الحرب من شأنها أن تلحق الأذى بأغلى شيء في نظره، أي استقرار حكمه.

ويؤكد أنطوان شلحت في كتابه “بنيامين نتنياهو.. عقيدة اللاحل” الصادر عن مركز “مدار” المتخصص بالشؤون الإسرائيلية في رام الله، أن ما قاله المؤرخ فايتس بشأن “هدف بقاء نتياهو في السلطة”، يتسق مع ما خلصت إليه الكثير من المقالات والتحليلات الإسرائيلية وكذلك الأجنبية التي تناولت إداء نتنياهو كرئيس للحكومة منذ حوالى عقدين من الزمن.

وترى جل هذه المقالات والتحليلات أن هدف نتنياهو للبقاء في السلطة، دون عداه من أهداف، هو ما جعله يتمسك بسياسة “عدم الفعل”، بديلاً من سياسة الفعل، ولا سيما في ما يتعلق بمستقبل الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، بهدف تكريس “الوضع القائم”، الذي يتسم بنهج إدارة الصراع.

ويؤكد شلحت ذلك، بالإستناد على مجموعة من الباحثين ويبدأ بالباحث الأميركي حسين إيبيش، الذي يرى أن أفضل توصيف للأسلوب السياسي الذي ينتهجه نتنياهو في أنه يتمثل بتفادي المخاطر ويبتعد عنها. فقد عرف في مجمل مسيرته باعتماد الحسابات المتأنية، وبتوخي الحذر والالتزام الراسخ بإطالة “الوضع القائم”.

وعند تطرقه إلى مترتبات الحرب على غزة عام 2014، يؤكد إيبيش، أن إسرائيل تحت قيادة نتنياهو، لا تنفك تراوح مكانها، سواء في أعقاب هذه الحرب، او في ما يتصل بالأسئلة الكبرى التي تواجه مستقبلها. وباعتقاده، فإن إسرائيل تؤجل يوم الحساب، وترجئ اتخاذ القرار بشأن الأراضي المحتلة (منذ العام 1967) والفلسطينيين، وتدعي بأن كل شيء سيكون على ما يرام بطريقة أو بأخرى.

ويشير إيبيش إلى أن تجنب الخوض في القضايا العسيرة، التي لا يريد معظم الإسرائيليين التعامل معها، والتي لا يتبادلون الإجماع حولها، يشكل استراتيجيا ممتازة بالنسبة للطموحات السياسية الشخصية التي يحملها نتنياهو، بيد أنها، في الوقت ذاته: تمثل انقطاعاً مقيتاً بينه وبين واجباته القومية العامة وفي مقدمتها اتخاذ القرارات الصعبة والضرورية، والإقدام على المجازفات المدروسة والحصيفة، ووضع مصالح الدولة فوق اعتبارات مسيرته المهنية، ومصيره السياسي.

ويتفق أفيعاد كلاينبرغ أستاذ التاريخ في جامعة تل أبيب بخصوص المراوحة في المكان من دون فعل ولا قرار ومن دون تحمل مسؤولية تحولت لدى نتنياهو إلى أيديولوجيا وإلى تكريس الوضع القائم على اعتقاده بأن في جعبة نتنياهو خطط عمل للعالم كله، لكنه يفضل الانتظار، ليرى ما سيحدث. و”إسرائيل” بقيادته تعرف، فقط، أن تشير إلى أسباب عدم اقتراح أي خطة سياسية، وعدم اقتراح أي استراتيجيا، لأن ثمة أخطاراً، ولا تجدر المخاطرة بالنسبة لنتنياهو على الأقل.

وبمرور الوقت بات الزمن الحليف الرئيس، وربما الوحيد لكيان الاحتلال بقيادة نتنياهو، الذي يعتقد أنه يعمل لمصلحته. ولكن مشكلة الزمن أنه لا يعمل لمصلحة نتنياهو، ولا لمصلحة أحد. فبينما يعيد الزمن تنظيم الشرق الأوسط، وينشئ أخطاراً جديدة إلى جانب احتمالات جديدة، فإن نتنياهو يبدو غير متحمس لشيء على الإطلاق. ويعتقد كلاينبرغ أن خطة سياسية في هذا الوقت، بالذات، قد تؤتي ثمارها، لكن ربما لا تنجح أيضاً، أما المؤكد فهو أن من شأنها إغضاب “مجلس المستوطنات” في الضفة الغربية ولذا يفضل أن توزن الأمور بتفكير عميق.

