«الجنرال» و«القوميسيار».. في العراق أقتلوهم بنعومة (طارق الدليمي)

طارق الدليمي

كانت صورة العراق قبل الاجتياح الأميركي تظهر الاندماج المتسلسل بين «الوحشية» العسكرية وضيق الأفق السياسي، وتعايش «الجنرال» أحمد حسن البكر مع «القوميسيار» صدام حسين. الأول حارب «العصاة» الأكراد، والثاني سيطر على الدولة والشارع بالسيف والنار…
بعد الاحتلال البريطاني للعراق في العام 1914، وقبل الاعلان عن الاستقلال «الشكلي» لدولته»الجديدة» في عام 1921، حقق الثلاثي، كوكس ـ لورنس ـ مس بيل، «إنجازات» عديدة من أهمها:
1ـ الانتداب «السياسي» البريطاني على العراق تحت إشراف «عصبة الأمم» ـ 1920 وإلغاء فكرة إلحاق العراق بالهند.
2ـ الانتداب «النفطي» والهيمنة على الموارد «الحيوية» عسكرياً من خلال مقررات مؤتمر «سان ريمو» ـ 1920.
3ـ بناء»الجيش» العراقي ـ كانون الثاني 1921، وإسناده إلى «جعفر العسكري»، أحد الضباط الشريفيين الذي انتقل من صفوف «الجيش العثماني» إلى القوات «العربية»، التي أشرفت عليها بريطانيا وبقيادة «الشريف حسين» لمحاربة السلطنة العثمانية للفوز بالاستقلال العربي الكاذب.
4ـ تأسيس «المتحف الوطني العراقي» ليكون القاعدة التي تنطلق منها وحدة العراق الجغرافية ـ التاريخية ونحت السيطرة الانتدابية. لم يكن غريباً أن يتوجه الاحتلال الاميركي – 2003، إلى تحطيم «الدولة»، إبادة «الجيش»، حرق المؤسسات الحيوية والإبقاء فقط على وزارة «النفط» وحراسة وثائقها. وأخيراً نهب «المتحف الوطني» ومصادرة محتوياته مع كل سجلات ومستندات الدولة لأكثر من عدة قرون. وهكذا جاب «جحا» وأخذ «جحا».
لم يكن الاحتلال البريطاني بحاجة إلى دروس جديدة في «هيكلية» العراق، بعد تجربته العميقة في احتلال الهند. لقد مزج «الدواوينية» العثمانية مع «العسكرية» المرتبطة بتقاليده الامبراطورية ومصالحه البعيدة المدى. ولكنه ضمن ذلك أحيا صيغة «تاريخية» قديمة كانت معروفة في المجتمعات «الامبريالية بمعنى الوصاية» السابقة، تتمثل في البناء المتشابك بين المستويات المتعددة «للبيروقراطية» وتداخل مصالحها المتضاربة. وكانت هذه الصيغة، الجنرال والقوميسيار، تتوضح من خلال العلاقة العضوية بين «المؤسسة العسكرية» من جهة و«الهيكل الدواويني» ذي الإرث الاسلامي ـ العثماني المتداول. كانت العلامة الفارقة في الحكم الملكي أن يكون «البلاط» هو «الجسر المعلق» بين «الجيش» الذي يفترض أنه يحمي البلاد وبين «الحكومة» التي يقودها عملياً «الحزب الواحد»، حزب الانتداب، حزب الدولة الطائفية «الدستورية» المزورة. وتحت الاشراف البريطاني الشامل. ولكن الضعف البنيوي «للنخب» العراقية وهشاشة ثقافتها «السياسية» ودناءة مصالحها الشخصية لم تمكنها من أن تفرز «مستويات» متعددة من عناصرها المنخرطة في هذه العملية المعقدة التي يمكن إطلاق عليها «عقدة غورديان» المعروفة. لذلك فإن هذه النخب لم تستطع أن تفرض «مندوبين» خاصين عن «مكوناتها» التي يفترض أنها تمثلها في المسيرة العامة للحياة السياسية الجارية. ولأن الخوف هو الذي خلق «الآلهة» في البداية، فقد ولدت الدنيا الفانية شخصية «كاريزمية» كالحة هي «نوري السعيد» الذي جمع في جهوده الجبارة وإمكانياته الاستثنائية بين «الجنرال» و«القوميسيار»، في وحدة جدلية فذة أحرز من خلالها الاستحواذ الكلي على المجرى العام للتطور السياسي في تلك الحقبة وإلى آخر لحظة من حياته، وحياة نظامه السياسي، في بانوراما بشعة من الدماء تحت أقدام الجيش الذي رعاه والذي توج طموحاته في انقلاب «البونابرتية العسكرية» في تموز العام 1958. لقد حاول «صالح جبر»، الشخصية العشائرية «الشيعية» النشيطة، المستحيل في تلك الآونة من أن يكون نداً فاعلاً «للجنرال»، وأن يكون «ممثلا» شرعياً خاصاً لمكونه المنكفئ عملياً، فلم يحظ بالفرص الملائمة وفضّل الموت «الطبيعي» في البرلمان.
