بوابة الشرق الأوسط الجديدة

تحليلات سياسية

جولة جنيف والتصور القادم..

مازن بلال

تتحول جنيف إلى مساحة للترقب، فالوفود الموزعة على أربعة فنادق تقدم صورة عن واقع التباعد السياسي، ولرمزية المكان مؤشراتها التي لا تنفصل عن مسار لقاءات ستيفان دي مستورا؛ فالوفد الرسمي كان موجوداً قرب المطار من دون أن يكون معزولاً عن الإعلام أو التحرك السياسي، لكنه في نفس الوقت بعيد عن أي احتكاك مع وفدي “موسكو” و”الرياض”، وبعيد أيضاً عن إيجاد مساحة مشتركة لم يحاول دي مستورا ترميمها لأن مهمته على ما يبدو تجنب التصادم، والاحتفاظ بالوفود حتى اليوم الأخير من الجولة، واختار دي مستورا أيضاً اليوم الأخير ليتسلم أوراق الوفود من دون نقاشات مطولة باستثناء مباحثاته مع الوفد الرسمي.

الأسئلة التي وجهها ديمستورا تجاوزت عملية التوافق الأولي وتوجهت نحو عملية بناء الدولة والآليات التي تراها الوفود، فاهتمامه وفق المؤشرات هو صياغة آليات سريعة وقوية للدخول في خطة الطريق التي وضعت أسسها لقاءات فيينا، والأمر الأساسي هنا مرتبط بنقطتين:

الأولى تقديم نموذج لحل الصراعات يمكن الاعتماد عليه في كل الشرق الأوسط، بما في ذلك “إسرائيل”؛ حيث تبدو الحرب السورية مجالاً للدخول في اختبار صعب لإعادة بناء المنطقة ككل ودمجها ضمن منظومة واحدة، بهذه الصورة فإن بناء عملية سياسية مختلطة هو الرهان داخل الدبلوماسية الدولية عموماً، فهي مختلطة لأنها تعيد هيكلة العلاقة بين الشكل السياسي والدولة، وبين الحلول السياسية والعلاقات الإقليمية.

يتحرك المجتمع الدولي عموماً ضمن نموذج لا يمكن تطبيقه على جغرافية واحدة؛ لأنه ينظر إلى الأزمات القائمة من العراق وصولاً إلى اليمن على أنها حزمة واحدة، وينطلق في الحل من ضرورة هندسة العلاقات الإقليمية بعيداً عن مركزية بعض القضايا، مثل الصراع مع “إسرائيل” أو الاحتكاك القديم بين إيران والسعودية في منطقة الخليج، أو حتى الأزمات التي تخلفها المسألة الكردية على طول الحدود الشمالية لسورية والعراق، فالعلاقات القادمة لديها تأسيس مختلف ينطلق من منظومة أمن مستقلة محورها الرئيسي هو الإرهاب، ومهمة هذه المنظومة إقامة عزل كامل عن منطقة الصراع الحالي، وتوضح اتفاقيات الاتحاد الأوروبي مع أنقرة رغبة في جعل تركيا المحطة الأخيرة بين مناطق الإرهاب والعمق الأوروبي.

الثاني التركيز على طبيعة البنى الداخلية بما يخدم البعد الإقليمي لنموذج الحل في سورية، فأسئلة دي مستورا مهتمة بالحوكمة أكثر من اهتمامها بطبيعة النظام القائم؛ فهي تبحث عن دولة يمكن محاسبتها سريعاً وفق نظام يضمن عدم تضخم دورها الإقليمي، وتأمين هامش عريض يتم توزيع السلطة فيه أو تشتيتها.

من المؤكد أن دي مستورا يعتمد على دور روسي وأمريكي فعال قوي، وهو في الجولة الأخيرة وضع الوفود أمام استحقاق مباشر لرؤيتها من دون استعجال الدخول في الحل السياسي، فكل القادمين إلى جنيف يواجهون عبر الإجابة على أسئلته مرحلة مختلفة تماماً؛ فهي تحول نحو تدعيم منهج الحل الداخلي والإقليمي، وخلق تصور لا يهتم بالتناقضات الداخلية بل قدرة الوفود على الانسجام مع النموذج القادم لسورية والمنطقة.

لم يعد توزيع الأدوار الإقليمية أولية في رسم الشرق الأوسط، فهي أولاً وأخيراً موجودة في نوعية العلاقات القادمة بين الدول التي لا تملك هامشاً كبيراً لبناء سياسات خارج إطار المنظومة القادمة، وهي أيضاً ستجد نفسها داخل نظام معقد من حسابات النجاح والخسارة في أي سياسة جديدة، والأهم أنها ستفقد القضايا المركزية التي تشكل الإرث الإقليمي مثل الصراع مع “إسرائيل” أو تعزيز “التضامن العربي” أو غيرهما، وستدخل في دائرة رسم حدود لضبط العلاقات مع جيرانها فيما يتعلق بحركة الإرهاب، والبحث عن خطط اقتصادية يكون جوهرها محاصرة حركة المال باتجاه الإرهاب، أما أمنها وسيادتها فلهما مفهوم آخر مرتبط بالقدرة على التعايش مع طبيعتها كدول تمتص الإرهاب وتتحرك دوماً لمحاصرته.

سورية و حكاية انهيار العلاقات الروسية - الإيرانية
الحل السوري، بعد معركة تدمر !

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

developed by Nour Habib & Mahran Omairy