يؤكد شلحت أن كل يوم يمر مع امتناع نتنياهو عن “فعل كبير” يقوم به، أو بموازاة انتهاج سياسة المراوحة في المكان، فإنه يفسح المجال أمام “إسرائيل” لتثبيت حقائق جديدة على الأرض الفلسطينية مثل نقل السفارة الأميركية إلى القدس المحتلة والتطبيع مع عدد من الدول العربية.

ونتنياهو لا يحتاج إلى قرارات عظيمة من أجل ذلك، وبالتالي، لا يبقى “الوضع القائم” هو القائم فعلاً بالنسبة إلى فرص التسوية السياسية.

وهنا يلعب نتنياهو، أيضاً على عامل الزمن، فهو يدرك أنه كلما نجح في “شراء” زمن من الفلسطينيين والأميركيين ومن العالم، نجح في إلحاق ضرر أكبر بإمكان التوصل إلى اتفاق، واقترب من واقع يستوطن فيه يهود في جميع المناطق الفلسطينية المحتلة من البحر وحتى نهر الأردن.

ويؤكد الباحث سيفي ريخليفسكي، أن كليشيه “نتنياهو لا يفعل شيئاً” هو أحد أكثر الكليشيهات التي يمكن دحضها، كونه في العمق يفعل الكثير، بل فعل الأكثر منذ رئيس الحكومة الأول ديفيد بن غوريون، وخصوصاً على صعيد تغيير “إسرائيل” كلياً، ضمن مسعى لا يكل لإعادة تركيب البنية السياسية والإعلامية والقانونية في الكيان بما يخدم مشروعه الأيديولوجي اليميني المتشدد.

وقد دعا ريخليفسكي إلى عمل “المستحيل” من أجل ليس فقط إسقاط حكومة نتنياهو، بل و”محو الثقافة” التي تحاول تكريسها في المجتمع والدولة، مثل امتداح نتنياهو للحاخام دوف ليئور، الحاخام الأكبر لمستوطنة “كريات أربع”، الذي أيد إحراق عائلة الدوابشة عام 2015، ووصفه بأنه “الكتيبة التي تقود شعب إسرائيل”.

وفي قراءة ريخليفسكي، يتأتى خطأ الكليشيه المذكور من “دكتاتورية الحصيلة العامة التي نشأت في إسرائيل” على مدار الأعوام الطويلة، وباتت في الوقت الراهن تخفي حقيقة بسيطة مفادها أن الروح والنية والرواية التاريخية والقصة ليست أهم شيء فحسب، وإنما الشيء الوحيد، وهذه بالضبط هي الحقيقة التي يبدو أن نتنياهو يعرفها جيداً مثل بن غوريون، فالشيء الأساس هو فن القصص، وكل الأعمال في الواقع تنبع من الهيمنة على الوعي، لأنه الميدان الحاسم الذي يصوغ الواقع.

ويؤكد معلق الشؤون الأمنية والعسكرية في صحيفة “معاريف” العبرية، يوسي ميلمان أن “إسرائيل” تتفكك كدولة وكمجتمع. الشروخ، الانقسام، الكراهية، الاشمئزاز المتزايد من قيم ليبرالية والانقسامات السياسية وغيرها بين اليمين وبين الوسط – يسار، بين العلمانيين والمتدينين، بين الشرقيين والأشكيناز، كل ذلك يهدد النسيج الدقيق للوجود هنا. لذلك، يجب أن نضيف الاحتلال والقمع للشعب الفلسطيني، وتداعياته الخطيرة على الديمقراطية والمجتمع. هذه الظواهر لم تبدأ في سنوات حكم بنيامين نتنياهو، لكن في عهده تم تسريعها، بدرجة غير قليلة بمبادرته المتعمدة.

وقد وصف ريخليفسكي “نتنياهو بأنه فاقد الأهلية، ولا يصلح طبيًا أو سياسيًا لقيادة إسرائيل”. وقال إن نتنياهو يسير على الدرب نفسه الذي سار عليه رئيس الوزراء الراحل مناحيم بيغن من قبل، والذي كان فاقدًا للأهلية في آخر أيام حكمه، بعدما أصابه النسيان وأمراض الشيخوخة، وقد أخفى هذا السر طوال أسابيع عن الإسرائيليين”.

وقد سبق للمؤرخ فايتس أن اعتبر سلوك نتنياهو المتهم بالفساد بأنه “نوع من الإعاقة العقلية”. ولفتت إلى أن نتنياهو؛ لا يعترف بالخطأ، ويعتبر نفسه ضحية أبدية، كما أنه ليس لديه القدرة على القيام بالنقد الذاتي، مؤكداً أن “سلوك نتنياهو يشكل بينة مزعجة لنوع من العجز النفسي”.

الميادين نت

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى