كتب

«بخلاف ما سبق» رواية الكاتب المصري عزت القمحاوي: التشبث بالذاكرة في مواجهة محو المعنى

صابر رشدي

يذكرني الكاتب المصري عزت القمحاوي بطبقة معينة من أدباء العالم، هؤلاء الذين يبدعون في الرواية والقصة القصيرة، إلى جانب حضورهم الكثيف الذي يتحقق أيضا من خلال الأعمال الأخرى: الكتابات النقدية والمقالات المعمقة في الشأن العام، والكتابة حول الكتابة وعوالمها الباذخة، أصحاب المشروعات الكبرى، كهنري جيمس، وفرجينيا وولف، وميلان كونديرا، وماريو فارغاس يوسا، وأورهان باموك، وبول أوستر، على سبيل المثال لا الحصر. هؤلاء الذين يتعاملون مع الإبداع وأطيافه المختلفة بوصفه منظومة متكاملة، ودائرة لا تكتمل إلا بالتعاطي مع الأنواع الأدبية كافة.

 

فنظرة سريعة على عالمه، سنجد هناك، رفقة الروايات والمجموعات القصصية المتعددة: «حدث في بلاد الرماد والطين»، و«مدينة اللذة»، و«مواقيت البهجة»، و«غرفة ترى النيل»، و«الحارس»، و«بيت الديب»، و«البحر خلف الستائر»، و«السماء على نحو وشيك»، و«ما رآه سامي يعقوب».

نجد مشروعا موازيا؛ وثمة كتب يتناول فيها بعض الشخصيات، تنتمي إلى فن البورتريه: «ذهب وزجاج»، والريبورتاج: «العار من الضفتين» والرسائل: «كتاب الغواية»، إلى جانب الكتب التالية التي تعرضت لاهتمام نقدي كبير، ودار حولها نقاش يثبت أنها ليست مرحلة عابرة في تطور مؤلفها: «غرفة المسافرين»، و«غربة المنازل»، و«الأيك في المباهج والأحزان»، و«الطاهي يقتل الكاتب ينتحر».

أعمال تجمع بين التأملات وفلسفة الإبداع، يضعها السرد في موقع بيني «ميتا كتابة»، ولكنه يعطي الثقة في تناول أعماله، والتعامل مع مبدع لا يلهو، مهموم دائما بالشأن العام في أعماله، وفي مقالاته الصحافية التي يتصدى فيها لكل ما يؤرق المواطن العادي، طارحا معه تلك الأسئلة الحائرة التي تبحث عن إجابات، ملخصا لها تحت استفهام ضروري: «ما الذي يجري الآن؟»، في اشتباك مع الحاضر، لا الهروب منه أو التغافل عنه، وأهمية مواجهته.

ربما كانت تلك الأفكار، والشعور الضاغط بالآني، قريبة من التقاليد المحفوظية، نسبة إلى نجيب محفوظ، كاتبه المفضل، في رواياته الأكثر دقة وإحكاما وتماسا مراوغا مع السياسي، مثل: «اللص والكلاب»، و«ثرثرة فوق النيل»، و«ميرامار»، متخذا من رصد واقعه المعاصر، والتحاور السردي مع أكثر القضايا وعورة، وربما خطورة، جواز مرور للأجيال القادمة لتسجيل شهادة على العصر، مع الاحتفاظ التام للفن الروائي بكامل قيمه الجمالية، والتعامل معه كعالم سحري للوصول إلى الحقيقة، بعيدا عن المحسنات والزخارف اللفظية.

دائما هناك اشتباك، كما في هذه الرواية «بخلاف ما سبق»، والتي جاءت لتشكل ثنائية سردية مع عمل سابق عليها «ما رآه سامي يعقوب». تلك الشخصية التي أفرد لها عملا يحمل اسمها وآلامها وتطلعاتها، وتم تخصيص فترة لا تنسى لها: ثورة 25 يناير، تلك الأيام التاريخية التي عايشناها ورأينا أحداثها الدرامية، حتى وهي تضيع من بين أيدينا وتتحول إلى ثورة مهدورة، يتكالب عليها كل أعداء الحرية في الداخل والخارج.

