شرفات

أنا لا أهاجر .. هاجروا أنتم !

عماد نداف

إلى الإعلامي العربي مروان صواف

 

في أول مرة سافرت فيها خارج سورية كانت رحلتي الأولى إلى بيروت، وكنت فتى صغيراً، ذهبت للعمل ، وبقيت هناك عدة أشهر قبل أن أعود، وكل ليلة من تلك الليالي كنت أرقب جهة الشرق من الشرفة التي أسكن فيها، وأتصور كيف هي حال الشام ، وأسأل نفسي : هل هي بخير؟ هل أهلها بخير؟ هل أهلي سعداء؟

وبيروت، كما يعلم الجميع، هي أقرب إلى الشام من حمص، ومع ذلك كان الشوق يشتعل للعودة إليها، والاطمئنان على أهلها. وعندما كبرتُ وسافرتُ ورأيتُ المدنَ والبحار وتعرفت على شوارع كثيرة في هذا العالم، لم يتراجع هذا الشعور أبداً، فالشام، بالنسبة لي، قبضة من حنين تشبه قلب عاشقة، لا يمكن إلا أن يخفق من أجلي، ولا يمكن إلاّ أن يخفق قلبي من أجلها .

وجاءت الحرب، ومنذ اللحظة الأولى لاندلاع الأحداث فيها، شرع كثيرون بشد الرحال خارج سورية، وضاع الأصدقاء مني، ضاع كثيرون ممن أحببتهم ، سافروا، وجدوا أن العالم أرحب، وربما وجدوا أن التغيير يحصل تلقائياً فور ابتعادهم عنها. ربما كانوا يحلمون ، وربما كانت أحلامهم مشروعة ، ولكن الحلم الأكبر ، ينبغي أن يكون هنا ، وإلاّ لماذا نسمي المكان الذي نعيش فيه وطناً؟!

حصل القتل والذبح والدمار والتنكيل، ونجوت من تفجيرات وقذائف وسيارات مفخخة وقصف كما حصل مع غيري من السوريين ، لأن كل ذلك كان يستهدف الجميع ، فكلنا عشنا المأساة، وأنتجت هذه المأساة هجرة واسعة فاقت ثلث عدد السكان، أما أنا فكان قراري واضحا : هو أن الحرب ستنتهي، وأن القادم لابد أن يكون أفضل!

كبر الأطفال، وكبرنا نحن، صرنا كهولاً، وشاخ بعضنا، وقتل كثيرون، ومات كثيرون، وظلت الهجرة فكرة تراود عقول الناس، والهجرة في عرف المتدينين جهاد، وفي عرفي تخلّي!

أنا أحب السفر، ولا أحب الهجرة .

في السفر أعود ، وفي الهجرة قد لا أعود أبداً .

اليوم تنتشر الهجرة بشكل أوسع، والأرتال الكثيرة تصطف للحصول على جوازات السفر تريد أن تبحث عن مصير آخر، ووطن جديد. وفي المطارات ثمة آلاف السوريين ينتظرون طائرات بلا هوية، حتى أن البعض يقول إن الصومال استقبل سوريين مهاجرين ، ولكن أحداً لم يقل إن المطرح الحقيقي الذي ينبغي أن أشعر فيه بالأمان والاستقرار هو بلدي .

هاجروا، فأنتم أحرار.

إذا أرادت الحرب لنا أن نهاجر وهاجرنا فعلاً، فهجرتنا تعني انتصار الحرب وصانعيها وأثريائها على روحنا وكبريائنا وانتمائنا، وأنا أقول فليهاجروا هم، أما أنا فلن أهاجر، سأبقى هنا، هنا على صدور الفاسدين وكل من يكره سورية وكل من يعمل لخرابها، سأبقى وينكسر الفساد والموت والخيانة ، وينتصر قبري الدافئ في بلدي وأنا أنام إلى الأبد.

وأذكر أن أحد كبار فناني سوريا التشكيليين، وهو بشار عيسى ، قال في مقابلة معه من باريس بعد أن هاجر إليها في مطلع الثمانيات : إن زنزانة في بلدي أجمل من كل العالم !

أنا يا أصدقائي لن أهاجر، فقد عشت في بلدي في كل الظروف بحلوها ومرها، ولا أعتقد أن الحلاوة في الهجرة أجمل، ولا أعتقد أن المرارة في الخارج أقل !

ملاحظة : وأنا أهم بإرسال هذه الزاوية للنشر فوجئت بالأستاذ مروان صواف وقد بث بسمته الجميلة على ثغر القمر، فأحسست بتشابهات في الروح، فأهديته الزاوية.

بوابة الشرق الأوسط الجديدة


developed by Nour Habib & Mahran Omairy