شرفات فن و ثقافة

جنون الفنان حسام الدين تحسين بك في نص فانتازي!

عماد نداف

 

خاص بوابة الشرق الأوسط الجديدة

أقدم الفنان السوري حسام الدين تحسين بك على ارتكاب أدبي على غاية الأهمية، فهو يتدثر بغطاء مفاده أنه لا يطرح نفسه كاتباً، فإذا هو يقدم نصا على غاية الأهمية ينعي فيه المؤسسة الاجتماعية الأخلاقية دفعة واحدة، وخاصة عندما يقول على غلاف كتابه :

أنا اليوم في داخلي كلّه بكاء، أبحث عن هؤلاء، أبحث عن هؤلاء!

من هؤلاء الذين يبحث عنهم، هل هم أشخاص، هل هم أصدقاء، هل هم أهل؟ ولكي تعرف الجواب، ينبغي أن تقرأ نصه كاملاً، ونجتزأ منه : “كان في زماني قسَمٌ يحترم، وبشرٌ مرسوم على جبهتها شرف الكلمة، ونخوة الشجعان الذين يميزون قيمة الوعد على الروح. كان في زماني قيمة السمعة ومكان الشرف وصون أسرار البشر، ونجدة الدمعة ومسح عنها تشويه الصور، بشر يستخلص من دمها الفداء، ومن كلمتها صح الصح، فالكل فداء الكل.. ”

إذا هناك منظومة اجتماعية ينعيها حسام تحسين بك بشكل فج وواضح، ولكي يضع القارئ في مواجهة مع الحقيقة يرتكب فعلاً كتابياً جميلاً، حتى لو كانت (أخطاؤه) كثيرة، ويبني على هذا الفعل قصة (رائعة فعلا) .

جاءت القصة من خلال كتابه المعنون بك (سكان هذا الزمان ــ أسير الجنون) ويحكي فيه حكايته، وهو يعلن منذ الصفحات الأولى إنها ” ليست جنوناً ولكنها متماشية معه” ورغم أنه يروي الحكاية بطريقة الراوي “اسمي سعيد.. أجادل وأراوغ، ولكن صدقوني..” ص 11، فهو يندفع في عملية تخييل هامة، تصل إلى حد توطين مشروع لفيلم سينمائي كبير.

وتبدأ السردية، باعترافه أنه سافر من الشام إلى الساحل هارباً من مكانه وأشيائه وكل ما يذكره بما لا يريد أن يتذكره بحثا عن دار صغيرة نائية إلى أن ” أخذني أحدهم إلى ورثة توفي والدهم بعد أن عافوا مكانهم ليستمتعوا بمباهج المدينة” ص 15

ويصف البيت (العزلة) بأنه عبارة عن غرفة كبيرة فيها حائط صغير يتوارى خلفه مايسمى بالمطبخ، والمطبخ فيه باب على مرحاض والبيت حفرت أرضه وهدمت حيطانه. وما أن يجد هذا البيت حتى يعود إلى دمشق ويبيع منزله وسيارته المتواضعة وأثاث بيته لينسى كله شيء ويتفرغ إلى عزلته .

إذا هو هروب واضح، من مكان واضح، إلى مكان ساحلي غير واضح ينأى فيه عن ذاكرة مليئة بالوحشة، التي هي الماضي، ولكن ما الذي حصل هناك في تلك العزلة، التي يرتبها ويؤثثها من جديد، ويبدأ فيها رحلة الهروب تلك.

على مقربة من ذلك البيت ثمة قرية يتجه إليها لشراء حاجياته ، فيسأله أبو رضا عن سبب مجيئه قائلاً ” ولادنا عم يتركونا ويروحوا ع المدينة وأنتو عم تجوا لهون ؟” ويأخذه أبو رضا إلى صاحب دكان اسمه أبو أسعد لنبدأ في اكتشاف ملامح المكان الجديد (العزلة) وترابطه مع البيئة الجديدة.

تبدأ الحياة في بيت العزلة، بعد أن يرممه، ويصنع منه سكنا يليق باحتياجاته وهواياته، وعندما يقع في السأم، يطرح بيته للبيع عند أبي أسعد، دون أن يجد راغبين في الشراء.

ثم فجأة، وذات ليلة، يظهر (الذئب)، فيشغلنا الراوي بالتأهب لملاقاته عبر البندقية التي يملكها، وعند الصباح يخرج متأهبا لتناول إفطاره بعد أن يطمئن الى المكان، فإذا به أمامه : ” أخذني نظري إلى ذئب يقف أمامي مباشرة على بعد حوالي خمسين مترا..” ص 61 يدخل إلى البيت ويأتي بالبندقية، ويجلس يرقب الذب والذئب يراقبه، ثم يقوم بجلب بقايا طعام ويقدمها له فيأكلها الذئب بعد تردد، ثم يعود إلى المنحدر ويغيب عنه..

ومع تكرار الحالة، يتحول الذئب إلى حارس أمين لبيت العزلة، يأكل من صاحبه، ويهز ذيله شاكرا، ويركع أمامه على كرمه، وعندما يسأل أبا أسعد عن قصة هذا البيت يحكي له عن صاحبه الأصلي الذي كان يسكن في أطيان واسعة، فتركه أولاده وحيداً ثم ماتت زوجته ، فباع كل شيء وبنى هذا البيت الصغير ليمضي بقية حياته..

أثناء عودته من دكان أبي أسعد يلاقيه الذئب ويمشي معه، ولأن الطقس بارد يدخله إلى البيت ويطعمه، فيجده وقد شرع يتجول في البيت، وكأن يعرفه. وعند الصباح يخرجان ، كالعادة، ويقرر ترك البيت وتسليم المفتاح لأبي أسعد،  ويفاجأ بأن الذئب حاول منعه عندما هم بمغادرة المكان..

هي نوع جديد من الكتابة، ينسف فيها القيم الإنسانية، ويأتي بقيم أخرى يكتشفها في الذئب، لكنه يحمل هذه المعاني على فانتازيا ساحرة، تقوم على نوع من التخاطب الحسي بينه وبين الذئب، فخلال محاولات الذئب منه من المغادرة، يغريه الذئب بالنبش في مكان قريب من البيت، يجعله في حيرة، ليكتشف فيه الإرث/ الكنز الذي تركه صاحب البيت في هذه (المطمرة) ، فإذا نحن أمام احتمالات رمزية تذهب إلى حد التخمين أن الذئب هو جزء من إرسالية روحية من صاحب البيت الأصلي..

مشروع كتابة على غاية الأهمية قدمه لي الفنان حسام الدين تحسين بك، بعد أن انتقدته في نصه التلفزيوني (الكندوش) ، الذي دافع عنه بقوة، وهو ينفي أن يكون النص وتفاصيله على النحو الذي ظهر فيها على التلفزيون.

لقد عرفنا الفنان حسام تحسين بك مبدعا في الدبكة والتمثيل والغناء وكتابة وتلحين الأغاني، لكنه في مشروعه هذا يرتقي إلى مستوى البحث عن نص يليق بتجربته !

بوابة الشرق الأوسط الجديدة

 


developed by Nour Habib & Mahran Omairy