كعادتي في اختراع التّحديات الصغيرة، تلك التي لا أبحثُ فيها عن انتصار مُنعشٍ وإنما عن اختراقٍ خفيفٍ لجمودٍ عنيدٍ يُحاصرني؛ وجدتُ نفسي في يوم عطلتي وبعد أيامٍ مثقلة بالانشغالات أجلسُ على طاولتي بمواجهة ورقة بيضاء وأعزم على الكتابة عن أول شيء يصادفني.
لم أرد فكرة عظيمة لم يسبق لأحد أن تحدّث عنها، ولا قضية محوريّة تشغل العالم، ولا نصّاً أنيقاً يصفّقُ لهُ أحد. أردتُ فقط أن أكتب، أن أكتب عن أي شيء، بلا تفكير طويل، بلا تأمّلات، بلا صوت داخلي يسألني: هل هذا يستحقّ الكتابة أم لا؟
فكّرتُ حينها بأنّ الركود الكتابي الذي يتردد إليّ من حين لآخر لم يكن يوماً بسبب شحٍّ في الأفكار، وإنما بسبب فائضٍ من ترقّبٍ حذرٍ يبقى جالساً على عتبةِ بابِ اللحظةِ المناسبة وينتظرها إلى أن تخرج دون أن يفكّر في أنها قد تطيلُ غيبتَها إلى درجة قد لا يقوى على احتمالها.
وعلى الرغم من أنني لستُ من هُواةِ الجري خلف ما يسمّى اليوم ب”التريندات”، إذ إنني أراها ممارسة ناعمة لمحو الفردانيّة وتدريباً جماعيّاً على التشابه بلا أية ضرورة تذكر، دفعتُ بالتحدي إلى أقصاه وفتحتُ التشات جي بي تي وكتبت لهُ بالانكليزية: أنشئ لي رسماً كاريكاتوريّاً بالاعتماد على كلّ ما تعرفهُ عنّي.
في الحقيقة في تلك اللحظة لم أكن أبحث عن صورة وإنما عن إجابة لسؤال: ماذا يعرف عني فعلاً؟!
وهل يمكن للمعرفة التي تُختَزَل في بيانات وسياقات ونصوص سابقة أن تُلامس جوهر المرء حقاً؟!
عندما ظهرت النتيجة؛ كانت الصورة ذكيّة، مُرضية ومُقلقة في ذات الوقت.
فتاةٌ بابتسامةٍ عريضة ترتدي معطفاً أبيضاً، تجلسُ وسط فوضى مليئة بالأوراق والكتب والمُخطّطات، لا يخفى على كلّ مَن ينظر إليها بأنها تحاول أن تحمل كلّ ما تحبّ، قلباً مضيئاً بيد وقلماً أنيقاً بالأخرى، وعلى عنقها سمّاعةُ طبيّة تتأهّبُ لأن تصغي إلى كلّ مَن في الجوار. للحقيقة، كانت الصورة مقلقة بالنسبة إليّ لا لأنها لم تُشبهني، بل لأنها شابهتني أكثر مما توقّعت بكثير. شعرتُ للحظة بثقل الأسئلة:
هل يمكنني حقاً أن أوازن بين كل هذه الأشياء، وأن أكون كافية في كلّ منها؟
وهل يمكن أن تكون أجزاء اللوحة متناقضة لكنها متكاملة بشكل ما؟
لم أُطل التفكير لأن ذلك كان من شروط التحدي وتذكّرت كيف أن أينشتاين شبّه حياة الإنسان بركوب الدراجة؛ لكي تبقى متوازناً عليك أن تستمرّ في الحركة.
فكّرتُ بأن أينشتاين محقّ؛ قد لا يكون التوازن كامناً في السكون على الدوام وإنما قد يكون كامناً في الحركة المستمرّة بين الأدوار.
وعن سرّ الابتسامة العريضة؛ يمكنني القول بأنّ أكبر الدروس التي تعلّمتها في حياتي هي أنّ على الإنسان أن يكون ذكيّاً بما يكفي ليكون سعيداً، فالسعادة لا تأتي مصادفة، ولا تُمنَح، ولا تُستعار. السعادة تحتاج إلى ذكاء؛ ذكاء في اختيار المعارك، وفي تجاهل ما لا يستحقّ، وفي فهم أنّ بعض الخسارات ليست هزائم وإنما إنقاذات مؤجّلة.
أعلم أن العالم ليس مزروعاً بالسعادة، وأن هناك كثيرين يحبون شكل الأزهار وهي ذابلة، فئةٌ منهم يكون سبب حبّهم الغريب ذاك هو كرهُهم للذبول الذي في داخلهم لذا يسعون بكل ما أُوتوا من وسائل لإبقاء أزهارِ من حولهم ذابلة عطشى بلا لون أو رائحة أو منظر، وفئةٌ أخرى يكون السبب مغايراً تماماً ألا وهو أُنسهُم القديم للحزن؛ صديقهم المألوف الذي لا يطالبهم بما يفوقُ استطاعتهم.
ورغم أنني أعلم كل ذلك إلّا أنني تعلّمت مع مرور الأيام بأن أرسم أزهاري بنفسي، أرعاها بمعناي لا بانتظار مواسم الآخرين، وأسقيها من داخلي لا من مزاج العالم، ولهذا؛ فهي لا تؤول إلى الذبول أبداً.
ولأنّني أُتقنُ رسمَ زهوري نظرتُ إلى الصورة التي أرسلها إليّ التشات جي بي تي وحوّلتُ السؤال الذي أقلقني من: هل أستطيع أن أكون كل هذا؟
إلى سؤال: كيف كنتُ سأكون، لو لم أكن كلّ هذا؟!
ابتسمتُ لنفسي وشعرتُ بأنني ممتنّة لما أنا عليه حقّاً.
بوابة الشرق الأوسط الجديدة



