بوابة الشرق الأوسط الجديدة

تاريخ

من تاريخ التصوف.. حين قادت النقشبندية مقاومة الاستعمار في آسيا

 

وضعت الصوفية بصمتها في التاريخ الإسلامي، وخطت لنفسها طريقًا مميزًا في ممارسة طقوسها الدينية ونظرتها للإنسان والحياة، وأشعلت بذلك جدلًا دينيًا حولها لم يضع أوزاره إلى اليوم.

ولكن بعيدًا عن المريد والمرشد ولحظات الوجد الصوفي، «لطالما انطوت الصوفية على أجندات سياسية، وشكلت مصدر تعبئة ضد حركات الاستعمار في آسيا الوسطى»، هذا ما تورده ورقة بحثية عن التصوف وآسيا الوسطى، صادرة عن معهد كارنيجي، وتتابع:«وبالرغم مما تبدو عليه من أنها حركات مسالمة، فإنها لم تزل تحمل بذور هذه المقاومة، وتمثل قوة لا يستهان بها».

ومن أبرز الطرق الصوفية التي انتشرت في قارة آسيا عمومًا وفي آسيا الوسطى خصوصًا، وصمد أتباعها في وجه الاستعمار الأوروبي الشرس: الطريقة النقشبندية، وفي هذا التقرير نستعرض قصصًا من مقاومتها ضد الإمبراطورية الروسية في آسيا الوسطى، وفي أماكن أخرى انتشرت فيها الطريقة.

«القلب مع الله واليد مشغولة بالعمل»

تنقل هدى درويش، أستاذة علم الأديان، في كتابها: «دور التصوف في انتشار الإسلام في آسيا الوسطى والقوقاز»، الموطن الأصلي لهذه الطريقة، تنقلُ قول روستيسلاف أندريفيتش فادييف: «لولا الحرب القوقازية التي أعاقت تقدمنا، لاستطاعت الجيوش الروسية أن تحتل الشرق جميعه، من مصر إلى اليونان، وهي تسير على أنغام فرقتها الموسيقية»، وفادييف جنرال روسي ومؤرخ عسكري (1824-1883).

ويذكر مؤلفو كتاب الصوفية أعلامها وتياراتها أن بداية انتشار الفكر الصوفي كانت في أواسط القرن الثامن وحتى بدايات القرن التاسع الميلادي، وكان من أبرز سماته الانسلاخ عن الحياة الدنيا والورع ورفض التعاون مع السلطات الدنيوية والعسكرية والتوكل على إرادة الله والاقتناع بنصيب الفرد في الأرض وتحمل الآلام، وظلت هذه هي السمة الأساسية لهذا الفكر.

وتطورت الجماعة وتعددت وجوهها وبدأ علماؤها بصياغة فهم جديد ومحاربة «الظواهر السلبية» في حاضر العالم الإسلامي. وفي هذا السياق، تأسست الطريقة النقشبندية، أولًا على يد عبد الخالق الغجدواني في مدينة بخارى، وأرسى الهيكل التنظيمي للطريقة، إلا أن اسمها ارتبط بتلميذه بهاء الدين نقشبند المولود عام 1318، والذي أغنى الحركة بعدد من الأحكام والمبادئ والتعاليم الصوفية التي منحتها الوجه الخاص لها.

رفض بهاء الدين الزهد الشديد الذي كانت تدعو إليه بعض الطرق الصوفية، وكان يشجع أتباعه على الانخراط في المجتمع وممارسة التجارة، والصناعة، والزراعة، والحرف اليدوية، وكان قادتها من التجار والقادة العسكريين ورجال الفكر؛ ما أتاح للطريقة نفوذًا اقتصاديًا وسياسيًا.

ولم تتضمن طقوس الطريقة الكثير من التدريبات الروحية والعزلة المطولة، بل كان المريد يقسم فقط على التوبة من الذنوب ومواصلة الذكر الخفي في القلب أثناء القيام بأعماله اليومية، ثم يزور مرشده كلما شعر بحاجة للزيارة، فقدمت الطريقة شكلًا جديدًا من أشكال الطرق الصوفية، جاذبةً أتباع كثر لسهولة التعاليم وخفة المتطلبات.

وبعد رحيل بهاء الدين خلفه علاء الدين العطار والخواجة محمد بارسا وعملا على رصّ صفوف الطريقة، وتوسيع تأثيرها الاجتماعي.

ثم بحلول القرن الخامس عشر، أصبحت النقشبندية الطريقة الروحية الأكثر انتشارًا وبسطت أفكارها على رقعة كبيرة من القاهرة في مصر، وللحجاز، وحتى تركيا والبوسنة، وشمال القوقاز، وفي جنوب الهند، وتفرّع عن الطريقة فروع انتشرت في أنحاء العالم الإسلامي أجمع.

الصعود السياسي للطريقة النقشبندية

نشر معهد كارنيجي بحثًا مطولا عن الصوفية في وسط آسيا ودورها السياسي هناك، وتذكر الورقة أن بداية تسييس الطريقة النقشبندية جاءت كرد فعل على انتهاكات الدولة التيمورية لأحكام الشريعة، وقد حكمت آسيا الوسطى في الفترة بين 1470 – 1506، واشتد نشاط الحركة السياسي في تلك الفترة، جاء ذلك مع تولي خواجة عبيد الله أحرار (1404- 1489) رئاسة الطريقة، والذي تدخل بدهاء في النزاعات الداخلية في الدولة التيمورية التي حكمت البلاد، وصار الحاكم الفعلي لإقليم ما وراء النهر لمدة 40 عامًا، وعبيد الله أول من دعى إلى أن تكون الأحكام في البلاد نابعة من الشريعة الإسلامية وليس العادات، ووحد الأخويات الصوفية جميعها تحت قيادة واحدة وقمع بشدة أي محاولات تمرد من المشايخ الصغار.

وعمل على تبسيط طقوس الطريقة ووسع قاعدتها الاجتماعية رابطًا الطريقة بعلاقات وثيقة مع الفئات التجارية والحرفية بالغةً بذلك ذروة تأثيرها السياسي والاقتصادي.

ولكن الطريقة واصلت طريقها وأدت دورًا هامًا في مجتمعات بلاد ما وراء النهر وقبائلها إلى أن أصبحت القوة المرجعية النشطة في تلك المناطق في القرن الثامن عشر وحتى القرن العشرين، وكان لها دور فعال في الحفاظ على الهوية الإسلامية وترسيخ قيم المقاومة.

«الشعوب الصغيرة بحاجة لخناجر كبيرة».. مقاومة الاستعمار الروسي

ارتبطت الطرق الصوفية بمقاومة الحركات الاستعمارية وظهر ذلك جليًا في دراسات المستشرقين لا سيما الروس، فمثلًا قال المستشرق الروسي بيوتر بوزدنيف، مهاجمًا الطرق: «إن دراويش الصوفية يستخدمون تأثيرهم على الجماهير الجاهلة والمؤمنة بالخرافات من أجل التخريب وتشويه سمعة الدولة والتحريض على العداء والكراهية ضد الروس».

وفي هذا السياق، كانت الطريقة النقشبندية هي المحرك الرئيس لمقاومي الاستعمار الروسي على أراضي القوقاز حيث بدأ شيخ الطريقة، منصور أشرمة، مقاومة الروس فقاتل هو ومريدوه قتالًا شرسًا ضدهم، إلى أن اعتُقل وأودع السجن حتى وفاته.

ثم خلفه الشيخ محمد البرغلاي الذي قاوم الروس واستشهد، ليتبعه جمال الدين الكزكومخي معلّم ومرشد المجاهدَين، الملا الغازي محمد والإمام شامل الداغستاني.

تذكر هدى درويش في كتابها كيف أشعلت خطب الغازي محمد حماس الناس ضد المحتل الروسي؛ إذ كان يقول: «إن الشعائر الدينية والأعمال الصالحة لا يقبلها الله طالما المستعمر الروسي مهيمن على أرضهم».

ولا غروَ أن أرسل الروس عام 1830 جيشًا للقضاء على ثورة الغازي محمد الذي قاومهم وكبّدهم خسائر طائلة واستمرت معاركه معهم حتى استشهد في واحدة من المعارك عام 1832 ليأخذ الراية من بعده شامل الداغستاني.

اهتم الإمام شامل بتوحيد الصفوف ونشر الوعاظ والمرشدين في الأقاليم ولتهيئة الناس لمهمة مقاومة المحتل الروسي، وقاد الإمام شامل حركة من أطول حركات المقاومة في التاريخ النضالي؛ إذ استمرت مقاومته للروس أكثر من ربع قرن عرقل فيها التقدم الروسي وكبده خسائر فادحة.

أعلام المقاومة والصمود في الحركات الصوفية

لم تكن الطريقة الصوفية الطريقة المقاومة الوحيدة، «إذ جاءت طرق صوفية أخرى مثل الطريقة القادرية والسنوسية والمولوية في مقدمة الطرق المقاومة التي تصدت لأشكال وجنسيات أخرى من الاستعمار الغربي»، كما تذكر سهام إدريسي في كتابها «الصوفية الوظيفية، الفكرة والأدوار».

ترى المؤلفة أن اليقين الإيماني ساهم في صمود الشخصيات المجهادة وتصديها للغزاة، مثل: أبي الحسن الشاذلي الذي قاوم في صفوف المصريين ضد الصليبيين عام 1249، وعمر المختار، شيخ المجاهدين الليبيين، الذي انتسب للطريقة السنوسية وقاوم المستعمر الإيطالي في ليبيا لمدة 20 عامًا. والأمير عبد القادر الجزائري الذي قاوم المستعمر الفرنسي في الجزائر لـ14 عامًا.

هذه النماذج المقاومة ضد الاستعمار، وغيرها الكثير، تظهر وجهًا آخر للطرق الصوفية، مخالفًا لثقافة التحجج بالقضاء والقدر، أو مطاوعة الاستعمار.

الطريقة النقشبندية تقاوم من جديد

لا شك أن الطريقة النقشبندية شهدت تراجعًا في نهجها المقاوم لفترة من الزمن، لا سيما بعد استسلام الإمام شامل للروس، لكن انتشارها الكبير في البلدان الإسلامية واستمرار دعوتها وقيمها التي تدعو للاندماج بالمجتمع وخوض غمار السياسة، جعلها تقترب من بقعة الضوء دائمًا، خاصة في مناطق الصراع.

ففي العراق، أسس عزت الدوري نائب الرئيس العراقي السابق صدام حسين، فصيل مقاومة سني صوفي أطلق عليه اسم جيش رجال الطريقة النقشبندية، لمقاومة الاحتلال الأمريكي والدولة الطائفية، على حد وصفه. وكان مبدأ الحركة يقوم على محاربة الاحتلال الأمريكي وحرمة الدم العراقي وعدم الانخراط في العملية السياسية؛ لأنها باطلة تمامًا من وجهة نظرهم، ومقاومة الهيمنة الإيرانية.

أما الحركة الديوبندية التي تُنسب إلى الطرق النقشبندية فقد ظهرت في الساحة الأفغانية والباكستانية وأيدت قيام دولة إسلامية في شبه القارة الهندية، وبعد قيام دولة باكستان وانتشار المدارس الديوبندية التحق بها الكثير من الأفغان وفي مقدمتهم الملا عمر والعديد من زعماء حركة طالبان، فيما أقر بشرعية الحركة أسامة بن لادن، زعيم تنظيم القاعدة السابق. وقاومت الحركة الغزوة الأمريكي لأفغانستان بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001.

الديوبندية

وفي سوريا اتخذت الطريقة النقشبندية شكلين من أشكال التعامل مع السلطة فمرة آثرت التحالف مع النظام كما فعلت الطريقة النقشبندية الكفتارية بقيادة أحمد كفتارو، ومرة خاضت نزاعًا مسلحًا معه كما فعلت عندما انضمت للمعارضة الإسلامية ضد نظام البعث في الأعوام

وساهم الانتشار الواسع للطريقة النقشبندية في تشكيل وجه الحركات السياسية في البلاد واستلهام الأفكار منها، خاصةً في تركيا، بعد الحركة الإصلاحية التي قادها خالد البغدادي في أوائل القرن التاسع عشر.

طوّر البغدادي الطريقة النقشبندية، وأصبحت تسمى الخالدية نسبة له؛ إذ أعاد طرح فكرة مقاومة المحتل الأجنبي والأفكار غير الإسلامية وشكّل قوة طالبت بإعادة الإسلام كمبدأ توجيهي للإصلاح، وأصبحت بهذا من قوى المعارضة في للحركة التحديثية في الدولة العثمانية، ثم للحزب الجمهوري بعد تأسيس الجمهورية التركية الحديثة، وظلَّت الطريقة النقشبندية بفروعها المختلفة تلعب دورًا في السياسة التركية، ولعل آخرها محاولة الانقلاب ضد «حزب العدالة والتنمية» الذي اتهم فتح الله جولن بتدبيره، وهو المنتسب للطريقة النورسية التي تعد فرعًا من النقشبندية.

ساسةبوست

ثمانية وثلاثون عامًا على عملية صور.. 76 جنديًا قُتِلوا.. إسرائيل الرسميّة ما زالت تُلملِم جراحها وترفض كشف المستور عن أسوأ وأخطر عمليّةٍ بتاريخها..مسؤولون كبار يكشِفون الخبايا وإخفاء الحقيقة
معركة المزرعة الصينية.. أشرس معارك الثغرة في حرب أكتوبر

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

developed by Nour Habib & Mahran Omairy