بوابة الشرق الأوسط الجديدة

تحليلات سياسية

هل أصبحت «ولاية درعا» أمراً واقعاً؟

عبد الله سليمان علي

أعلن «جيش الفتح في الجنوب»، الذي تهيمن عليه «جبهة النصرة»، الحرب الشاملة على «لواء شهداء اليرموك»، الذي يُتَّهم بأنه مرتبط بتنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام»-»داعش»، بعد اتخاذ اللواء سلسلة من الإجراءات أثارت الخشية من أن تكون تمهيداً لإعلان «إمارة» في معقله ببلدة الشجرة في ريف درعا الغربي.

في هذه الأثناء، تواصلت ردود الأفعال على مقالات «أحرار الشام» السياسية المنشورة في الصحف الغربية، حيث أعلنت «جبهة النصرة» رسمياً رفضها لمضمون هذه المقالات جملة وتفصيلاً، الأمر الذي يجعل العلاقة بين الطرفين تمر بأعمق أزمة في تاريخهما. وعلى وقع ذلك استمرت «النصرة» في التخلص من قادتها السوريين، مستندة إلى فتاوى صادرة من وراء الحدود.

«ولاية درعا»

بعد أشهر من المعارك التي شهدها ريف درعا الغربي، عقب توجيه «جبهة النصرة» اتهاماً إلى «لواء شهداء اليرموك» الذي يقوده أبو علي البريدي بمبايعة «داعش» سراً، وبعد فشل العديد من مساعي الصلح والتسوية بين الطرفين، وعجز كل طرف عن إلحاق الهزيمة العسكرية بخصمه، أقدم «شهداء اليرموك» على اتخاذ سلسلة من الخطوات الاستفزازية التي تزيد الشكوك حول ارتباطه الفعلي بتنظيم «الدولة الإسلامية»، وتضع «جبهة النصرة» أمام تحدٍّ خطير جداً، خاصة أنها تدرك أن نفوذها وهيبتها هما المستهدفان بالدرجة الأولى من وراء ذلك.

وأكثر هذه الخطوات دلالةً على إمعان «شهداء اليرموك» في تنفيذ مخطط «الإمارة» هو الإعلان عن تأسيس «محكمة شرعية» خاصة به، يكون مقرها في بلدة شجرة التي تعتبر معقله الأساسي، معتبراً، في البيان الذي أصدره، أن «هذه المحكمة هي الجهة الشرعية الوحيدة التي تؤخذ منها أحكام الفصل القضائية في منطقة حوض اليرموك». وأشار البيان إلى أن الغاية من تأسيس هذه «المحكمة» هي «السعي في طريق التمكين».

ولا يخفى أن خطوة تأسيس المحكمة ووضعها في سياق تحقيق التمكين، هي تقليد كان «الدولة الإسلامية» يتّبعه تمهيداً لفرض هيمنته على منطقة معينة. وما عزز من ذلك أن «شهداء اليرموك» أرفق بيان تأسيس «المحكمة» ببيان آخر، أعلن فيه عن تأسيس «شرطة إسلامية»، ودعا إلى الانتساب إليها ضمن شروط محددة خلال 7 أيام من تاريخ صدور البيان. كما دعا أصحاب الكفاءة والاختصاص للتقدم بطلبات من أجل اختيار قضاة من بينهم.

وقد اتهم بعض النشطاء «شهداء اليرموك» بأنه يسعى إلى تأسيس «ولاية درعا» لمصلحة «داعش»، مستندين إلى جملة البيانات السابقة وما تضمنته من إجراءات، وكذلك إلى صورة تم تداولها على مواقع التواصل الاجتماعي مأخوذة من «ملتقى دعوي» عقده اللواء الأسبوع الماضي، وتظهر الصورة راية «الدولة الإسلامية» وقد كتب عليها بالأسفل كلمة «ولاية درعا»، ولكن لم يتسنّ لـ «السفير» التحقق من صحة هذه الصورة.

وبالرغم من أن سياسة «شهداء اليرموك» كانت منذ البداية هي نفي ارتباطه بتنظيم «داعش» وإنكار أي علاقة به، إلا أن «جبهة النصرة» وحلفاءها، وعلى رأسهم «أحرار الشام»، بقوا مصرين على وجود بيعة سرية بين الطرفين، الأمر الذي دفعهما في السابق إلى شن عدة هجمات للقضاء عليه، ولكنها باءت جميعاً بالفشل. ويبدو أن الإجراءات الجديدة التي اتخذها «شهداء اليرموك» كانت بالنسبة إلى «النصرة» أخطر من أن يُسكت عنها، لذلك لجأت إلى التصعيد.

وكردٍّ على الخطوات الاستفزازية التي اتخذها «شهداء اليرموك» أصدر «جيش الفتح في الجنوب»، وهو تشكيل جديد ظهر الشهر الماضي في درعا ولكن لم يحظ بتأييد غالبية الفصائل المسلحة في المحافظة، بيانين، أعلن في الأول منهما ويحمل الرقم (1) «استمرار الحرب على شهداء اليرموك، حتى استئصال هذه الشرذمة وكل من يناصرهم من الخوارج». وفي البيان الرقم (2) طلب من عناصر اللواء «تسليم أنفسهم وأسلحتهم إلى أقرب مقر من مقارّ جيش الفتح»، واعداً من يقدم على هذه الخطوة بأن يكون «آمناً».

ولكن البيان استثنى من «الأمان» 13 شخصاً من قيادات «شهداء اليرموك»، في مقدمتهم زعيمه أبو علي البريدي (الخال)، وأبو بكر الأردني، وأبو مصعب الفنوصي (زعيم سرايا الجهاد)، وأبو عبيدة قحطان.

العريدي يضرب «أحرار الشام»

وردّ المسؤول الشرعي العام في «جبهة النصرة» سامي العريدي، أردني الجنسية، على المقالات السياسية التي نشرها مسؤول العلاقات الخارجية في «أحرار الشام» لبيب النحاس في بعض الصحف الغربية، معلناً رفضه لمضمون هذه المقالات جملة وتفصيلاً.

ولكن العريدي آثر في سبيل تلطيف رده أن يصوغه على شكل دعوة موجهة لأهل الشام للاستماع إلى «الحكيم أبو مصعب السوري» المعروف بمؤلفاته «الجهادية»، ومنها دراسة نقدية لتجربة «الطليعة المقاتلة» في سوريا في ثمانينيات القرن الماضي. وحاول العريدي أن يستخلص أهم الانتقادات التي تحدث عنها السوري والتي يمكن إسقاطها على «أحرار الشام» في توجهاتها الأخيرة، وعلى رأسها قضية التقارب مع الغرب التي كانت محور مقالات النحاس. وركّز العريدي على مقولة أبي مصعب السوري: «لا يمكن لعدو الأمس واليوم أن يكون حليف المستقبل، وصديق الدرب، ورفيق المعركة والناصر المعين، لقد كان درساً قاسياً لا تزال سلبياته تلاحقنا حتى الآن». ولكن العريدي لم يكلف نفسه عناء تفسير لماذا تتحالف «جبهة النصرة» في إدلب مع فصائل أقر زعيمه أبو محمد الجولاني أنها تتلقى تمويلاً مشروطاً من بعض الدول؟

ويأتي رد العريدي ليثبت حقيقتين أشارت إليهما «السفير» في تقرير سابق: الأولى، وجود انقسام داخل «جبهة النصرة» حول توجهات «أحرار الشام» السياسية. ففريق يقوده أبو ماريا القحطاني ومظهر الويس (أبو عبد الرحمن الشامي) وأبو صالح الحموي، يرى أن هذه التوجهات تتوافق مع مبادئ السياسة الشرعية وبالتالي ليس فيها ما يعاب، ويشير هذا الفريق تدعيماً لموقفه إلى انتهاج حركة «طالبان» نفس هذه التوجهات في تعاملاتها الإقليمية والدولية. والفريق الثاني يقوده، كما كان متوقعاً، المسؤول الشرعي العام سامي العريدي، والذي يتوافق مع رأي كبار مشايخ «القاعدة» خارج سوريا، أمثال أبو محمد المقدسي وأبو قتادة الفلسطيني، والأخير كان أول من وجه سهام انتقاداته الجارحة إلى مقالات لبيب النحاس موجهاً إليه تهمة «الخيانة».

والحقيقة الثانية، تتمثل في أن التيار المتشدد في «جبهة النصرة»، والذي يتأثر كثيرا بالتعليمات والتوجيهات التي يرسلها شيخا «القاعدة» السابقان المقدسي والفلسطيني، بات هو التيار الذي يتحكم بقيادة «النصرة» ويفرض رؤيته حول مجمل القضايا السياسية والعسكرية، بينما التيار الأقل تشدداً (والذي لم يمانع في السابق بفك الارتباط مع «القاعدة») فإنه يضمحل، وتتقلص قدرته على التأثير في القرارات المركزية للجماعة. ولا غرو في ذلك، لأن التيار الثاني تعرض خلال الفترة الماضية إلى عدة نكسات أفقدته القدرة على مجابهة التيار الأول. وآخر هذه النكسات كان قرار عزل أحد مؤسسي «جبهة النصرة» أبو صالح الحموي، المعروف باسم «أس الصراع»، بعد انتقاده لسياسة «النصرة» علنا، وكذلك ما تكشف من وضع قيادات كبيرة على قائمة المرشحين للعزل أمثال أبو ماريا القحطاني ومظهر الويس.

وتأتي التسريبات بخصوص صدور حكم إعدام على القيادي في «جبهة النصرة» أبو حسين رحال، المعتقل في سجون جماعته منذ حوالي تسعة أشهر، كي تؤكد أن التيار المتشدد مصرٌّ على استئصال التيار الثاني، وإفقاده أي قدرة على منافسته في القيادة. وقد تداول بعض المقربين من «جبهة النصرة» أن قرار الإعدام صدر بناء على فتوى صادرة عن أبي قتادة الفلسطيني، وذلك بعدما أصدرت «المحكمة» الناظرة في دعوى رحال قراراً ببراءته لعدم توافر الأدلة، لكن الفلسطيني وجد في مفهوم «الاستفاضة» ضالته المنشودة التي اعتمد عليها لإصدار الفتوى القاضية بإهدار دم القيادي في «جبهة النصرة»، وهو ما لاقى انتقادات كثيرة، لأن الاستفاضة، بحسب تعريفها الشرعي، لا يمكن استخدامها كوسيلة إثبات أمام القضاء.

صحيفة السفير اللبنانية

الفرص محدودة أمام قيام منطقة آمنة في سورية
حرب أنقرة تنال «الشرعية»... ولا سلام مع الأكراد

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

developed by Nour Habib & Mahran Omairy