لكن «الجيش» الذي تمرد على «الجنرال ـ القوميسيار» في العام 1958، تحوّل إلى «شظايا» في معمعة الحفاظ على السلطة بعد الاستيلاء عليها. وفي ظل هذه الصراعات المتفاقمة التي فرضتها الظروف الخاصة للعلاقة بين «الداخل» السياسي ـ الحيوي و«الخارج» الجيو ـ سياسي، استعادت صيغة «الجنرال والقوميسيار» قوتها مرة ثانية ولكن بطريقة قاتمة ودموية جداً رفض «الجنرال» عبد الكريم قاسم أن يكون له شريك في حكمه. وحاول بعناد أن يكون هو «القوميسيار» أيضاً في نمطية مزاجية معاكسة للنهج «السعيدي» في مقاربة ومعالجة «الإشكاليات» المختلفة في الحياة السياسية. إن هذه الصراعات هي التي أوجدت «الظروف والعلاقات « التي مكنت شخصاً سخيفاً متوسط المواهب من أن يؤدي دور البطل المنتظر! لقد قرر «الجنرال» الانحياز إلى فكرة مبتذلة عن الخلافات «السياسية» والقدرة على تحاشيها من خلال الترويج لمفهوم «فوق الميول والاتجاهات» بديلا عن الحياة «الدستورية» السياسية الملفقة في العهد المباد. هنا نقول إن أفضل طريقة «للجنرال» في الاستحواذ الكلي على المؤسسات هو في إعلانه الاستقلالية الفريدة عن جذورها ومحتوياتها. وحين حاولت أقسام من «البرجوازية الوطنية ـ قطاع محمد حديد» أن تقنعه بتفويضها دور «القوميسيار» رفض «الجنرال» بإباء وشمم ذلك وصمم نهائياً على شق «البرجوازية الوطنية» مادياً وسياسياً وشق عصا الطاعة عنها أيضاً.
في المرحلة الأولى من صعود «البونابرتية العسكرية» فشل «الحزب الواحد»، المفوض وطنياً وأممياً، في الوصول إلى السلطة. وكانت قيادة «الحزب» الشيوعي تعاني من «تورّم» في قاعدتها الجماهيرية بما يفيض عن قدراتها التنظيمية أو يصعّب قيادتها الميدانية أو حتى التبرير لمسوغاتها «الفكرية» والسياسية في إسناد «الجنرال» والعجز عن لعب دور «القوميسيار» في الآن نفسه. وكانت «لحظة» الصدام متوقعة وبصورة مزرية، وكان زمن التلاقي الوحيد «الحقيقي» بين الطرفين في صباح يوم الجمعة ـ 8 شباط 1963، حين رفض «الحزب الواحد» «التسوية» مع الانقلاب العسكري وقاد المقاومة العسكرية الهزيلة ضده، بينما حاول «الجنرال» بكل الأساليب التفاوض مع «الانقلابيين» ومنع «الجماهير الشعبية» من التسلح لمواجهة «الردة» واضطر خائباً، وهو قيد الاعتقال، أن يوجه التهنئة إلى الجيش الظافر لأنه عملياً هو جيشه «العام» قبل أن يكون هو فيه «الجنرال» الخاص. أما «الحزب الواحد» فإنه المتمرس دائماً في «التحالفات» الخديجة، كان له النصيب الوافر من «جميع» الهزائم التي منيت بها الأحزاب والقوى المختلفة.
وإذا كان 8 شباط/1963 قد أنهى حكم «الجنرال ـ القوميسيار» لفترة مؤقتة وتحت الوصاية «الناصرية» الضعيفة، زمن حكم العارفين، في تأثيراتها المحقة فإنها عبّدت الطريق لنهوض آخر في ظروف النسخة «المعدلة» من البونابرتية العسكرية في انقلاب 17 تموز 1968 هكذا انتصرت مرة أخرى «عقدة غورديان» وتعايش «الجنرال ـ أحمد حسن البكر» مع «القوميسيار ـ صدام حسين»، على قلقٍ كأن الريح تحتهما، لمدة عشر سنوات وضمن إيقاع متأزم دائماً تحضنه مواد أولية متوافرة بسبب الطفرة المالية «النفطية» الاستثنائية. استعاد «الجنرال» هيبة الجيش في حربه الضروس ضد «العصاة» الأكراد، وسيطر «القوميسيار» على الدولة والشارع بالسيف والنار وعقيدة «الخنادق» المتصارعة والمبدعة في الخراب الشامل، وكان «الحزب الواحد ـ البعث» الخادم الأمين لهذه العقدة المتشابكة من تنوع وتداول الميل التاريخي بين «الاستبدادية» الضرورية للبناء وتطويع الحياة السياسية و«الليبرالية» الكاذبة لتمديد الروح في ملكية «الجنرال ـ القوميسيار» للجميع وضد الجميع. واللافت أن هذه المرحلة، شهدت بوضوح صارخ وقباحة لا نظير لها تغير الأقنعة بسرعة، حين انضوى «الحزب الواحد للطبقة» تحت لواء «الحزب الواحد» للأمة. إنها قسمة سياسية ضيزى في سجل الإخفاق الكبير. لقد تعرضت «عقدة غورديان» إلى امتحانات عديدة قاسية. في البداية حروب «الداخل» مع «القبائل» الكردية وبعدها حروب «الخارج» مع إيران والدخول إلى الكويت. ولم تتفكك هذه العقدة، مؤقتاً، ودائماً مؤقتاً، إلا بالاحتلال الاميركي في العام 2003 وبعدها أعاد الاحتلال، وبجدارة، إنتاجها من جديد.
إذا كان «صدام حسين» معروفاً في تاريخه السياسي الخاص قبل الوصول إلى السلطة واحتكارها، ومن خلال نشاطه الحزبي وتجربته المحدودة في العمل السري وفي المجال الأمني تحديداً، فلم يُعرف عنه أبداً «ولع» أو ميل نحو «العسكرية» بالدراسة أو الثقافة أو المزاولة. من هنا نشأت الكارثة الحديثة في العلاقة بين «الجنرال» الملفق و«القوميسيار» البدائي. وكانت الصورة زاهية في الاندماج المتسلسل بين «الوحشية» العسكرية و«ضيق الأفق» السياسي. ويسلط الأرشيف العسكري «للاحتلال الاميركي» الضوء على الموقف الميداني «للجنرال ـ القوميسيار» في انتظار قدوم «البرابرة»، وعلى الأقل منذ نهاية العام 2001 وبعد أحداث 9 أيلول الشهيرة. ويسجل هذا الأرشيف بدقة التعارضات الحادة داخل المؤسسة الحاكمة، ومنها مشاهد الصدام اليومي بين «الجناح العسكري» للحزب الحاكم الواحد والقيادة «المدنية» السياسية له، وتعتبر معركة «بغداد»، الافتراضية التي لم تحصل أبداً، النموذج الحي للانخلاع العقلي بين «الجنرال» و«القوميسيار» في صراعهما اليومي من أجل الخلاص والبقاء. «فالجنرال» كان يعتقد أن «بغداد»، في خطته العسكرية الافتراضية التي لم يقرأها أحد، ستكون «الفخ» التاريخي للقوات الأميركية إذا حاولت الدخول إليها. «والقوميسيار» كان مقتنعاً، وهو نفسه صدام حسين وليس غيره، بأن الأميركان لن يخوضوا حرباً ضد العراق أو بالأحرى ضده. لقد دفع الشعب المحاصر والجائع الثمن الرهيب في قوائم الخطايا والأخطاء التي ارتكبها «الجنرال ـ القوميسيار» المتسلط في العراق و«الجنرال ـ القوميسيار» العالمي القادم لاحتلال العراق والسيطرة عليه سياسياً والهيمنة عليه اقتصادياً ـ نفطياً.
في مقالته المنشورة في، «نيويورك ديلي نيوز» ـ 23 كانون الأول 2012، يؤكد مايكل روبن، أحد أعلام المحافظين الجدد في معهد «اميركان انتربرايز»، بأن الرئيس اوباما يسير على خطى سلفه «جورج بوش الإبن في العراق والمنطقة، وبأن روح ومفاهيم الأخير تقبض على قرارات اوباما بشدة في مقارباته السياسية «المراوغة» أو معالجاته «العسكرية» الناعمة. إن «روبن» الملتصق مع «البنتاغون» قبل الاحتلال وبعده والمساهم في الإعداد «السياسي» للاحتلال والإعمار «الاقتصادي» بعد ذلك، يشرح بدون حياء فشل نظرية «المكونات» ويفضح طبيعة المساومات الرخيصة بين النخب في هرولتها الخسيسة للسيطرة على السلطة السياسية أو السرقة للموارد «الطبيعية» في إطار «العملية السياسية» الديموقراطية الكاذبة. وهو يعتبر «مناكفات» المكونات،جميعها وبدون استثناء مع التركيز على النخب الكردية، لعنات جديدة أضيفت إلى مدونات الادارات الاميركية المتعاقبة التي أخفقت في الحفاظ على روح المبادرة العامة للإدارة الأميركية في كيفية «ضبط» المسألة «العراقية» الجديدة على «الساعة» العالمية للقطبية الأميركية المنفردة!! ومن خلال تلهفه الشخصي لشرح «تضاريس» النخب العراقية،وخصوصاً الكردية، يمكن الاستعانة بتجربته الذاتية ومعرفة آفاق نمو وتطور صيغة «الجنرال والقوميسيار» بعد الاحتلال، وحدود نجاحاتها المزورة أو تخوم فشلها المادي الحتمي حالياً ومستقبلاً.

صحيفة السفير اللبنانية

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى