السيد المستشار عبد الرحيم صفوي وذيل الخديعة الطويل (مهند حسن)

مهند حسن *

يُكثر مسؤولون إيرانيون من التصريحات ذات النبرة العنيفة غالباً عند تناولهم دول جيرانهم في الخليج العربي، من ذلك على سبيل المثال تصريح لمستشار المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية للشؤون العسكرية اللواء عبد الرحيم صفوي، هدد فيه قادة دول الخليج العربي بأن مصيرهم سيكون كمصير شاه إيران محمد رضا بهلوي الذي أطاحته الثورة الإسلامية عام 1979.
تمر السنون وأنا أسمع أن الثورة الإسلامية في إيران أطاحت الشاه، وكنت أتظاهر بالتصديق لأنني أولاً أجد العداء الإيراني – العربي خطيئة إستراتيجية قاتلة، ولأنني كنت قرأت كتاباً وضعه رئيس جهاز الأمن الفرنسي أيام رئاسة جيسكار ديستان وأسمه كونت دومارانش وعنوانه «في موطن سر الأمير» DANS LE SECRET DES PRINCES – نشرته دار STOCK ستوك في باريس عام 1986.
يومئذ قرأت هذا الكتاب الذي لا يشي ظاهره بباطنه للوهلة الأولى، لأن السيد دومارانش اتفق مع أشهر مقدمات برامج التلفزيون الفرنسي وأجملهن السيدة كريستن أوكرنت، على أن يتكلم أمامها وتتولى هي التدوين مع حقها في طرح الأسئلة. وهكذا خرج الكتاب يحمل اسمي الرجل الصارم جداً والسيدة التي «يزيدك وجهُها حسناً إذا ما زدته نظراً».
نوه رئيس أجهزة الأمن الفرنسية بأن محاوريه وجلساءه حين يزور دول الشرق الأوسط هم الملوك والرؤساء حصراً، كالملك الحسن الثاني وشاه إيران وآخرين، فهو لا يتحدث إلى من هم أدنى مرتبة.
احتفظت ذاكرتي من الكتاب بطرائف ذات مغزى أكثرها أهمية ربما، هذه القصة أقدمها إلى السيد اللواء المستشار من قبيل العلم بما يقوله «الأعداء»، إلا إذا كان قرأها ذات يوم.
كتب دومارانش أن رؤساء أجهزة الأمن في دول حلف الأطلسي الشمالي، كانوا يعقدون اجتماعات دورية منتظمة في مقر وكالة الاستخبارات المركزية في الولايات المتحدة، يتشاورون فيها بقضايا الدنيا المهمة، فانتبه في واحدة من تلك الجلسات إلى وجود نية لدى الوكالة لإطاحة شاه إيران، حين لم يكن الأمر يخطر في بال أحد. انتهز دومارانش أول مناسبة لزيارة الشاه الذي استقبله منفرداً كالعادة فكاشفه بما سمع. لم يصدق الشاه وأجابه: لن يجدوا افضل مني لحراسة مصالحهم في المنطقة.
مرت الأيام وفي اجتماع آخر في الولايات المتحدة كتب دومارانش: «أيقنتُ أن الولايات المتحدة قد اتخذت قرارها بتنحية الشاه، فسارعت إلى طهران ونقلت إلى الشاه ما سمعت فوجم». نعرف جميعاً ما الذي جرى بعد أن أتخذ أصحاب الشأن قرارهم. هذا لا يعني التقليل من أهمية التظاهرات الحاشدة التي قام بها الشعب الإيراني. أما ما لفت نظري فهي الإشارة إلى دور الجنرال الأميركي فيرنون والترز وشهرته نابعة من وجوده دائماً في ميادين الأحداث الحاسمة لكي يسهر على سلامة تنفيذ المخطط. فهو كان في باريس قبيل ثورة الطلاب في 1968، وتولى «التنسيق» مع قيادتهم التي برز منها يومئذ دانيال كوهن بنديت. لأن قيــــادة الولايات المتـــحدة قررت إزعاج الرئيس الفرنسي شارل ديغول تمهيداً لإخراجه، بسبب إصراراه على العودة إلى المعادل الذهبي للدولار دون الاكتفاء بتغطيته بأساطيل الولايات المتحدة وجيوشها. وتشاء الأقدار أن يكون الجنرال والترز في طهران، لنقرأ أنه تولى منع قيادة الجيش الإيراني من إطلاق النار على المتظاهرين.

مؤامرات ومصالح
لا ينبغي الحديث هنا عن نظرية المؤامرة التي يؤمن بها الفكر الغيبي العربي لأسباب معروفة. فالدول تبحث عن تحقيق ما تظنه مصلحة لها، وترسم الخطط والبرامج وتسهر على تنفيذها ولا تكتفي بالتهديد والوعيد.
كان بودي الإشارة إلى كتاب آخر نشره مصرفي مفلس في الولايات المتحدة الأميركية بعد أن فر إلى سويسرا لأنه يعرف أكثر مما ينبغي له، فحاول خلط الجد بالهزل وأعطى الكتاب عنواناً شهيراً CRASH79 «انهيار عام 79». نشر الكتاب قبل سنوات من انهيار شاه إيران الذي «شاءت الأقدار» أن يحدث في عام 1979. ورسم فيه مؤلفه سيناريو لتحدي شاه إيران للولايات المتحدة بمشاركة الرئيس الجزائري هواري بومدين، ومطالبتهما برفع أسعار النفط وخفض أسعار الآلات المصنعة، ووضع الشاه برنامجاً نووياً طموحاً يعتمد على شراء اكثر من عشرة مفاعلات نووية من ألمانيا لتوليد الكهرباء بكميات تكفي لتغطية حاجة إيران بكاملها.
أثار المشروع حنق الولايات المتحدة فخاصمت الشاه وحاصرته فالتجأ إلى ملجأ ذري هو مقر قيادته أثناء الأزمات، وتطورت الأحداث كما في السينما حتى وصلت إلى غايتها بقيام أسراب القاذفات الأميركية بقصف مقر قيادة الشاه المحفور بعمق في الأرض، وتعاملت معه بأسحلة نووية تكتيكية جعلت من الشاه وقيادته أثراً بعد عين…
لا أريد التأثير في معنويات السيد اللواء المستشار، لأن تصريحاته تشير إلى متانتها. كل ما أريد أن أقوله: كان الصراع في المنطقة قبل إطاحة الثورة الإسلامية الشاه، ذا نكهة قومية مدنية لا تمت إلى المقدّس بصلة، لكي يمكن حلها بالسياسة، كما جرت الأمور بشأن اتفاق الحدود في شط العرب. إلا أن الصراع بعد انتصار الثورة الإسلامية أصبح بين الشيعة والسنة وما بينهما من الطوائف والأديان، وهذا مما يستحيل الاتفاق بشأنه، أي أنه سوف يستمر إلى الأبد. غير أن ما يطمئن المراقب، تأكيد فلول الطائفتين في جنوب لبنان وجنوب فلسطين على أن انهيار المشـــروع الصهيوني «كراش» بات وشيكا بفضل اختراع الصواريخ «الطائفية»، حتى أن صواريخ هذه الطائفة أو تلك لا تضرب العدو المشترك عندما يستفرد بواحدة من الطوائف الإسلامية. بل تحمل على العدو بالخطب البتراء حتى نكاد نظن أنها قضت عليه. أسارع إلى طمأنة السيد اللواء المستشار، بعدما نقلت إليه بعض ما طالت يدي من مصادر تؤرخ لأحداث تهم منطقتنا إلى أنني أتأمل دائماً قولاً للفيلسوف الدانماركي سورن كيركفور بالدنماركية – وكيركيغارد في غيرها من اللغات – مؤداه: للخديعة ذيل طويل يُدعى التاريخ. لذلك فلست مقتنعاً بالحماسة الزائدة التي يبديها المستشارون على تنوعهم. وبخاصة الذين يشيرون على قادة جيراننا الإيرانيين وشركائنا في صنع حضارة كانت ذات يوم إنسانية تمازجت فيها أعراق ولغات شتى.
كما أتمنى أن يحاول السيد المستشار الاستماع إلى مطرب الملوك والأمراء الراحل محمد عبد الوهاب الذي غنى أبيات مهيار الديلمي المدهشة، برغم كونها ممنوعة في إذاعات الوطن العربي بلا استثناء والتي ضمت هذين البيتين اللذين لا يعترفان بحماسة المستشارين الزائدة.
قد ورثتُ المجدَ عن خيرِ أبِ… وقبستُ الدّينَ عن خيرِ نبي
فضَممتُ الفخرَ من أطرافهِ… سُؤددَ الفرسِ ودينَ العربِ
ملحوظة ذات صلة بما قبلها:
وجدت تأييداً لما ذهب إليه السيد دومارانش في كتاب صدر في الولايات المتحدة العام 2011 عن منشورات جامعة كمبردج، عرضته مجلة «العربي» في عدد شباط (فبراير) 2013 وعنوانه: «كيف يعمل الاستبداد من الداخل».

* كاتب سوري

صحيفة الحياة اللندنية

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى