غير مصنف

الذاكرة البديلة في “بعيدا عن القرى”

كه يلان محمد

 

تشيكل الذاكرة وصياغة مفرداتها عملية تتطلبُ تراكماً تاريخياً وإدراكاً لخصوصيات الهوية، لذا ربما يكونُ الحديثُ عن الذاكرة المستعارة أمراً غريباً ويثيرُ الأسئلة عن إمكانية الإقامة فيما هو صنيع تجربة الآخر ومعافرته مع التحديات الوجودية، ومن المعلوم أنَّ الصراع المثخن بنزعة إقصائية يفتحُ مجالاً للتساؤل بشأن رهانات الذاكرة، ومكوناتها، وهذا ما يضعُ الهوية من جديد تحت المجهر، لأنَّ المعطي الهوياتي ليس إلا تمثيلاً للجانب السكوني لذاكرة الجماعة والفرد على حد سواء. فيما ثمة وجه آخر متأرجح بين عدة إحتمالات الأمر الذي يشتغلُ عليه الكاتبُ البرازيلي روبرتسون فريزيرو في روايته المعنونة بـ “بعيداً عن القرى” إذ يكونُ المتلقي متابعاً لمشاهد متخيلة تارةً ومنساقاً تارة أخرى مع القصص التي تسربت من ذاكرة الأم مارية أو ما ترويه الخالة ميرنا.

إذاً تتداخلُ مرويات متعددة في متن النص هذا إضافة إلى أنَّ الفضاء السردي يتسعُ لثيمات متنوعة، وفقدان الأب بمعناه الرمزي يأتي في المقدمة ناهيك عن الإغتراب والتوطين في أرض جديدة كما أنَّ الحب مبثوث في أثير الرواية، وتضفي العبارات الناضحة بالحنين والحس العاطفي تشويقاً وإنخطافاً شعرياً لحركة السرد. إذ تتفتحُ الروايةُ بما ينقله الراوي إيمانويل على لسان أمه حيثُ تستعيدُ الأخيرة أجواء السفينة التي أبحرت بالشقيقتين نحو عالم آخر. والملفت في هذا الإستهلال المُكثف هو تواردُ الأسماء التي تنبسطُ حكاياتها على جسد النص. أكثر من ذلك فإنَّ ما يَذكرهُ الابنُ يحيلُ إلى ما يقعُ ضمن الإسترجاع الخارجي بمعنى أن جزءاً من المادة المسرودة تكملة لرواية مارية، وما يؤكدُ ذلك هو عبارة “بالأمس عادت أمي إلى السفينة” ويتبعُ ذلك إستدعاء الابن للأسماء التي تسللت إلى ذاكرته.

التزاحم

يحتشدُ النصُ بصور منداحة من الذاكرة وأراد المؤلفُ التعبير عن القلق والتوتر في الإنتساب إلى الماضي من خلال الصخب السائد في أجواء الرواية، وما يصعدُ من شحنات درامية داخل المتن السردي هو التواصل مع المجهول، وما يستتبعُ ذلك من اللايقين والغموض، وهذا ماتراه في موقف إيمانويل مع والده جوزيف. إذ غاب الأخير قبل أن يبصرَ الإبنُ النور. والتاريخ الذي يفصل بين إلتهام المجهول للمقاتل وإنجاب مارية لابنها متشبع بالعنف والدم.

ما يعولُ عليه إيمانويل للتواصل مع الجزء الغائم من المقيمين في الوطن الآخر هو الصور إذ يتخيلُ أصحابها وهم على قيد الحياة ويفترضُ شكل العلاقة بين أفراد الأسرة بناءً على ما سمعهُ من الأم أو الخالة غير أنَّ الوالدَ لا ينسلُ من حيزه المجهول، لذا لا يحضرُ في ذهن الابن سوى في مظهر شباب الأرض التي ولدَ عليها الراوي ويدعمُ كلامُ مارية وجود صورة مثالية للأب “لطالما ذكرت أمي ذلك الطفل الساكن في عيني أبي الزرقاوين كسماء خلت من السحب”.

وما أنْ يشعر إيمانويل بالضيق حتى يتخيلَ الأبَ وقد أخذته دورية المركبات التي داهمت القرى الفقيرة إذ تم انقياد الشباب وانتزاعهم من دفء بيئة المنشأ. وما يشغلُ الابنَ أكثر هو الطفل الساكن في عين والده، ومن ثمَّ يعترفُ الراوي بأنَّه لا يشبه والده في ملامحه، وذلك ما أورث لديه الشكَ، وكلما سأل أمه عن هذا الموضوع صفعته بصيحات وأدعية. وتؤكدُ له بأنَّ تقاسيم شكله تذكره بجوزيف، ومن ثُمَّ تدفن في وجهها وتبكي، وحين يشتد المرض على مارية ما عادت  تعرفُ ابنها إذ بدا لها في صورة بيتر أخيها الذي هربَ من أبيه إلى الكهف في يوم صقيعي جتى لا يضطر لرعي الخراف مرة أخرى، لكن هذا البرد رغم قسوته لا يودي بحياة ذلك الشاب اليافع، ويلقى الخالُ نحبهُ في الحرب حسب رواية مارية.

تتخذُ شخصية بيتر بعداً أسطورياً في مخيلة إيمانويل، وما أن يطلبَ منه رواية قصة من الأرض التي هاجر منها حتى يجدَ في تمرد بيتر ضالته. يتسلسلُ السردُ في تقديم حيثيات المعاناة الوليدة من رحم الهجرة والإغتراب وتصدع الهوية.

طاقة الحب

تستنفرُ غرائز التوحش في الحرب لكن ذلك الواقع لا يؤدي إلى إندثار الحب بل يصبحُ الحب مصدراً لحماية الحياة من الإنحدار نحو التفاهات. إذ من بين المقاتلين الذين يتناوبون على اغتضاب مارية التي يكونُ عليها وقع الألم أشد وأسوء ثمة من يتعاطفُ معها ويضمها إليه ويرفض محاكاة أترابه في الإفتراس بالجسد الذي يتحول إلى أرض مستباحة. وجه هذا الرجل هو ما تبحثُ عنه مارية ويقع نظرها على طيفه أكثر من مرة. هنا ينضمُ ميخايلو وهو عجوز ناسك إلى صف الإرادة الخيرة التي تتعهدُ بالأرواح البريئة، إذ يولدُ إيمانويل على كنفه كما يُهرب شقيقتين مع الرضيع  خارج أرض ملغمة بالكراهية. وما من مارية إلا أن تمتثل لوصية الرجل الصالح وتسمي طفله على اسم ابن السيد ميخايلو الذي لم يولد قط.

يشارُ إلى أنَّ الحب محرك أساسي لمكونات الرواية، كما أنَّ الفكرة الرئيسية تقومُ على افتراض سؤال هل يمكنُ إستعارة الذاكرة بحيثُ ينتمي المرءُ إلى تاريخ برواية الآخر؟

ميدل إيست أونلاين


developed by Nour Habib & Mahran Omairy