
قدمت إحدى المحطات الفضائية الكردية الجمعة الماضية تقريرا لفت نظري يتعلق بالأصول الكردية للقائد التاريخي محمد علي باشا وابنه ابراهيم باشا، وقد استجرني الحديث عن إنتمائه الكردي إلى الكتابة عن مشاركة الأكراد بحماسة في قضايا المنطقة وما يمكن أن تفيد هذه المراجعة في فهم الصراع الجاري في الشمال السوري بين الحكومة السورية وبعض القوى الكردية، فقد كان محمد علي باشا كرديا، واشتغل على مشروع معروف يتضمن توحيد مصر وبلاد الشام (سوريا، لبنان، فلسطين) في ثلاثينيات القرن التاسع عشر.
لكن النموذج يعيدنا إلى القرن الثاني عشر عندما أقام القائد التاريخي (الكردي) صلاح الدين الأيوبي بتوحيد مصر وبلاد الشام (سوريا) تحت راية الدولة الأيوبية وأنجز انتصارا تاريخيا في معركة حطين عام 1187.
ويبدو أن المسألة لا تتعلق بالهوية القومية بقدر ما تتعلق بطبيعة التكوين الحضاري للمنطقة، والتي سعى الغرب الاستعماري إلى زج المنطقة في أتون صراعات مذهبية وقومية ليتمكن من السيطرة عليها، أي أن الخروج عن هذه القاعدة هو حتما الذهاب إلى صراع دموي لايصب في صالح أحد من المكونات التي تتشكل المنطقة منها .
وهذا أيضا يجعلنا نستعيد مواقف الثائر ابراهيم هنانو وهو كردي قاتل من أجل وحدة سورية وحارب الاستعمار الفرنسي ومشاريع تقسيم البلاد إلى دويلات طائفية، ونستعيد رمز الكرامة الوطنية السورية الجنرال الكردي يوسف العظمة التي يتصدر تمثاله إلى اليوم مركز مدينة دمشق، والذي قدم حياته شهيدا من أجل سورية في مواجهة قوات الاستعمار الفرنسي الذي يقودها الجنرال غورو..
وعندما حكم الجنرال الكردي حسني الزعيم سورية عام 1949، ورغم اعتماده على الأقليات، لا سيما الكردية والشركسية، فقد أولى اهتماما كبيرا بتعزيز الجيش السوري وقوة الدولة ولم يتبنَ سياسات كردية قومية انفصالية، بل اندمج ضمن النسيج السوري.
ومع تقليب صفحات التاريخ نتعرف على قادة وسياسيين أكراد آخرين أكراد يصنفهم الشعب السوري بقائمة القادة الوطنيين المؤثرين الذين دافعوا عن سورية ووحدتها ، وكلنا يعرف مواقف خالد العظم الوطنية التي تؤصل انتماءه إلى الوطن أكثر من انتمائه إلى أصوله الكردية التي يحترمها الجميع، كما نعرف خالد بكداش زعيم الحزب الشيوعي السوري الذي لم يتوان عن الافتخار بالعرب والحديث عن العرب العاربة والمستعربة في إشارة إلى اندماج المكونات من أجل وحدة الوطن، وكذلك حزب الإرادة الشعبية الذي يقوده الدكتور قدري جميل وهو كردي أيضا أعلن في مؤتمره الأخير أن أمام الجميع فرصة لن تتكرر كثيراً، ودعا إلى الحوار الحقيقي عبر المؤتمر الوطني العام، وعلى وجه السرعة، وإلا فإن أي حل جزئي سينفجر مجدداً، عاجلاً أو آجلاً، وعاجلاً في أغلب الأحوال، لأن أطرافاً خارجية عديدة تشتغل على التفجير، وعلى رأسها «الإسرائيلي».
وهنا ينبغي أن لاننسى دور رجال الدين الأكراد الذين أصلوا موقفهم من وحدة سورية على أرضية أن الإسلام لايفرق بين عربي ولا أعجمي إلا بالتقوى، وكان منهم الشيخ أحمد كفتارو والشيخ محمد سعيد رمضان البوطي..
وعندما بزغ نجم عبد الله أوغلان وحزب البي كيه كيه كان ذلك في سورية، وقال أوغلان نفسه عندما كان يعرف باسم (آبو) أن الأكراد في سورية جاء من فوق ، أي لجأوا وأصبحوا من مكونات الشعب السوري، لكن حافظ الأسد استخدمه كورقة مع تركيا وتخلى عنه وسجن أعضاء حزبه عند أول تهديد لسلطته من الأتراك..
وفي آخر رسائل عبد الله أوغلان زعيم حزب العمال الكردستاني المسجون، أعلن عدم معارضته للدولة السورية الموحدة، داعياً إلى دمج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في الجيش السوري، وطالب تركيا بتسهيل الحوار بين قسد ودمشق لتحقيق “سلام إقليمي” و”مجتمع ديمقراطي” بدلاً من السعي للاستقلال.
حتى مظلوم عبدي الذي يتصدر المشهد الكردي في الصراع مع الدولة السورية الجديدة فقد كان أول المهنئين للرئيس أحمد الشرع ووقع اتفاق آذار بين قسد والحكومة المؤقتة، أي أنه يعي تماما أن الصراع سيكون صعبا ودامياً وأنه يضر بالشعب السوري والمكون الكردي فيه فالكرد لايخرجون عن كونهم أحد أهم مكوناته، لكن القوى الخفية تريده أن يتمرد ويطالب بالحكم الذاتي وهو يعرف جيدا أن أحدا في الأقاليم المحيطة به لن يقبله إلا تحت المعطف السوري، ومع ذلك لاينفي هذا أن ثمة حاجة إلى مجتمع ديمقراطي، فلنعمل جميعا من أجل مجتمع ديمقراطي من دون إشعال حرب ينزف فيها الدم السوري.، لأن الحقيقة التي يعرفها الجميع ُ أنَّ الكردَ عانوا كما عانى الشعب السوري من ديكتاتورية الطغمة العسكرية التي سقطت في كانون الأول 2024، والمرحلة الحالية تتطلب وحدة الجميع لبناء مستقبل أجمل بعيدا عن الحروب والأطماع المؤقتة، التي قد تؤدي إلى تفتيت المنطقة وإطالة أمد معناة الجميع !
بوابة الشرق الأوسط الجديدة