طالعنا شريحة زمنية من حياة سامي يعقوب، أقل من ساعة تقريبا، تداخل فيها ماضيه بحاضره من خلال استدعاء عقود سابقة. تابعنا سيرة ذاتية لشاب ولد لمهندس مصري وأم طبيبة من أصل ألماني، يبحث عن الأمان في عالم قائم على الصراعات والفوضى. ومن خلال موقعه السكني في منطقة جاردن سيتي الراقية، الملاصقة لميدان التحرير الذي دارت فوق أرضه أخطر لحظات تاريخ مصر الحديث، حيث تنقلب الرواية من عمل رومانسي يدور حول علاقة سامي بفريدة إلى عمل يتسرب إليه، ببطء، ما يدور من مآسٍ تحت تأثير الحدث المثير: اعتقاله أثناء تصوير قطين في حالة سفاد داخل نطاق مقر أمني من دون أن يعلم، وموت الأب، واستشهاد الأخ برصاص القناصة في الميدان بعد عودته من ألمانيا للحياة في مصر الناهضة من تحت حطام الفساد والتبعية ووأد الحريات، آملا في عصر جديد.

ثم التحول المدمر والسلبي في علاقته بالآخرين، وتحول الثورة ذاتها من عمل جماعي إلى عمل فردي أناني، ثم اختراقها بشكل مدروس أطاح بكل المكاسب الوطنية التي حصلت عليها في البداية. لقد جرى التأسيس بالفعل لشخصية سامي كبطل مأزوم، قضى عمره يصارع قدره، وهو يتدبر أسباب الحياة الخالية من المشكلات، باحثا عن الأمان والاستقرار في هذا الجزء السابق على الرواية التي بين أيدينا، معانيا العجز نفسه الذي تعاني منه شريحة كبيرة من المواطنين.

إذن، ندخل إلى رواية «بخلاف ما سبق»، تلك الرواية التي أعتقد أنها ستحتل المكانة المرموقة والشهرة نفسها التي صاحبت الجزء الأول. نطالعها ونحن نعلم أننا أمام شخصية مركبة نفسيا، وليست بطلا خارقا؛ إنسان هش تحكمه المخاوف والهواجس، التي قد يكون أحد مصادرها قدرته على التنبؤ واستشراف الأحداث. وأن ما سنراه في العمل الجديد هو امتداد لعالم سامي يعقوب، ولكن في اتجاه آخر، وإن كان العنوان يحيل إلى مجهول لوجود سابق قد يتم تجاوزه أو نقضه، وكأنه يعلن القطيعة مع القديم، مع ماضي البطل، فاتحا السرد على زاوية أخرى من حياته، حيث ننطلق من نقطة مختلفة يندمج فيها الفانتازي بالواقعي لإنتاج معان لا تستطيع اللغة الواقعية المباشرة التعبير عنها.

«كان شتاء، وكانت الشمس تشرق واهنة دون أن تبدد ظلام الشقة، ثم تمضي إلى حيث تغرب، وتترك لليل زاده من الخوف. وكان سامي يعقوب قد أكمل شهرين وعشرة أيام من العزلة، دوّنها يوما يوما على الجدار، منذ أن عاد خائفا من إمبابة صباح عيد ميلاده في التاسع من أكتوبر، واختبأ في شقته بجاردن سيتي، يرهف أذنه لصوت إغلاق باب المصعد أو وقع أقدام على السلم، تعذبه سارينة شرطة في الشارع أو نباح كلب على غريب، ثم بدأ يسمع طرقا على باب الشقة قرب الفجر؛ فينكمش على نفسه، وينضح العرق البارد من ظهره. وبعد أن يتوقف الطرق لا يسمع وقع خطوات انصراف الطارق، بل حفيفا خفيفا كأنه صوت الريح على البلاط».

هكذا تبدو المقدمة الكاشفة التي تلخص لنا مع من سيتم التعامل. إنها إعادة تذكير، وإضاءة خافتة على الشخصية، ستزداد فقرة بعد أخرى، حتى نرى سامي يعقوب، قبل أن يبدأ حياة جديدة، معذبا ليلة بعد ليلة، حتى يستجمع شجاعته ذات مرة ليرى عبر عين الباب طيفا لشخص ينسحب بخطوات بطيئة، لكنه أحس بنظراته في ظهره، فتوقف واستدار، ليتبين أنه مجرد غلام يرتدي ثوبا فلاحيا، يصل إليه صوته بالكاد:

 

أنت سامي يعقوب، صح؟

نعم.

أعرف، لكنني لم أجد طريقة أخرى لبدء الكلام. اذهب لتستلم بستانك.

أي بستان؟!

بستان جدك سالم باشا في تل المساخيط، على مشارف مدينة سراب.

 

ضربة مزدوجة يتم فيها وضع الشخصية في جو عام يفصح عنها قليلا، ودعوة روائية للذهاب مع عزت القمحاوي وبطله في رحلتهما الجديدة.

من مكان منغلق، «الشقة»، يعاني فيه البطل العزلة والفردانية والانفصال عن العالم، إلى مكان آخر، «البستان»، حيث المشاركة والتشابك وممارسة نوع آخر من الإيقاع الطبيعي للوجود، بعيدا عن التسارع المديني والزحام ونمط الحياة الذي لا يعرف التمهل.

الانتقال من الحكاية إلى السؤال الفلسفي، ومن الشخصية إلى مصير إنسان مصري معاصر، عابرا الحدث إلى تأمل الواقع ذاته. أما في العمق، فنكتشف أننا أمام نمط معين من البشر، تصيبه تحولات طارئة تحت ضغط انتقال صيغة من الوعي إلى صيغة أخرى، يطويها القمحاوي بنوع من المكر الفني تحت طبقات سميكة من السرد، أثناء تركيزه على العلاقة بين مصير الفرد والتحولات التاريخية وتأثيرها المباشر في بنية التفكير والتعامل مع التغييرات الطارئة.

فهو معني هنا بخلق مناخ فكري وأخلاقي، وإنتاج موقف من الوجود كعادته في كثير من أعماله. إن سامي يعقوب في الريف غير سامي يعقوب القاهري على الإطلاق. هذا الشخص الذي سنتعرف من خلاله على التفاصيل الدقيقة للزراعة وتربية المواشي، وشراء الماعز والجمال، وطبائع أبناء الريف والعادات والتقاليد، وتلك الشخصيات التي يحتشد بها هذا الفضاء الملفوف بالغموض، والرازح تحت نوع مختلف من الحقد والحسد والصراع على الملكية، والقتل والدفن دون إجراءات إدارية، فلا شهادات ميلاد ولا شهادات وفاة. وكأننا بصدد كائنات غير موجودة، لا يشكل حضورها أو غيابها أي نقلة تاريخية في مصير البشرية، كائنات تتأثر ولا تؤثر، ولا تتعدى تحدياتها أو طموحاتها الطبقة الخاصة بها.

لكن الموقع الجديد مثّل بعض السعادة لسامي. تخيل أن بإمكانه خلق عالم مثالي أكثر جاذبية مما كان في واقعه الماضي، عالم يستطيع تكييف ظروف حياته للتآلف معه. لذلك حاول إقامة حياة محتملة وبديل متفائل: إعادة إحياء السرايا، وتوصيل الماء والكهرباء، وأعمال الصيانة والإصلاحات، واقترابه من أم الغلام وصلاح، واستقدام عمال جدد. ربما يصير ذلك تعويضا عن معاناة كان لها تأثير متعاظم على إنسان حاول أن يجد له موطئ قدم في عالم فقد الكثير من بداهاته القديمة، ما جعله لا ينظر إلى القديم باعتباره نموذجا يجب استعادته، ولا إلى المستقبل باعتباره وعدا بالخلاص. فأحيانا تتأرجح الرواية في منطقة وسطى بين الحنين والأمل، مثل زواجه من فريدة، حبيبته الأثيرة، والاقتراب من بعض الشخصيات طلبا للدفء والونس.

لكن، بظهور أمين عسكر يتضح لنا بعد آخر للرواية. ربما هو، في حقيقة الأمر، رأس المثلث الهرمي الذي يشير إليه العمل من طرف خفي، أما القاعدة فهما مدينة سراب وقرية تل المساخيط.

علينا إذن أن نعيد ترتيب هذه الحكاية بأكملها، بتفكيك هذه الرموز والنظر إليها بحواس لا تتابع نصا كلاسيكيا قائما على حكاية تقليدية. لكن علينا أن نتوقف قليلا، متوجسين، أمام الرفض المضمر في الخفاء لشخصية أمين عسكر، حيث تأتي أهميتها بقدر ما تمثله وترمز إليه. فهو من الشخصيات التي تسيطر على الواقع قبل أن تسيطر على البشر، ويمثل وجوده خصما ينبغي الاحتراس منه، إذ يعتبر تل المساخيط مشروعا استثماريا، بادئا بتغيير معاني الأسماء من خلال إعادة تعريف الأرض، والتاريخ، والملكية، والشرعية.

السراب هو ما يبدو حقيقيا، لكنه يتبدد عند الاقتراب منه. يبدو أنه الحلم المستحيل، والوعود السياسية التي اكتشفنا هشاشتها. أما تل المساخيط فهو المرجع الخام، والذاكرة الحية، والارتفاع متعدد الطبقات، حيث تخفي كل طبقة وعيا مختلفا، أشبه بطبقات الوعي المصري نفسها. وكأن الرواية تطرح سؤالا جوهريا عن مصير الذاكرة والهوية في وطن لم يعد الصراع فيه على امتلاك الأشياء فقط، إنما على السيطرة أيضا على امتلاك معانيها.

عزت القمحاوي:

«بخلاف ما سبق»

الدار المصرية اللبنانية،

القاهرة 2025

416 صفحة.

صحيفة القدس العربي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى